الدرس في التعليق على شرح الميمية للعلامة العثيمين 28، الدرس الثامن والعشرون:من( ثم قال رحمه الله:سقتهم كؤوس الحب حتى إذا نشو*سقتهم كؤوس السم والقوم نوم ... لتسلب عقل المرء منه وتسلم.قوله تصلم يعني تقطع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الإمام كيف تغر الدنيا الناس وتوقعهم في الاغترار، ويحذر من عواقب ذلك. يبين أن الدنيا متاع الغرور وتسبب تعلق الناس بها.
يتحدث عن عواقب انغماس الناس في الدنيا وغفلتهم عن الآخرة، ويوضح كيف يؤدي ذلك إلى الوقوع في المحرمات والابتلاءات. يبين أن الانشغال بالشهوات يصرف الناس عن الواجبات.
يتناول موضوع الاغترار بالدنيا رغم وجود العبر، ويشرح كيف يمكن لحب الدنيا أن يزيل عقول الناس. يبين أن كثرة العظات لا تكفي لتنبيه الناس من غفلتهم.
يتحدث عن أهمية التعظ من الدروس والعظات، ويشير إلى أن الكثيرين لا يستفيدون منها حتى يأتيهم الموت. يدعو الله لإصلاح حال الناس وإعانتهم على أنفسهم الأمارة بالسوء.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ثم قال رحمه الله تعالى: سقتهم كؤوس الحب، حتى إذا نشوا سقتهم كؤوس السم والقوم نوم. يعني رحمه الله تعالى أن الدنيا تغريهم وتغرهم، وإذا بها تخدعهم وتمكر بهم. وهذا كذلك وعظ آخر من هذا الإمام الجليل، إمام من القيم رحمه الله، وهو يحذر السائرين الذين يسيرون في سيرهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويعظ من يريد أن يصل إلى بلاد الأفراح بأمان أن لا يغتر بهذه الدنيا. فإن هذه الدنيا تغر الناس، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ومن ذلك هذا المثل الذي ضربه رحمه الله، من أن الدنيا تسقي من فيها كؤوس الحب، يعني ما فيها من شهوات وملذات، حتى إذا تعلقت القلوب بتلك الشهوات والمحبات والملذات، وأحبتها وذاقتها حصل لهم شيء من السكر. وهذا هو قوله: حتى إذا نشوا. ومعنى نشو: أي حصلت لهم نشوة السكر. فإن الذي يغتر بالدنيا حاله كحال السكران، السكران في غرور لا يشعر بمن حوله، وما تأول إليه نهايته، وما يرد عليه من الضرر، وما يفوته من النفع. وكذلك من اغتر بهذه الدنيا، حتى أن أحدهم إذا أدركه الموت لم يكد يصدق أنه سيموت، من شدة سكره وغروره بالدنيا. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى بعض الأخبار، فيما ذكرها العلماء وحضرها هو رحمه الله، من أحوال المحتضرين. منهم من يقال له: قل لا إله إلا الله، فإذا هو يقول: هذه بكذا، ولا تصلح إلا بكذا. لا يزال قلبه متعلقا بالبيع والشراء، ولسانه متعلقا به، كحال السكران يخاطبه الصحيح، وهو يتكلم في شيء آخر بعيد. وهكذا بعضهم يقال له: قل لا إله إلا الله، وإذا به يدندن ببعض ما كان متعلقا به من الأغاني والطرب. وهكذا كل امرئ يختم له بما كان عليه، فهذا شيء من سكرة غرور الدنيا. فتجد الناس إذا انغمسوا في الدنيا وغرتهم بشهواتها وملذاتها، تعلقت قلوبهم بها، فأخذت أعمارهم وأوقاتهم، فصرفتهم عن الواجبات وأوقعتهم في المحرمات، فضلا عن المستحبات والمكروهات. وهذا شيء كذلك من معنى السكار الدنيا. ولهذا كان هذا التذكير من هذا الإمام رحمه الله، وقوله: سقتهم كؤوس السم والقوم نوم، يعني: حتى إذا حصلت لهم الغفلة، الدنيا تجري على نظامها، فمن انتهى عمره وجاء أجله لابد أن يموت، فيأتيه نصيبه مما قدر له، فيدركه الموت وهو في تلك الغفلة والسكر. وهكذا كذلك ما يصيب الناس بذنوبهم ومعاصيهم، وبكسبهم السيئة من المصائب التي يبتلون بها. ما هي نهاية السارق؟ نهايته وخيمة وسيئة في الدنيا قبل الآخرة. وهذا من كؤوس السم التي يسقى بها أولئك السكارة بملذات وشهوات الدنيا. ما هي نهاية من يسلك طريق الرذيلة ويمشي خلف الزنى والفواحش؟ نهايته وخيمة وعاقبته سيئة في الدنيا قبل الآخرة. يجري خلف الشهوات والملذات، وفي مستنقعات الرذيلة يقوب، فإذا هو بذاك السكار تسقيه هذه الدنيا من كؤوس السم، فما يدري إلا وفيه من الفواحش، من فاحش الأسقام والأمراض بسبب فاحش فعله، ما لم يكن في الأمم السالفة والسابقة. يفاجأ إذا به يقال له: فيك مرض الإيدز، أو فيك مرض كذا وكذا. يصرخ يصيح، ما ينفع الصراخ ولا الصياح، يريد العافية ما يجد العافية. وهذا من كؤوس السم التي يسقى بها من سكر بشهوات وملذات الدنيا، وكل ذلك والناس في غفلة. وهذا قوله رحمه الله: والقوم نوم. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى أنه يفتن الناس بهذه الدنيا ويبتليهم بها، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. قال رحمه الله تعالى: ثم قال رحمه الله: وأعجب ما في العبد رؤية هذه العظائم والمغمور فيها متيم. وما ذاك إلا أن، وما ذاك إلا أن خمرة حبها لتسلب عقل المرء منه وتصلم. وهذا زيادة في التذكير والتبكيت لمن يغتر بهذه الدنيا. قال شيخنا رحمه الله: قوله تصلم يعني تقطع. ومراد الإمام بن القيم رحمه الله أن ما ذكره مما يصيب الناس من سكار الغرور بالدنيا والجري خلف شهواتها وملذاتها. مع هذا يقول: وأعجب ما في العبد رؤية هذه العظائم والمغمور فيها متيم. ومعناه: يمر على الإنسان من أحوال الناس وأخبارهم، منها ما يسمعه ويصل خبر ذلك إلى اليقين، ومنه ما يشاهده بعينه ويراه ويحضره من أحوال الناس المتنوعة. كم رأينا من أحوال من مات ممن في موته عبرة وعضة، من أحوال الكافرين والفاجرين. وحضر قبلنا وغيرنا مثل ذلك كثير، فكان في هذا درسا عظيما بأن لا يغتر أحد بالدنيا. وكم مات لنا من قريب وحبيب، وهو كذلك موعظة أخرى للعظة وعدم الاغترار بالدنيا. بل وكم ابتلينا بأمراض وشدائد، حتى كاد الواحد منا يرى نفسه أنه ما بينه وبين القبر إلا قاب قوس أو أدنى. ومع ذلك فإن لله وإن إليه راجعون. فالكثير من الناس تغره الدنيا مرات ومرات، وتتابع عليه ذلك على فترات. ولهذا قال: وأعجب ما في العبد رؤية هذه العظائم والمغمور فيها متيم، يعني هذا أمر عجيب. كيف يحصل مثل هذا مع كثرة العظات والعبر؟ ومع ذلك فالناس لا يزالون يغترون بذلك. وقوله: والمغمور، أي المنهمك كما قال المعلق في الباطل، فيها متيم، يعني صار من تعلقه كأنه كحال هذا المتيم. وقوله: وما ذاك إلا أن خمرة حبها لتسلب عقل المرء منه وتصلم، يعني يقول: أرى والله أعلم أن تفسير ذلك وسببه أن الناس بسبب اغترارهم بالدنيا والغفلة بما أخذتهم بها بشهوات وملذات، صاروا مثل السكارى بسبب شدة الحب والتعلق. وهذا هو قوله: وما ذاك إلا أن خمرة حبها، لأن حقيقة حب الدنيا يكسب صاحبها سكرا كسكر الخمر، لتسلب عقل المرء منه وتصلم، يعني سكر الدنيا بسبب شدة حبها يزيل عقول الناس، حتى يصير الإنسان ما كأنه هذا الإنسان الذي عقل. ومعنى تصلم كما قال الشيخ: تقطع. ومعنى كأنه ليس له عقل أصلا، فضلا عن أن يكون سكرانا، بل وصل مرحلة غاية في السكر. فإن الذي تمر به هذه العظات وهذه الدروس وتتكرر، الذي ينبغي أن يعتبر ويتعظ وأن يستفيد، ولكن الحال أن الأكثر من الناس لا يعتبر ولا يتعظ، حتى إذا أدركه الموت أراد الرجوع إلى الدنيا، ولكن بعد ذلك فنسأل الله عز وجل أن يصلحنا وأن يعيننا على أنفسنا الأمارة بالسوء، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين.