التعليق على تقريب التدمرية 45

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 45، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الرد على شبهة المماثلة والمماسة في حديث قلوب العباد بين أصبعين

يبين المقطع خطأ المعطلة في فهم حديث "قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن" حيث توهموا المباشرة والمماثلة، ويرد عليهم بأن البينونية لا تستلزم المماسة مستدلاً بالسحاب والسترة، مؤكداً عظمة صفات الله ووجوب الإيمان بها بلا تمثيل ولا تعطيل.

إبطال قياس الخالق بالمخلوق وبيان الفرق بين (بيديّ) و(أيدينا) إجمالاً

يقرر المقطع بطلان قياس صفات الخالق على المخلوق وأن الاشتراك في الاسم لا يستلزم التشبيه في الكيفية، ويوضح الفرق اللغوي والسياقي بين قوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ المثبت لصفة اليدين الحقيقيتين، وقوله ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ المضاف للفعل للتعظيم.

تفريق خلق آدم بيديه عن خلق الأنعام بأيدينا والرد على إلزام القول الواحد

يوضح المقطع الفرق بين آية خلق آدم الدالة على المباشرة والتشريف بإثبات اليدين، وآية خلق الأنعام الدالة على الخلق العام بالقدرة دون مباشرة، ويرد على من يلزم أهل السنة بالقول الواحد فيهما مبيناً أن السياق واللغة يقتضيان التفريق.

الفرق النحوي والشرعي بين تعدية الخلق بالباء في (بِيَدَيَّ) وإسناده في (أَيْدِينَا)

