الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 61، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبين المقطع أن الله جعل المتشابه في القرآن ابتلاءً ليميز الراسخين في العلم الذين يردونه إلى المحكم عن الزائغين الذين يتبعونه ابتغاء الفتنة. ويضرب مثالاً بدعاء القبور والاستشفاع بالأولياء مستدلين بالمتشابه مع إغفال المحكمات الناهية عن اتخاذ وسائط.
يشرح المقطع أن حياة الشهداء والأنبياء في البرزخ حقيقية لكنها تختلف عن حياة الدنيا، فهم لا يسمعون النداء مباشرة بل يبلغهم الملائكة، وهم مرزوقون لا رازقون. ويحذر من اتباع المتشابه لتبرير البدع، مؤكداً أن منهج أهل الحق رد المتشابه إلى المحكم.
يذكر المقطع أن المتشابه نوعان: حقيقي لا يعلمه إلا الله كحقيقة صفاته وأحوال الآخرة، ونسبي يعلمه الراسخون. ويبين أننا نعلم معاني نعيم الجنة لكن لا نعلم كيفيتها وحقيقتها، مستدلاً بآيات وأحاديث تثبت اختصاص علم ذلك بالله.
يختم المتحدث بالدعاء بأن يجعل الله المستمعين من أهل جنات النعيم، ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ويختتم المجلس بهذا الدعاء الختامي الجامع.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد: فقد تقدم في درس الماضي ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بموقف الموقف من اختلاف هذه الأوصاف، وكيفية الجمع بينها، وخلاصتها أن أهل الباطل يتبعون المتشابه، وأهل الحق يردون المتشابه إلى المحكم. فما اشتبه عليهم في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام ردوه إلى المحكم. قد ألفت كتب فيما يتعلق بما يحصل فيه تشابه واشتباه في نصوص الكتاب أو السنة، ومن هذه الكتب: «تأويل مختلف الحديث» للطحاوي رحمه الله، و«مشكل الآثار» للطحاوي، و«تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة. وهكذا الشنقيطي، محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، له رسالة عظيمة: «دفع إيهام الاضطراب عن الكتاب المنزل» أو بهذا المعنى، وهذا فيه جمع لنصوص في كتاب الله ظاهرها التشابه والتعارض، فيجمع بينها رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك في الكتب الأخرى، سواء كانت في ما يتعلق بالسنة أو تتعلق بكتاب الله جل وعلا. فإذا أشكل على أحد نص في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليرجع إلى مثل هذه الكتب، لعل في هذه الكتب ذكر لهذا الذي اشتبه عليه، فيجد الجمع، وينت يسر له العالم والشيخ فيسر لك جهد البحث، بدل من أن تبحث تحتاج إلى كذا وكذا من الوقت، فربما تسأل شيخاً فيقول لك الجواب في هذا الذي يزيل أو يزول به الاشتباه الذي حصل عندك. وإذا بحثت في هذه الكتب فهذا كذلك أفضل، فإن البحث يرسخ، يجعل العلم يرسخ عند طالبه. قال رحمه الله تعالى: «فإن قلت: ما الحكمة من كون بعض القرآن متشابهاً؟» قال رحمه الله: «فالجواب: أن الحكمة من ذلك ابتلاء العباد واختبارهم، ليتبين الصادق في إيمانه، الراسخ في علمه، الذي يؤمن بالله وكلماته، ويعلم أن كلام الله عز وجل ليس به تناقض ولا اختلاف، فيرد ما تشابه منه إلى ما كان محكماً، ليصير كله محكماً، من الشاك الجاهل الزائغ الذي يتبع ما تشابه منه ليضرب كتاب الله تعالى بعضه ببعض، فيضل ويضل، فيضل ويضل، ويكون إماماً في الضلال والشقاء، فيفتن الناس في دينهم، ويقعهم في الشك والحيرة، ويفتن بعضهم ببعض». فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. ذكر رحمه الله تعالى الحكمة: لماذا ربنا جل وعلا جعل في كتابه نصوصاً متشابهة؟ فجعل القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه. ما الحكمة في ذلك؟ لا شك أن لهذا حكمة، أفعال الله جل وعلا كلها أفعال حكمة، لا يفعل الله جل وعلا شيئاً إلا وفيه الحكمة، لكن هذه الحكمة قد يعلمها الناس وقد يجهلونها، وإلا فأفعال الله جل وعلا كلها أفعال حكمة. ومن هذه الأفعال أنه جعل في كتابه المتشابه الذي يخفى علمه ويشتبه على بعض الناس. ما الحكمة من جعل هذا المتشابه؟ الحكمة: الابتلاء والاختبار، ليبتلي الله جل وعلا عباده: من هو الذي حقاً يريد الحق، ومن هو حقاً الذي يمتثل أمر الله جل وعلا حين يشتبه عليه شيء ويشكل عليه شيء، فيسأل أهل الذكر ويسأل أهل العلم، ليتبين له الحق، من الزائغ ومن الذي لا يريد الحق وإنما يريد اتباع هوى نفسه، يريد تحصيل ما يؤيد زيغ قلبه وهواه، فهذا يفشل في هذا الاختبار وفي هذا الابتلاء. ولذلك يأخذ بنصوص المتشابه، يأخذ بنصوص المتشابه، فإذا أنكر عليه قال: الله جل وعلا يقول كذا في كتابه الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كذا في سنته، ويبقى على زيغه وعلى ضلاله، فيضل هو أولاً ثم يضل غيره، يضل غيره لأنه أيضاً يدعو الناس إلى هذا الذي اشتبه على الناس. دعوة الناس مثلاً إلى عبادة أصحاب القبور والتعلق بهم، نعم، بحجة أن هؤلاء لهم المكانة، وهؤلاء أولياء، وهؤلاء صالحون، وغير ذلك من هذا الكلام. هذا متشابه، متشابه يتبعه هؤلاء الذين يدعون الناس إلى هذا، والدعوة إلى هذا والعياذ بالله. ألا ﴿إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، فيظن هؤلاء أولياء الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا عليكم بهم الشدائد وفي الملمات وغير ذلك. هذا من اتباع المتشابه والعياذ بالله. ولو أن هؤلاء رجعوا إلى المحكم في كتاب الله جل وعلا، الذي فيه أنه لا يجوز دعاء غير الله جل وعلا، وجعل الناس وسائط بينهم وبين الله سبحانه وتعالى، وأن كفار قريش كفرهم الله جل وعلا حين جعلوا بينهم وبين الله وسائط: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويقولون: ﴿هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ﴾. هذه آيات محكمات في كتاب الله جل وعلا تدل على أن من جعل بينه وبين الله وسائط فقد وقع فيما وقع فيه كفار قريش، كفرهم الله جل وعلا بذلك. ومن جعل الصالحين شفعاء له فتوجه إليهم وعكف عند قبورهم فإنه يكفر كما كفر كفار قريش. فيستدلوا بمثل هذه الآيات: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. هذا من المتشابه. إذن هم أحياء، هؤلاء ماتوا في سبيل الله، إذن هم أحياء في قبورهم، إذن يذهبوا إليهم يسمعونكم لأنهم أحياء، وإذا طلبتم منهم أموراً سمعوها لأنهم أحياء. وهكذا هذا من المتشابه. والمحكم في كتاب الله واضح: أن الحياة حياة أخرى، حياة برزخية، يعيشها الأنبياء ويعيشها الشهداء، ليست كحياة الدنيا التي فيها أن الإنسان يسمع ويأكل ويشرب وينام ويتحرك ويعمل. لا، تختلف. حياة برزخية ليست كحياة الدنيا. هل الأنبياء حياة في قبورهم بمعنى أنهم يأكلون ويشربون، نعم، وينامون ويستيقظون، ويأتون أهلهم ويعملون ويفعلون؟ لا. إذن هي حياة برزخية لا يعلمها إلا الله. وما سمعوا إنما هو بتبليغ الملائكة، كما أن النبي سلم يسمع من يسلم عليه إذا سلم عليه، كيف يسمع؟ هل يسمع لأنه مثل ما كان في الدنيا إذا خاطبه وإذا كلمه وإذا سمعه؟ لا. النبي عليه الصلاة والسلام في قبره إنما يسمع سلام من سلم عليه عن طريق الملائكة، فالملك يبلغونه، كما أخبر النبي عليه وسلم: «إن لله ملائكة سياحين يبلغوني سلام أمتي». إذن يبلغ سلام أمته إذا سلموا عليه عن طريق الملائكة، لا يسمع مباشرة. أما في الدنيا فيسمع مباشرة إذا كلمته عليه الصلاة والسلام سمعك، نعم. لكن في هذه الحياة لا يسمعك كما كان يسمعك في الحياة الدنيا. فالحياة تختلف، حياة برزخية، ولذلك هذه حياة البرزخ تختلف. ولذلك بعض العوام، مع أنه عامي عامي، لكنه على الفطرة، على الفطرة، ويعلم المحكم بفطرته. لما رأى بعض الناس يتوجهون إلى المقبورين ويطلبونهم من دون الله ويتوجهون إليهم، فأنكر عليهم، قال لهم: كيف تتوجهون إلى هؤلاء وهم أموات؟ هؤلاء أموات، كيف تتوجهون إليكم وتطلبون منهم؟ هم أموات، ماذا سيفعل لكم؟ فماذا قالوا له؟ قالوا: لا، هؤلاء أحياء، هؤلاء أحياء. ما هو دليلهم؟ دليلهم متشابه، دليلهم متشابه في كتاب الله جل وعلا، وهي الآية سمعتم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. فلما قالوا له هذا الكلام: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، قال لهم: أنتم ما تفهمون، انظروا الآية وتمعنوا في الآية، ماذا قال الله جل وعلا؟ نعم، ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، ما هو يرزقون؟ اقرؤوا تماماً، وهو عام، لكن قال: ﴿يُرْزَقُونَ﴾. أحياء عند ربهم يرزقون، وأنتم ماذا تريدون؟ تريد أن يرزقوكم، فتطلبون منهم الحاجات وتريدون كذا وكذا. هم ما يرزقون أحداً، هم يرزقون، فهم أنفسهم طالبون، يطلبون من الله جل وعلا، والله يرزقهم. فهم أحياء يرزقون، يرزقهم الله جل وعلا، وأنتم كذلك، الذي يرزقكم هو الله، لا هؤلاء يرزقون أحداً، ولا أنتم كذلك. فإذن الذي يرزقه هو الله جل وعلا. هؤلاء الذين ماتوا في سبيل الله يرزقهم الله، وأنتم أيها الأحياء كذلك يرزقكم الله جل وعلا. فانظروا كيف رد هذا المتشابه مع أنه عامي على فطرته، نعم. وبعض الناس يشتبه عليه هذا، يقول: صح، كيف هؤلاء أحياء عند ربهم؟ فإذا كانوا أحياء إذن نكلمهم فيسمعون، ونطلب منهم. لكن آخر الآية: ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، فيرزقون، معناه أنهم لا يرزقون أحداً، بل هم كذلك محتاجون لرزق الله جل وعلا. فالشاهد أن المتشابه في كتاب الله الذي جعله الله جل وعلا، هذا من الابتلاء والاختبار، ليتميز الصادق من الكاذب، والذي يريد الحق من الذي يريد الباطل. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله. ولذلك كم تجد الآن من الناس من يستدل بالمتشابه، يستدل بالمتشابه، نعم. فربما يفعل الحلال ويفعل الحرام، يقرأ القرآن ويسمع الغناء، نعم، ويفعل الطاعة ثم يفعل المعصية. وإذا قلت له: يا فلان اتق الله، قال لك: ساعة وساعة، ساعة وساعة. هذا حديث، نعم، من الناس يجعله من المتشابه. حتى هذا النص يقول: نبأ سلم قال: ولكن ساعة وساعة. لحمد الله كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله. طيب، أيش معنى ساعة وساعة؟ يعني ساعة طاعة وساعة معصية، ساعة حرام وساعة حلال؟ لا. وإنما ساعة وساعة بمعنى أن الإنسان يعطي كل ذي حق حقه: ساعة طاعة لله جل وعلا بصلاة وقراءة قرآن، وساعة طاعة لله جل وعلا أيضاً لكن عن طريق عمل لإكفاف نفسه وعياله، وساعة كذلك يروع عن نفسه فيما أحل الله ليبعد عن نفسه السآمة والملل. فكل الساعات أصلها لله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. لكن ساعة وساعة كلها طاعة لله جل وعلا لكن في عبادات متنوعة، حتى ما تضع في امرأتك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لك بذلك الأجر، ولك بذلك الثواب من الله جل وعلا». فإذن هذه الحكمة واضحة وظاهرة من جعل هذا المتشابه في كتاب الله سبحانه وتعالى. وطريقة أهل الحق واضحة في ذلك، وطريقة أهل الزيغ والضلال واضحة في ذلك. وكما يقال: الواقع خير شاهد، الواقع خير شاهد. كمن الناس من يقع في البدع والمحدثات، ثم بعد ذلك يأتي ويستدل بنصوص متشابهة: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، ويجعل السنة الحسنة بدعة حسنة. الحديث: «سنة حسنة»، وهذا يقول: يأتي ببدعة ويقول: هذه السنة. قال النبي والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة»، وهذه سنة حسنة. فيجعل السنة هنا بمعنى الطريقة، يجعلها بمعنى لغويها، لا يجعلها بمعنى شرعيها، وما سنه رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا من اتباع المتشابه. فأحدثت البدع عن طريق أهل الزيغ والضلال باتباع المتشابه. وهكذا وقع كثير من الناس في هذا الباطل. قال رحمه الله تعالى: «تتمة: التشابه الواقع في القرآن نوعان: حقيقي ونسبي. فالحقيقي: ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، مثل حقيقة ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر. فإنا وإن كنا نعلم معاني تلك الأخبار، لا نعلم حقائقها وكنهها». كما قال الله تعالى عن نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وقال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، وقال عما في اليوم الآخر: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وفي الحديث القدسي الثابت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الله قال: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ذكر رحمه وتعالى في هذا الموضع هذه التتمة لما يتعلق بالكلام في المحكم والمتشابه، وهو تابع لما يتعلق بالمتشابه. المتشابه في كتاب الله جل وعلا نوعان: حقيقي ونسبي. ومعنى التشابه الحقيقي: هو التشابه المطلق، بمعنى يشتبه علمه ويخفى علمه على كل أحد، يخفى علمه على كل أحد، لا يعلم ذلك أحد إلا الله جل وعلا، لا يعلم ذلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. وذكر رحمه وتعالى أن هذا هو فيما يتعلق بما أخبر الله به عن نفسه وعن صفاته جل وعلا، وعن اليوم الآخر وما يحدث فيه. فهذا لا يعلمه إلا الله جل وعلا. ما يتعلق بأسمائه وصفاته جل وعلا التي هو عليها جل وعلا، والكيفية التي عليها تلك الصفات، صفات ربنا جل وعلا، فهذا لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فهذا متشابه حقيقي مطلق. وكذلك ما يتعلق بأخبار اليوم الآخر من حقيقة النار كيف هي كيفيتها، والجنة كيفيتها، وما أعد الله جل وعلا فيها، كذلك فهذا متشابه حقيقي، يعني مطلق، لا يعلمه أحد. ولذلك ذكر هنا المؤلف رحمه وتعالى قول الله جل وعلا: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، فالعباد لا يحيطون بالله جل وعلا علماً، والمراد: لا يحيطون بالله جل وعلا علماً لكيفيته سبحانه وتعالى، كيفية صفاته، صفة الوجه، وصفة اليدين، وهكذا النظر إلى وجهه. فإنه جل وعلا ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾. وهكذا ما يتعلق بما في الجنة: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾. ماذا لا يعلمون؟ هل لا يعلمون معانيها؟ لا، يعلمون اللحم الذي يعد في الجنة، ويعلمون العسل، معنى العسل الذي يعد في الجنة، ويعلمون معنى اللبن الذي يعد في الجنة، ويعلمون معنى الماء غير آسن في الجنة، وهكذا التفاح، وهكذا حور العين. كل ما أعد الله جل وعلا في الجنة، فالعباد يعلمون معاني ذلك، يعلمون المعنى، لكن الحقيقة والكيفية: هذا متشابه حقيقي، ومتشابه مطلق، لا يعلم ذلك أحد إلا الله. إذا قلت لأحد: كيف التفاح في الجنة؟ ما عندنا علم كيف التفاح. نعم، الذي يقول: تفاح كذا وكذا، هذا يقول الله بغير علم. ما أحد يعلم ذلك. كيف حقيقة اللبن؟ كيف حقيقة الماء؟ كيف حقيقة الأنهار؟ كيف حقيقة الحور العين؟ على أي كيفية وعلى أي صفة؟ هذا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. لكن نحن نعلم المعاني لأن الله خاطبنا بلغة العرب، فنحن نعلم ما معنى اللبن لأننا نشرب اللبن في الدنيا، واللبن هو هذا السائل الذي نشربه. ونعلم معنى اللحم لأننا نأكل اللحم، نعم. وهكذا التفاح والبرتقال والزيتون والفواكه ولحم الطير، هذه معلومة المعاني، مشتركة في المعنى. لكن الكيفية تختلف: تفاح الدنيا ليس كتفاح الجنة، ولحم الدنيا ليس كلحم الجنة، وهكذا العسل، وهكذا اللبن، وهكذا بقية ما أعد في جنة الله سبحانه وتعالى. فهذا لا يعلمه أحد، أي لا يعلم كيفيته. فقد قال النبي عليه السلام، بل ربنا جل وعلا: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وفي الحديث، النبي عليه السلام، حديث أبي هريرة في الصحيحين، حديث القدسي، يقول الله جل وعلا: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت». إذن لا تعرف الكيفية التي عليها ما أعد في الجنة لأنك ما رأيتها بعينك. تفاح في الجنة أنت ما رأيت بعينك ذلك التفاح حتى تقول كيفيته كذا. وأنت ما رأيت اللبن الذي أعد في الجنة، وما رأيت العسل حتى تقول كيفيته كذا. ﴿مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ﴾، يعني بكيفيته، لا حديث عن النبي عليه السلام أخبرك فيه أن كذا وكذا في الجنة كيفيته كذا وكذا، ما عندك خبر في ذلك. ﴿وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ بَشَرٍ﴾، وهذا أعظم، حتى ما يخطر على قلبك كخيال في قلبك. أنت الآن كيف يكون مثلاً تفاح الجنة؟ نعم، لو تتخيل من الآن إلى الغد، ولو إلى بعد أيام، لتصل إلى كيفية، يعني مثلاً التفاح الذي يعده في الجنة، ما يمكن أن تصل إلى الحقيقة أبداً. لماذا؟ لأنه ﴿وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ﴾. مهما سيخطر على بالك من أمور ومن كيفيات لما أعده في جنة الله سبحانه وتعالى، فلن تصل. لأن الذي أعده في جنة الله جل وعلا ما لا يخطر على البال. إذن مادام هذا لا يخطر على البال، إذن مهما جلس فإنه لم يخطر على بالك. نعم، ومادام أنه لم يخطر على بالك، فلن تستطيع أن تصل إلى العلم بحقيقة كيفية ما أعده في جنة الله سبحانه وتعالى. لأن هذا كما سمعتم من المتشابه الحقيقي الذي أخفى الله جل وعلا علمه، أي علم حقيقة وكيفيته، عن سائر المخلوقات. ووصف الله جل وعلا نفسه بعلم ذلك. وإنما العباد سيعلمون ذلك حين يدخلون جنات النعيم، الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهلها. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.