الدرس في اللالئ الدرية شرح المقدمة الجزرية 23، باب الوقف والابتداء والسكت والوقف . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا المحور مصطلحات الوقف والابتداء والسكت والقطع لغةً واصطلاحاً، مبيناً أن الوقف هو قطع الصوت مع التنفس بقصد العودة بينما السكت قطع دون تنفس. كما يستعرض أقسام الوقف الاختياري إلى جائز (تام، كافٍ، حسن) وغير جائز (قبيح) مع أدلة وجوب تعلمه.
يخصص هذا المحور للحديث عن نوعين رئيسيين من الوقف الجائز: الوقف التام الذي يتم فيه المعنى لفظاً وبلاغةً ولا يتصل بما بعده، والوقف الكافي الذي يتم لفظاً لكن له تعلق معنوي بما بعده. يذكر أمثلة لكل منهما كوقوف رؤوس الآيات ونهاية القصص للوقف التام، والابتداء بمبتدأ أو فعل مستأنف للوقف الكافي.
يبين هذا المحور الفرق الدقيق بين الوقف الكافي (يتم اللفظ ويتعلق المعنى بما بعده) والوقف الحسن (يتم اللفظ ويتعلق اللفظ والمعنى بما بعده) مع أمثلة قرآنية موضحة. ويختتم بالإشارة إلى الوقف القبيح الذي سيتم تفصيله في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم معنا باب هو باب الوقف والابتداء والسكت والقطع. قال: الوقف لغةً: الكف والمنع. واصطلاحاً: قطع الصوت بعد النطق بالكلمة القرآنية مع التنفس، مع العزم على إكمال القراءة مرة أخرى. ويكون الوقف على رؤوس الآي أو بعد آخر الكلمة. هذا معنى الوقف لغةً واصطلاحاً: أن تقطع الصوت بعدما تنطق بالكلمة مع أخذ نفس، على أن تعود مرة أخرى للقراءة. وأما الابتداء: فلغةً من البدء، واصطلاحاً: كيفية البدء بنطق الكلمة في حالة الانتقال من حالة السكوت إلى حالة التكلم. معنى: كيف نبدأ بالكلمة بعدما نسكت؟ هذا يسمى الابتداء. والسكت: لغةً الفصل بين كلمتين بلا تنفس، بلا تنفس. ما معنى السكت بين الكلمتين؟ بسكته بدون تنفس، يعني تقطع الصوت بدون تنفس. قال: "سكت عن الكلام ذا امتنى عليه". واصطلاحاً: قطع الصوت زمناً أقل من زمن الوقوف من غير تنفس مع قصد القراءة. زمن الوقوف قد يكون أطول، وأما السكت فليس بطويل، وإنما هو قطع يسير من غير تنفس ثم استمرار القراءة. قال ابن الجزري: وهو مقيد بالسماع، فلا يجوز إلا فيما ثبت فيه النقل وصحت به الرواية. يعني السكت ليس على المشتهى والكيف، وإنما هو مقيد بالسماع، أي ما سمع عن طريق الأخذ من المشايخ. وما سمع في هذه الكلمة سكت، أخذ به، وما لم يسمع السكت لا يؤخذ به. والقطع: لغةً الإبانة والإزالة. يقال: قطع الرغبة إذا أزالها، يعني فصلها. واصطلاحاً: قطع القراءة بالكلية والانتقال عنها إلى حال أخرى، ولا يكون إلا عند رؤوس الآي. يعني القطع ما يكون في وسط الآية عند كلمة معينة، إنما هذا يكون الوقف. والقطع معناه: خلاص، أنك تريد تنتهي من القراءة، تقطع القراءة وتنصرف إلى شيء آخر. فالقطع لا يكون إلا على رأس آية، تكمل الآية ثم لك أن تقطع القراءة. قال الناظم رحمه الله: "وبعد تجويدك للحروف لا بد من معرفة الوقوف والابتداء، وهي تقسم إذا ثلاثة: تام، وكاف، وحسن". يقول: بعد ما تعرف التجويد بالمخارج والصفات لا بد أن تعرف الوقف، لا بد من ذلك. والشرح: أي بعد ما أتقنت - أيها القارئ - مخارج الحروف وصفاتها بحسن تلاوتها ونطقها، لا بد لك من معرفة الوقف والابتداء، إذ معرفة ذلك متأكد وحتم؛ لأنه لا يتبين معنى كلام الله ويتم على أكمل وجه إلا بذلك. وقد نقل السيوطي الإجماع على تعلم الوقف، وكذلك ابن الجزري، وذكر عدداً من الأدلة. منها: أنه يجب تعلم الوقف في القرآن. قال