من حوارات القرآن والسنة 12

الدرس في من حوارات القرآن والسنة 12، الدرس الثاني عشر: ( ذم الخيانة-تابع للحوار الذي دار بين رجلين ورعين أمينين تحاكما إلى قاضٍ ورع أمين ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ذم الخيانة وبيان صفات أهلها في القرآن والسنة

يتناول المقطع ذم الخيانة في الإسلام مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تربطها بالكافرين والمنافقين وأهل النار، وتؤكد أن الله لا يحب الخائنين وأن النبي ﷺ كان يستعيذ منها، محذراً من انتشارها في الأزمنة المتأخرة.

صور الخيانة في الأمانات: الميراث والزكاة

يستعرض المقطع صوراً من الخيانة منها غمزة العين بقصد المكر، ومنع البنات من الميراث وهي عادة جاهلية لا تزال موجودة، وعدم إخراج الزكاة أو صرفها في غير مستحقيها لأغراض شخصية، مؤكداً أن المال أمانة من الله يجب أداؤها كاملة لمستحقيها الشرعيين.

صور الخيانة في المعاملات والأحوال الاجتماعية

يتناول المقطع أشكالاً متعددة للخيانة: تقصير التجار عن مواساة الفقراء، خيانة الزوجات لأزواجهن بالتبرج والخلوة بالأجانب، خيانة الرجال لأمانات إخوانهم الغائبين، خيانة المستشار بعدم النصح، والنَّجش في البيع، مع ذكر الأدلة الشرعية وعقوبات الخيانة يوم القيامة.

تباين الأقوال حول قيمة السلعة ورغبة في رفعها

يسرد المقطع اختلاف الأقوال بين أربعة وخمسة وستة، مع إشارة إلى سعي أحد الأطراف لرفع سعر السلعة، وينتهي باحتمال انفراد شخص واحد بالقرار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهما بعد. فكان موضوع درسنا السابق عن الأمانة، وقلنا إن هذا الموضوع يلحق به ذكر ضده وهو الخيانة. وفي درسنا هذا اليوم نتكلم عن الخيانة، ونذكر صورا من صور الخيانة حتى يتجنبها المسلم ويرتدع ولا يقع فيها. ذم الله جل وعلا الخيانة ونهى عنها، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره، صححه العلامة الألباني رحمه الله: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك». مما يدلنا على شناعة هذا الخلق وذم هذا الخلق، وهو خلق الخيانة، أن هذا الخلق إنما هو من صفات الكافرين، ليس من صفات أهل الإيمان. الخيانة من صفات الكافرين، ليست من صفات المؤمنين. يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾. والخيانة من صفات أهل النار، قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾. وثبت في حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «أهل النار خمسة...» وذكر منهم، قال عليه الصلاة والسلام: «والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه». فالخيانة من صفات أهل النار. الخيانة من صفات اليهود الذين لعنهم الله وغضب عليهم، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فالخيانة من صفات اليهود، هم أهل مكر، وهم أهل غدر، وهم أهل خيانة. الخيانة من صفات المنافقين، ليست من صفات المؤمنين. في حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». وفي حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه خصلة من خصال النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا حدث كذب، وإذا خاصم فجر». فمن صفات المنافقين الخيانة: إذا اؤتمن خان. الخيانة من صفات الذين لا يحبهم الله جل وعلا بل يبغضهم، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾. ويقول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾. الخيانة لا يحبهم الله جل وعلا بل يبغضهم. الخيانة من صفات الضالين الذين لا يهديهم ربنا جل وعلا ولا يهدي كيدهم، قال الله جل وعلا على لسان امرأة العزيز: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾. النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله جل وعلا من الخيانة لأن هذا الخلق ذميم وهذا الخلق سيء. ثبت عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، صححه العلامة الألباني رحمه الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئسة البطانة». فكان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله جل وعلا من هذا الخلق. لذلك ذم النبي عليه الصلاة والسلام هذا الخلق، فبعد أن ذكر القرون المفضلة التي فشى فيها الخير وانتشرت فيها الأخلاق الفاضلة، ذكر قرونا بعد ذلك تفشى فيها الشر والأخلاق السيئة، ومن هذه الأخلاق خلق الخيانة. خلق الخيانة ثبت في حديث عمران بن الحسين رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران: لا أدري أذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعد قرنه قرنين أم ثلاثة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويؤتمنون فيخونون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن». ذم النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أخلاقا يتخلق بها الناس بعد القرون المفضلة الثلاثة، ومن هذه الأخلاق السيئة خلق الخيانة، أن من الناس من يخون ولا يؤتمن، والعياذ بالله. النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند ابن حبان في صحيحه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، في ذكر السنوات الخداعات التي تأتي على الناس، قال عليه الصلاة والسلام: «يأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، وينطق فيها الرويبضة». قيل: ومن الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء الذين يأتون في هذه السنوات الخداعات، ومنهم هؤلاء الخونة الذين يخونون في أماناتهم، يخونون ربهم جل وعلا، ويخونون رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويخونون الناس، ويخونون الأمانات التي استودعها الله جل وعلا إياهم. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الغلول في أحاديث كثيرة، والغلول من الخيانة. بل ربنا جل وعلا في كتابه الكريم قال: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. وكذلك حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الغدر، والغدر من الخيانة. في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة»، وفي لفظ: «تحت استه، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان». والأحاديث كثيرة في ذم الخيانة. ولذلك النبي عليه السلام لما قيل له كما في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: «ألأو مأت بعينك يا رسول الله؟ ألأو مأت بعينك؟» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين». ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين. الأعين حتى هذا من الخيانة، يعني غمزة العين حين تريد بها والعياذ بالله إيقاع شر أو مكر بأحد أو غير ذلك. فإذا لم تكن في موضعها، والغالب أنها في غير موضعها، يستخدمها الناس هذه الغمزة، غمزة العين، إذا كلم شخصا وأراد أن ذلك لا يسمع، قال: حرك عينه، غمز عينه. لماذا هذا الغمز؟ ماذا تريد بهذا الغمز؟ تريد شيئا، وهل هذا الشيء من الخير أو من الشر؟ الغالب أنه من الشر، ليس من الخير. حتى هذا من الخيانة، حتى هذا من الخيانة الذي ربما قد تهاون به كثير من الناس، وربما رآه من المزح، وربما رآه من الأمور الهينة وغير ذلك، وهو ليس كما يظنون، بل ذلك مذموم، وعد ذلك من الخيانة لما يترتب عليه من لحوق ضرر بالمسلمين وغير ذلك. والأحاديث كثيرة كما سمعتم، وصور الخيانة كثيرة. ما تقدم معنا في موضوع الأمانة من إضاعة الأمانات، كل ذلك الإضاعة من الخيانة، لأن الخيانة كما عرفها أهل العلم أنها التفريط في الأمانة. فكل من فرط في أمانة فقد خان، كل من فرط في أمانة أو ضيع الأمانة فقد خان. من باب أولى، ومن صور الخيانة نذكرها في هذا الدرس: حرمان البنات من الميراث. هذه العادة الجاهلية لا زالت موجودة في أوساط أهل الإسلام. أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات، يقولون: المرأة لا تجاهد ولا تقاتل، المرأة لا تقاتل معنا حين نخرج للقتال، ولا تحمل سلاحا، ولا كذا ولا كذا، فلا يورثون المرأة. لا زالت عادة الجاهلية هذه موجودة اليوم في بعض البلاد، لا يورثون البنات. أنا رأيت في بلاد شبوة خاصة، مما ينتشر فيها هذا، لا يورثون البنات والنساء. وربما يوجد في بلاد نحن لا نعلم، من طمع بعض الناس الذين بلغ بهم الجشع وبلغ بهم الطمع والعياذ بالله، فيحرمون البنات من ميراثهن. هذا ليس مالك، إنما هو مال الله جل وعلا. ربنا عزير يقول في كتابه الكريم: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾. وهذا ما شرف به الإسلام المرأة، خلافا لما يقوله أعداء الإسلام أن الإسلام لم يراع حقوق المرأة. كذبوا، كذبوا، كذبوا. بل شرفها الإسلام وأعطى لها حقها الذي يناسبها من الميراث، ومن المكانة، ومن الاحترام، وغير ذلك. بل ذكرت سور في القرآن باسم النساء: سورة النساء، ذكرت المجادلة التي تجادل زوجها وهي امرأة، وهذا تشريف للنساء، وغير ذلك كثير. فالشاهد أن هذا الأمر من الخيانة، حين يفعل هؤلاء الذين عندهم هذه الأموال فلا يعطون البنات ميراثهن، فقد خانوا، خانوا في هذه الأمانة والعياذ بالله، كما أنهم ظلموا، ظلموا البنات. وهكذا هم خانوا لأنهم لم يؤدوا الأمانة، فلم يعطوا هذه الحقوق أصحابها الذين أمر الله جل وعلا بإعطائهم حقوقهم. ومن صور الخيانة: عدم إخراج زكاة المال. عدم إخراج زكاة المال من المسلمين، من هو بخيل من المسلمين، من هو جشع، عنده طمع، وجبت في ماله الزكاة ثم مع ذلك لا يخرج هذا المال، فهذه خيانة، خيانة في الأموال بعدم إخراجها لمستحقيها. هذا المال ليس مالك، إنما هو عندك أمانة ووديعة. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾. استمع يا أيها التاجر، استمع يا أيها من أغناك الله جل وعلا بالأموال: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾. من مال الله، ما قال: وآتوهم من أموالكم. وآتوهم من مال الله، ما هو حقك؟ المال مال الله جل وعلا، وأنت مؤتمن فيه، فعليك أن تخرجه. وكذلك إخراج مال الزكاة في غير محله، في غير محله. بعض الناس ربما يخرج زكاة ماله فيعطيها عماله، وهؤلاء العمال ربما ليسوا من المستحقين، لكن من باب كانوا يقولون: أنا أكافئكم، فمال زكاة يعطيكم إياه، مع ذلك يجتهدوا في العمل وينشطوا في العمل، وهكذا على سبيل المكافآت أو على سبيل كذا. لا، هذه خيانة. المال ليس لهؤلاء، إن كانوا من المستحقين نعم، أما إن كانوا غير مستحقين فيعطى هؤلاء الأموال، خيانة لأنه وضع المال في غير موضعه، ووضع هذا الحق في غير من يستحق. وكذلك من الناس من يعطي زكاة ماله ربما للجهات التي تخدمه، الجهات التي تخدمه وتعينه على تجارته. هو صاحب تجارات، عنده سيارات تذهب شرقا وتذهب غربا، وعنده قاطرات، وعنده معاملات مع وجهاء الناس من المسؤولين وغير ذلك. فإذا جاء وقت الزكاة أعطى هؤلاء أصحاب المسؤوليات، لماذا؟ ليعينوه ويسهل له أموره في التجارة، وربما يكون هؤلاء غير مستحقين. لو كانوا مستحقين فهم من أهل الاستحقاق، لكن ربما يكون هؤلاء غير مستحقين أصلا، لكن يعطيهم الزكاة من باب التسهيل منهم ليسهل له أموره في تجارته وفي معاملاته وغير ذلك. هذه خيانة، خيانة من هؤلاء. ومن الخيانة: عدم إخراج الواجب في الزكاة. بعض الناس يخرج الزكاة لكن لا يخرج القدر الواجب، وربما وجب في ماله من الزكاة ثلاثة ملايين مثلا، فلا يخرج إلا مليونا، مليونا فقط، فقط، يقول: هذا يكفي. لا، هذه خيانة. وانظروا الآن لما أصاب الطمع والجشع تجار المسلمين، كيف الحال، حال الناس. انظروا إلى الأسواق، انظروا إلى الشوارع: شحاذة، شحاذ بالليل والنهار، تسول، طوابير عند التاجر الفلاني، وعند التاجر الفلاني، وعند التاجر الفلاني. ماذا يريدون هؤلاء؟ خرجوا من بيوتهم، ربهم ونساؤهم وأولادهم، إلى هذا التاجر، ماذا يريدون؟ هل يريدون شيئا من ماله؟ نعم، يريدون حقا أوجبه الله جل وعلا. وإن كان عليهم أن لا يخرجوا ويتعففوا، لآخر ربما الحاجة الملحة تجعل الإنسان لا يبالي بعد ذلك. كم من الناس، والله، من عرفناهم، من شدة الحاجة تطلع فيما عند الناس، لكن ربما أوصلت به الحاجة إنه صار لا يبالي. فلان بن فلان هذا يقف مع الناس طوابير وكذا وكذا، وهو من الناس الذين كانوا معروفين من أبعد الناس، لكن ربما الحاجة، والسبب الطمع والجشع من هؤلاء التجار. المفروض هم يذهبون إلى بيوت الناس، ما هو الناس يأتون إلى بيوتهم. أنت يا أيها التاجر لا تجلس في متجرك في كرسيك وكأنك أبو زيد الهلالي، تحرك، اذهب، انظر من الفقراء ومن المساكين في مالك هذا. لا تجلس معطرا مشيكا، وهكذا في مكانك وكأنك فلان بالفلان، والناس يريدون، الناس يأتون إليك. أنت اذهب، تحسس، تحسس الفقراء، تحسس المساكين، تحسس أهل الحاجات. اذهب، انظر، عندك ناس عقلاء في الحارات، وعقلاء كبار سن، يعرفون من المستحق، من المستحق. ارفعوا كشوفات بمن عندكم في هذه المنطقة، من المستحق، من غير المستحق، من لديه أولاد، من كذا. لو فعل هذا التجار اليوم لرأيت الحال حسنا، ولما رأيت مثل هذه الظواهر السيئة التي خاصة عندنا في بلاد اليمن من الشحاذة والتسول وغير ذلك. لكنه كما سمعتم: الخيانة، الخيانة مع الطمع أو البخل أو الجشع، أدى بهؤلاء إلى فعل مثل هذه الأمور. أسأل الله العافية والسلامة. ومن صور الخيانة: خيانة الزوجات مع الأزواج. فكم من النساء من ربما يخن أزواجهن، إذا خرجت السوق صارت تتكلم البائع، صارت تتبختر، وركبت في سيارة، في خلوة، فتفعل حركات وتفعل أشياء. هل هذه من الأمانة؟ زوجك إذا أمنك وأذن لك بالخروج إلى السوق، أو بالخروج إلى صلة أرحامك، أو إلى زيارة أقارب، تذهبين تخونين؟ الخيانة ولو بكلمة مع من لا يحل أن تكلميه، أو بعض الحركات، وبعض الأفعال. خاصة مثل هذه الأيام في الأسواق، النساء من غير حياء: كلام، ضحك، مهزلة، حركات. هل هذه أمانة؟ لا والله، هذه خيانة. وقد سمعتم ما ذكر الله جل وعلا عن سبيل زوجة نوح وزوجة لوط، لما خانت زوجهما ماذا كان الجزاء؟ خيانة الزوجات لأزواجهم ليس بالهين، بل هو من أسباب دخول النار. فمن أسباب دخول زوجة نوح ولوط النار: الخيانة. فاتق الله أيتها المرأة المسلمة، لا تخوني زوجك. ومن أعظم هذه الخيانة: تخرج، معاذ الله العافية، هؤلاء الذين نزع الله جل وعلا الخوف من قلوبهم، في أماكن الدعارة أو الفحش أو غير ذلك، من الذهاب للأماكن التي لا تجوز، ذهاب إلى حمامات النساء، أو حمامات ما يسمى بالحمامات هذه المنتزهات، تذهب المرأة بحجة النزهة، فإذا هي تخلع ثوبها، والعياذ بالله، وتكشف سترها في مكان لا يجوز لها أن تكشف الستر فيه، في مثل هذه الأماكن التي ربما أهل السوء لهم وسائل اليوم من هذه الكاميرات الملتقطة، فربما تلتقط صور النساء، وهنا تقتنصنا على ذلك المنظر، والعياذ بالله، ذلك الحال. أين الأمانة؟ فصور الخيانة من الزوجات كثيرة، لا أريد أن أطيل المقام في هذا لذكر صور أخرى، لكنها إشارات، إشارات ولمحات، وإلا فكل نقطة ربما تحتاج إلى كلام طويل، لكنها إشارات ولمحات عن هذه الصور، صور الخيانة التي يقع فيها طوائف من الناس. وكذلك خيانة الأزواج، وخيانة الرجال. بعض الناس مثلا أخوه مسافر، فيأتي منه على أهله، على زوجته، على أولاده، فإذا هو يخون، والعياذ بالله، يخون أهل هذا الرجل، ربما يوقع الفاحشة، أو تكون له صداقة محرمة، إلى آخر ذلك من هذه الأفعال. النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث بريدة عند الإمام مسلم رحمه الله، قال: «من القاعدين خلف رجل من المجاهدين في أهله فخانه، إلا قام له يوم القيامة، فأخذ من أعماله ما شاء». فما ظنكم؟ هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: قام يوم القيامة هذا الخائن الذي خان هذا الرجل، إن كان مجاهدا خرج للجهاد في سبيل الله، وجعل هناك من القاعدين هؤلاء الذين لم يكتب عليهم الجهاد ولم يفرض، فأمنه في أهله، فخانه، والعياذ بالله. وهكذا يلحق بهذا من سافر مثلا لأنه في سبيل الله يريد الرزق، هو خرج في سبيل الله لأجل تحصيل المال ليكف نفسه وأهله، فهو خرج في سبيل الله لإعالة نفسه وأهله، فأمنك أنت أيها الأخ، أو أيها العم، أو أيها الصديق، في أهله، فأنت تخون، العياذ بالله. اعلم أنه سيقوم لك يوم القيامة، سيقوم لك يوم القيامة، ماذا يفعل؟ يأخذ من أعمالك ما شاء. فماذا سيأخذ؟ عسى هل سيأخذ شيئا قليلا؟ في ذلك اليوم الذي يحتاج فيه لعبده الحسنات، سيأخذ كل ما عندك من أعمال، وماذا سيبقى معك؟ ماذا سيبقى معك من أعمال؟ هذا جزاء الخيانة، والعياذ بالله. وخيانة الرجال مع الزوجات كذلك، حين يذهب يفعل الحرام، ويفعل المعاكسات، ويفعل كذا وكذا، كل ذلك من صور الخيانة. من صور الخيانة كذلك: خيانة المستشار. خيانة المستشار يعني الشخص الذي يستشار فلا يرشد أخاه برشد وبنصح، فهذا أيضا من الخيانة. ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام عند أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، صححه العلامة الألباني رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «من استشاره أخوه فأشار عليه بغير رشد فقد خانه». من استشاره أخوه فأشار عليه بغير رشد فقد خانه. يأتيك أخوك، متى يقول لك: أنا أستشيرك، ما رأيك أن أفعل كذا؟ ما رأيك أن كذا وكذا؟ فأنت تعلم الخير في هذا الباب، من أين؟ لكن تخونه، لا تشير عليه برشد، وإنما تقول له: افعل كذا وكذا، وأنت تعلم أن هذه الاستشارة التي طلبها منك قد وضعتها في غير محلها. هذه خيانة، خنته، والعياذ بالله، حين استشارك. لأن المستشار مؤتمن، المستشار مؤتمن، فإذا لم يشر على أخيه برشد فقد ضيع الأمانة، وإذا ضيع الأمانة فقد خان. ومن الخيانة، ومن سوء الخيانة: النجش. يقول ابن أبي أوفى كما في البخاري: «الناجش آكل ربا، خائن». الناجش آكل ربا، خائن. من الناجش؟ الناجش الذي يتفق مع صاحب البضاعة، يعني يوهم الناس أنه من الباعة، يوهم الناس أنه من المشترين الذين يشترون، وهو لا يريد، لأجل أن يرفع السلعة، فيجد الناس يتفق مع ذلك، يقول: اتبع. إذا جاءك أحد: أنا سأشتري. فهذا المشتري يذهب إلى البائع: بكم هذا؟ قال: بألف. كم اشتريت؟ قال الثاني: بألفي. دخل هو قال: ثلاثة. قال ذلك: أربعة. قال ذلك: خمسة. قال: ستة. وما يريد السلعة، يريد أن يرفع السلعة، يريد أن يرفع. ربما ذلك ترك، بقي هو واحد.