الأول: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "فقد عشنا برهة من دهرنا وإنا لندؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغي أن يوقف عنده منها". يعني يقفون على الآيات ويتفهمونها ويعملون بها. وثانٍ: عن علي رضي الله عنه لما سئل عن قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، قال: "معرفة الوقوف وتجويد الحروف". يعني هذا معنى الترتيل. قال ابن الجزري: ففي كلام علي رضي الله عنه دليل على وجوب تعلم الوقف والابتداء ومعرفته، وفي كلام ابن عمر على أن تعلمه إجماع من الصحابة رضي الله عنهم. انتهى كلامه. وذكر السيوطي نحوه في الإتقان، حيث قال: وما سبق دال على أن الصحابة كانوا يتعلمون الوقف والقرآن معاً، وعلى هذا كان إجماع التابعين والقراء منهم خاصة، وعلى رأسهم نافع وأبو عمر ويعقوب وعاصم، لدرجة أن كثيراً من العلماء اشترط أن لا تعطى الإجازة لأحد إلا بعد معرفته بالوقوف. يعني إذا أحسن الوقف يقال له: اقرأ، فإذا قرأ وأحسن الوقف فإنه يعطى الإجازة من شيخه. يعطى الإجازة، أي هذا جدير بأن يعلم القرآن. وإذا لم يحسن الوقف لا يعطى الإجازة؛ لأن الوقف يعتبر كالركن الثاني في القراءة. فالركن الأول: التجويد، والركن الثاني: معرفة الوقف. بعدما تحسن التلاوة، أتقنت التلاوة، اعرف أين تقف، ولا تقف على موضع لا يجوز الوقف عليه؛ لأنه زينة القراءة. هذا الوقف به يتم ماذا؟ معنى الكلام. ثم قال: "وقوله: وهي تقسم إذا ثلاثة، إشارة منه إلى أن أقسام الوقف ثلاثة". أقسام الوقف ثلاثة: تام، وكافٍ، وحسن. والتحقيق أن هذه الثلاثة هي من أقسام الوقف الجائز؛ لأن الوقف قسمان: الصحيح أن الوقف ينقسم إلى قسمين: جائز وغير جائز. الجائز أقسام، وهي هذه: تام، وكافٍ، وحسن. فالجائز ما تقدم ذكره، وغير الجائز هو الوقف القبيح الذي سيذكره النظم بقوله: "وغير ما تم قبيح". سيأتي ذكره في النظم أنه أشار إليه. أشار ابن الجزري إلى الوقف القبيح لكن دون هذا التقسيم، أنه فيه جائز وفيه غير جائز. هو فقط ذكر الثلاثة الأنواع الأولى من قسم الجائز، ثم ذكر غير الجائز وهو القبيح، ولم يذكر شيئاً اسمه جائز وغير جائز، وإنما قال: هذا تام وكافٍ وحسن، وهذا قبيح. فالثلاثة الأولى من قسم الجائز، والأخير هذا من قسم غير الجائز. وعلم أن الوقفة أربعة أقسام: اختياري، اضطراري، اختباري، انتظاري. يعني إما أن يكون القارئ مختاراً للوقف، وإما أن يكون مضطراً على الوقف، وإما أن يكون مختبراً من قبل أستاذه شيخه، وإما أن يكون منتظراً. أيضاً هذا في الاختبار أيضاً: الانتظار، أو قد لا يكون ماذا في الاختبار؟ بأن ينتظر بحيث يتفكر ويتأمل ويستحضر القراءات. فالوقف الاختياري: هو الذي يقصد القارئ بمحض إرادته من غير عروض سبب خارجه. يعني دون سبب، أنا أريد أن أقف على هذه الكلمة، هذا يسمى وقفاً اختيارياً. وينقسم الوقف الاختياري هذا بدون سبب إلى قسمين: جائز وقبيح، وستأتي هذه الأنواع كلها إن شاء الله تعالى. فالوقف الجائز: هو الوقف على كلام تم معناه، لا يخالف ما أراده الله من إيراد الكلام. هذا الوقف يسمى الجائز. والجائز داخل في الاختياري. فالجائز ثلاثة أقسام، ما هي؟ ذكرها ابن الجزري: هي التام، والكافي، والحسن. ما هو الوقف التام؟ الوقف التام: هو الوقف على كلام تم معناه، ولم يتعلق بما بعده لفظاً ولا معنى. والمقصود بالتعلق في اللفظ: هو التعلق من جهة الإعراب. والمقصود بالتعلق بالمعنى: هو التعلق من جهة البلاغة والتفسير والإخبار. يعني يقول لك: كلام تام لا يحتاج إلى ما بعده؛ لأن الجملة تامة. تامة من حيث الإعراب، وتامة من حيث المعنى. يعني المعنى البلاغي كامل، والإعراب كامل. الإعراب مثلاً: أن يكون هناك فاعل، فعل يحتاج إلى فاعل. إذا كان هناك فعل يحتاج إلى فاعل وما تم الكلام، ما يقال له تام، بل أن تكون الجملة تامة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر. وهذا فعل وفاعل ومفعول إذا احتاجت من مفعول، أو حال، أو تميز، أو نحو ذلك. لأن أحياناً الكلام يتوقف على هذه الكلمة. إذا قال: تم الكلام، هذا من حيث اللفظ يقال له تام لفظاً. بقي المعنى البلاغي. المعنى البلاغي الذي هو يكون في علم البلاغة، وهو علم البيان، علم البيان من يعني: استعارة، من كناية، من كذلك الجناس والطباق ونحو ذلك، الذي يدرس في علم البلاغة. قال: في الوقف التام هو الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده. يعني إذا وقفت على آخر الكلمة، يحسن أن أبتدئ بالكلمة الأخرى؛ لأن الكلمة الأولى التي الأخيرة هذه التي وقفت عليها قد تم المعنى بها، وهذه غير متعلقة بما بعدها. وهذا غالباً يكون على رؤوس الآيات. غالباً، وسمي تاما لأن الكلام تم وكمل به. وأمثلته كثيرة جداً. منها: كيف تعرفه أن هذا الوقف تام؟ بأمور: منها الوقف على رؤوس الآيات غالباً. غالباً أن الآيات تكون تامة، كل آية مستقلة. نحو: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا في الغالب. ولهذا قلنا: وهذا في الغالب، أي الوقف على رؤوس الآيات في الغالب أنه من باب الوقف التام. إذ يحسن بك أن تبتدي بالآية الأخرى. فإذا وقفت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقفت على "العالمين"، هذا الآن يعتبر وقف تام. ثم قلت: ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، ابتدأت بالرحمن. وقف هنا تام؛ لأن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ جملة تامة من حيث اللفظ، ومن حيث أيضاً البلاغة. فهذا يسمى وقفه تام. هذا في الغالب. الثاني: نهاية قصة وابتداء أخرى. فقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ مثلاً. وقفت على كلمة "هود"، وابتدأت: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾. هذا الوقف تام؛ لأنه انتهت قصة هود مع قومه: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، ثم أقول: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾. الثالث: الابتداء بعده بياء النداء. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقف تام. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾. هذا وقف تام على "قدير"، لأننا ابتدأنا بعدها بياء النداء. فإذا رأيت ياء النداء في أول الآية، فإنه يكون من الوقف التام. رابعاً: الفصل بين آيات الرحمة والعذاب. نحو: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. هنا الوقف على "الكافرين" وقف تام؛ لأن ما بعدها آيات رحمة. ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْعَذَابِ﴾، وهذه الآن آيات رحمة: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. إذن الوقف على "الكافرين" وقف تام. هذه بعض، ليش ما ذكر؟ وإلا فإن هناك أشياء كثيرة في هذا الباب، والأمثلة فيها كثيرة. وهذا النوع من الوقف أشار إليه الناظم وهو ابن الجزري بقوله: ﴿وَهِيَ لِمَا تَمَّ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَعَلُّقٌ أَوْ كَانَ مَعْنًى فَابْتَدِئْ فَالْتَامُ﴾. التام يقول لك: أي أن النوع الأول وهو التام هو الذي لا يوجد له تعلق بما بعده لا لفظاً ولا معنى. يقول: فإن لم يوجد، فإن لم يوجد تعلق، ليس هناك تعلق، أو كان معنى فابتدئ، أي بما بعده وأنت مطمئن. هذا يسمى التام. تنبيه: يلحق بالوقف التام الوقف اللازم الذي وضعت له في المصحف علامة ميم. الوقف اللازم هذا في المصحف الذي فوق، توضع علامة صغيرة: ميم صغيرة. هذه ميم صغيرة يسمى وقف لازم. هذا الوقف اللازم داخل في الوقف التام. يعني لازم تقف على هذه الكلمة؛ لأن المعنى تام. مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُم﴾، في ميم صغيرة عندكم؟ في ميم صغيرة. ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُم﴾، في ميم صغيرة فوق الميم. ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُم﴾، ميم. إذا ما في عندكم ميم: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُم﴾، ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. فيجب الوقف على كلمة "قولهم"، ثم الابتداء بـ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. فالميم الصغيرة فوق كلمة "قولهم" على الميم الساكنة، ما بينها وبين الهمزة هنا. هذا الوقف سمى لازم، وقف لازم. يعني لازم أقف على "قولهم". "قولهم" أقف لازم. واضح؟ ما أمشي، ما أقول: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ﴾، هذا خطأ. لماذا؟ لأن صار "قولهم" ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وهذا غير مراد من الآية. بل هم قالوا قولاً آخر. هم قالوا: ﴿لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزَّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. هم الأعز، المنافقون. المنافقون يقولون: إن الرسول هو الذليل. تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. فانظروا كيف: فإذا وصلت صار "قولهم إن العزة لله جميعاً"، وهذا غير مراد. بل لازم تقف. فهم قالوا: قالوا ماذا؟ العزة لنا، المنافقون. فرد الله عنهم ماذا قال؟ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. فهنا تضف على كلمة "قولهم": ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾، ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. لا يحزنك قولهم مهما قالوا: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: كما يلحق بالوقف التام أيضاً وقف جبريل عليه السلام، وقد ذكر في عشر مواضع، تراجع في هذا حق التلاوة. النوع الثاني: الوقف الكافي. هو الوقف على كلام يؤدي معنى صحيحاً مع تعلقه بما بعده من جهة المعنى. يعني من جهة اللفظ لا تعلق، يعني الجملة تامة من جهة اللفظ، بحيث استكمل الفعل فاعله، والمبتدأ خبره. وأما من جهة المعنى فله تعلق. انتبه هنا: من جهة المعنى، أي البلاغي، له تعلق. فيجوز أن تصل هذا بهذا. فإن وقفت فهذا كافي، والابتداء بما بعده جائز. والابتداء بما بعده جائز. وإن وصلت فشيء طيب. كيف نعرف أن هذا الوقف كافي؟ قال: أن يكون ما بعده مبتدأ. نحو: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾. "أولئك" مبتدأ. أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. الآن الوقف على كلمة "تعملون" من أي أبواب؟ من باب الوقف ماذا يسمى؟ الكافي. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، هنا من حيث اللفظ تامة، لكن من جهة المعنى متعلقة بما بعدها. ثانياً: أن يكون بعده فعلاً مستأنفاً. نحو: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾. انظر هنا الآن: أن يكون بعده فعلاً مستأنفاً. ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾. هنا عندكم وين الوقف على كلمة ماذا؟ أين عندكم؟ ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾. ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، هنا الوقف على كلمة "سلف" من الوقف الكافي، من الوقف الكافي. وبعده متعلق به: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾، متعلق به من أي جهة؟ من جهة المعنى فقط، لا من جهة اللفظ. ثالثاً: أن يكون بعده مفعولاً لفعل محذوف. أي بعد الوقف على الكلمة يكون مفعول، وفعل ذلك المفعول محذوف. نحو: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، ﴿وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. هنا الوقف على كلمة "لا يعلمون" وقف كافي. كلمة "مُنِيبِينَ" مفعول لفعل محذوف. مفعول لفعل محذوف. إذا كان من هذا الباب فهو من باب الوقف الكافي. رابعاً: أن يكون بعده السين وسوف. يعني إذا رأيت السين وسوف، فما قبله وقف كافي. نحو: ﴿أَشْهَدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾. ﴿أَشْهَدُوا خَلْقَهُمْ﴾، تقف على كلمة "خلقهم" على الميم، وقف ماذا؟ كافي. ﴿أَشْهَدُوا خَلْقَهُمْ﴾، وهي مفعول "يشهدوا". إذن اللفظ تام من حيث اللفظ، الجملة تامة. لكن من حيث المعنى البلاغي، من حيث المعنى البلاغي متعلقة به. يعني أن الجملة الثانية متعلقة بالأولى. هذا ما يتعلق بالوقف الكافي. وأما الوقف الحسن: وهو القسم الثالث من أقسام الجائزة. هو الوقف على كلام يؤدي معنى صحيحاً مع تعلقه بما بعده لفظاً ومعنى. إذن كيف يختلف هذا عن الاثنين؟ أننا نقف عليه وقف طيب. يعني الثلاثة نقف عليها، الثلاثة نقف عليه. لكن في التام: هناك لا تعلق، لا من جهة اللفظ ولا المعنى. وفي الكافي: تعلق فقط من جهة المعنى. وفي الحسن: تعلق من جهة اللفظ والمعنى. بمعنى أنك يجوز لك أن تقف على الكلمة، لكن إذا ابتدأت، من أين تبتدي؟ ترجع، ترجع مرة أخرى من حيث ما وقفت. لا تبتدي بالكلمة الجديدة. لا تبتدي بالكلمة الجديدة في أي أشباب؟ في باب الوقف الحسن. بل إذا وقفت، ارجع؛ لأن الكلمة هذه متعلقة بما بعدها لفظاً ومعنى، والجملة متعلقة بما بعدها لفظاً ومعنى. وهذا ما يكون غالباً في رؤوس ماذا؟ الآيات. غالباً ما يكون في رؤوس الآيات، إنما يقع فين؟ في وسط الآيات. الوقف الحسن يقع في وسط الآيات. على رؤوس الآيات أي نوع من الوقف غالباً يقع؟ قلنا: التام. واضح؟ على رؤوس الآيات غالباً الوقف التام. في وسط الآيات غالباً الوقف الحسن. قال: وهو الذي يحسن الوقف عليه، وفي الابتداء بما بعده خلاف. ويستحب لمن وقف وقفا حسنا أن يبتدي بما قبل الكلمة الموقوف عليها، أو كلمة قبلها، حتى يتسق المعنى. مثال: الوقف على "الحمد لله" من قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. مثلا لو أنا أريد أن أقف على لفظ الجلالة، فأقول: "الحمد لله". إيش من نوع هذا؟ وقف حسن. واضح؟ وقف حسن. لكن هل أقول بعدها: "رب العالمين"؟ لا، لابد أرجع مرة أخرى، فأقول: "الحمد لله رب العالمين". لأن الأولى تعلقت بما بعدها لفظاً ومعنى. قال: فالوقف على "الحمد لله" وقف حسن، لكن لا يجوز الابتداء بما بعده بأن يقول: "رب العالمين"، بل يجب إعادة لفظ "الحمد لله". واضح؟ إعادة لفظ "الحمد لله" لماذا؟ لأن "رب العالمين" متعلق لفظا بماذا؟ بما قبلها. إيش إعرابها؟ "رب" بدل. طيب، البدل هذا يعني في في النحو متعلق بما قبله ولا لا؟ متعلق ما قبله لفظاً. لابد هذا بهذا، هذا بهذا، هذا بهذا. "رب العالمين" لا تشتغل بنفسها، لابد من هذا، من إكمال الجملة تامة: "الحمد لله رب العالمين"، لأنها تحل محل الأول، وهو مضاف، و"العالمين" مضاف إليه. واضح؟ لان؟ إذن هذه متعلقة لفظاً، متعلقة لفظاً، ومن حيث المعنى كذلك، من حيث المعنى كذلك، المعنى البلاغي. لهذا قالوا: الوقف الحسن أن تقف عليه حسن، لكن هل تبتدي بما بعده؟ في خلاف، والراجح أنه تعيد مرة أخرى. قال: أما إذا كان الوقف على رأس الآية، فإنه يجوز الابتداء بما بعده. قد يوجد وقف حسن على رؤوس الآيات. قال: سواء وجدت تعلق اللفظ أم لم يوجد؛ لأن الوقف على رؤوس الآية سنة، أو الذي يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث المسمعة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية، يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" ثم يقف، "الحمد لله رب العالمين" ثم يقف، "الرحمن الرحيم". رواه داود والترمذي، صححه الألباني في الإرواء والصحيحة والجامع. يعني أن أيضاً الوقوف على رؤوس الآيات قد يكون بعضه من باب الوقف الحسن، لكن يجوز أن تبتدي بما بعده؛ لأن الوقف على رؤوس الآيات سنة، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقف على رؤوس الآية ويبتدي بما بعدها، وإن كان هناك تعلق لفظي أو كذلك معنوي. وبهذا لا يستشكل عليك مثلاً: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾. إذا وقفت على "فويل للمصلين"، هذا من باب الوقف الحسن، باب الوقف الحسن. مع أن "المصلين" متعلقة بما بعدها في اللفظ: "الذين هم"، لأن "الذين" هي عبارة عن صفة ذلك الموصول. يعني "الذين": "فويل للمصلين"، صفتهم ماذا؟ صفة هي عبارة عن صفة للمصلين: "الذين هم عن صلاتهم ساهون". تعلقت بها لفظاً. لكن من ابتدأ بقوله بعد الوقف على "المصلين": "الذين هم"، جائز ولا ما هو جائز؟ جائز. ولكن الوصل أولى. يقال له: الوصل أولى. هذا من حيث الأولوية؛ لأنه سيقول لك: ذلك الوقف، الوقوف على رأس الآية سنة. قال: تنبيه: قد يكون الوقف حسنا والابتداء به قبيحا. مثل: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. فإذا وقف على "الرسول" فهو وقف حسن، لكن ابتداء بما بعده وهو "وإياكم أن تؤمنوا" قبيح، لفساد المعنى؛ إذ يصبح تحذيراً من الإيمان بالله تعالى. مثلاً لو قال القارئ: "يخرجون الرسول"، ثم قال: "وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم". الوقف على "الرسول" الوقف حسن، لكن الابتداء بما بعده قبيح؛ لأنك قلت: "وإياكم أن تؤمنوا"، و"إياكم" أصبح الآن كأنك جملة مستأنفة جديدة. فلإذن عليك أن تعيد مرة أخرى. فإذا وقفت على "الرسول"، مرة أخرى تعيد، فتقول: "يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم". وإلى نوع الحسن أشار الناظم بقوله: ﴿وَلَفْظًا فَمَنَعَا إِلَّا رُءُوسَ الْآيِ جُزْ فَالْحَسَنُ﴾. الحسن: "ولفظا فمنعا"، إذا كان هناك تعلق في المعنى واللفظ، امنع الابتداء، إلا رؤوس الآي، أي إلا عند رؤوس الآيات فجائز. وهذا هو الحسن. أي: امنع الابتداء بما بعد الموضع الذي وقفت عليه إذا كانت تعلق في اللفظ فقط، إلا في حالة واحدة: والوقف عند رؤوس الآيات أو الآي، فإنه يجوز ذلك، ثم الابتداء بأول الآيات التي بعدها، وإن كان الكلام متصلا لفظاً. وهذه الثلاثة الأقسام هي أقسام الوقف الجائز. وبقي إن شاء الله معنا الوقف غير الجائز وهو القبيح، وإن شاء الله تعالى نأخذه في الدرس القادم. نكتفي بهذا إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر نانسي قنقر