يفصل المقطع الفرق النحوي بين تعدية فعل الخلق بالباء في ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الدالة على مباشرة الله الخلق بيديه حقيقة، وبين إسناد الخلق للأيدي في ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ دون باء الدالة على نسبة الفعل للآلة، مع الإشارة لتفصيل قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد قرأنا في الدرس الماضي ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مما يقع فيه هؤلاء من الخطأ، وربما يكون الخطأ من وجه أو من وجهين. وذكر مثالاً للخطأ من الوجهين فيما وقع من أهل التعطيل في تفسير حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن قلوب العباد» أو «قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء». فوقعوا في هذا الخطأ من وجهين. الوجه الأول: أن يظنوا أن ظاهر هذا الحديث أن قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن، فيلزم منه المباشرة والمماثلة، وأن تكون أصابع الله سبحانه داخل أجوافنا. وهذا معنى فاسد، فيكون غير مراد. هذا هو الخطأ الأول الذي وقعوا فيه من هذا الوجه: ظنوا أن ظاهر هذا الحديث أن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء أو كيف يشاء. قالوا: ظاهر هذا الحديث أن أصابع الرحمن جل وعلا مماثة لقلوب بني آدم ومباشرة لقلوب بني آدم. هذا هو ظاهر هذا النص، ولذلك لا بد من تأويله، لا بد من تأويله وعدم إثباته، ولا بد أن نصرف هذا اللفظ إلى معنى آخر غير فاسد؛ لأن المعنى الذي دل عليه هذا اللفظ معنى فاسد، وهو هذا الذي سمعتموه. وهنا وقعوا في هذا الخطإ من هذا الوجه، حيث ظنوا أن هذا هو الظاهر، وهذا ليس هو الظاهر. ليس هذا هو الظاهر، وإنما ظاهر هذا النص أن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف شاء، على ما يليق بالله جل وعلا، لا يقتضي هذا المماثلة ولا يستلزم المباشرة، وأن تكون أصابع الرحمن داخل أجوافنا. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فهو جل وعلا في علوه، الرحمن على العرش استوى، وكذلك هو سبحانه وتعالى الكمال المطلق، وهو جل وعلا بائن من خلقه، ليس حالاً فيهم، وليس يحل فيه شيء من مخلوقاته جل وعلا. فالخالق بائن عن المخلوق، فلا مماثلة بين الخالق والمخلوق، ولا شيء يحل في مخلوقات الله جل وعلا من الله، ولا شيء يحل فيه جل وعلا من مخلوقاته. فهو سبحانه وتعالى بائن من خلقه، مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله سبحانه وتعالى. وعلى سبيل المثال، كما بين المؤلف رحمه الله تعالى: الله جل وعلا يقول: ﴿وَالسَّحَابُ الْمُسَخَّرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. عندنا الآن سحاب، هذا السحاب مسخر بين السماء والأرض. هل السحاب هذا يمس السماء؟ وهل هذا السحاب يمس الأرض؟ الجواب: لا. مع أن السحاب مسخر بين السماء والأرض، ومع هذا لم تحصل مماسة ولم يستلزم مباشرة. وهذا شيء واضح ترونه بأعينكم. السحاب ترونه بين السماء والأرض، مسخر بين السماء والأرض. هل هو ماس للسماء؟ هل هو ماس للأرض؟ الجواب: لا. فنقول: قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، على ما يليق بالله جل وعلا، ولا يستلزم ذلك مماسة ولا مباشرة. كما أن البينونية بين المخلوقات لا تقتضي المباشرة، لا تقتضي المباشرة ولا تقتضي المماسة. فهكذا البينونية بين الخالق والمخلوق لا تقتضي ذلك ولا تستلزم ذلك. الآن إذا قلنا: السترة بين يدي المصلي. السترة بين يدي المصلي، يصلي إلى سترة، يصلي إلى سترة: حجراً كان أو عصاً أو خشباً أو غير ذلك. هل هذه البينية تستلزم أن تكون السترة مماسة ليد المصلي؟ الجواب: لا. ومع هذا نقول: السترة بين يدي المصلي، المصلي يصلي إليها، والسترة بين يديه. ومع هذا هذه السترة لم يحصل لها مماسة ليدي المصلي ولا مباشرة. حتى الشمس والقمر والطيور، نعم هي بين السماء والأرض تطير في الجو. والطائرات هذه التي تطير، التي هي بين طبقة وأخرى، الجواب: نعم هي بين طبقتين. نعم، ومع هذا لم تحصل مماسة لأحد هاتين الطبقتين. إذا قلت: فلان زيد بين عمر وسعيد. زيد بين عمر وسعيد. طيب، زيد بين عمر وسعيد. هل يلزم هذا؟ هل يلزم هذا أن زيد ماس لعمر أو ماس لسعيد؟ لا. الآن أنتم جلوس. طيب، هذا بين هذا وهذا بينهما. طيب، هل يقضي هذا مماسة مباشرة؟ لا، لا يلزم ذلك. نعم. فمن زعم أن البينية تقتضي المباشرة وتقتضي المماسة، فهذا قد غلط غلطاً كبيراً، وهذا ليس بالصحيح. بل البينونية لا تستلزم ذلك، وهذا شيء مشاهد في الواقع. ولله المثل الأعلى. فهو سبحانه وتعالى أصابعه، وقلوب العباد وقلوب بني آدم بين أصبعين من أصابعه جل وعلا، يقلبها كيف يشاء، على ما يليق به جل وعلا، على ما يليق بالله جل وعلا. معلوم الأصابع في لغة العرب، لكن كل يليق بذاته. كل يليق بذاته. فالله جل وعلا أصابعه تليق بذاته، ليست كأصابع المخلوقين. أصابع الرحمن جل وعلا، أصابع الخالق ليست كأصابع المخلوقين. نعم، لماذا؟ لأن الله جل وعلا عظيم في أسمائه وصفاته. أصابع الرحمن جل وعلا: تكون السماوات على إصبع من أصابعه جل وعلا، وتكون كذلك الأراضون على إصبع من أصابعه جل وعلا، وتكون الجبال على إصبع من أصابعه جل وعلا، والشجر على إصبع من أصابعه جل وعلا. نعم، سبحان الله. إذن كيف يريد الإنسان أن يتخيل كيفية صفات رب العالمين جل وعلا، ومنها هذه الصفة: صفة الأصابع؟ نعم، انظر في هذه السماوات العظيمة، وانظر في هذه الأراضين العظيمة، وانظر في هذه الجبال العظيمة. هذه السماوات العظيمة، نعم، ما هي إلا في إصبع من أصابع الرحمن جل وعلا. كيف بعد ذلك تستطيع أن تتخيل كيفية صفة هذا الإصبع الذي ثبت لله جل وعلا؟ معنى ذلك أنه عظيم، صفة عظيمة، لا يستطيع عقلك أن يصل إلى ماذا؟ أن يتخيل كيفية لها صحيحة يصل إليها، فضلاً عن أن يعرف الحقيقة والكيفية التي هي حقيقة بهذه الصفة التي ثبتت لله جل وعلا. فمعنى هذا: ما بقي إلا التسليم والإيمان، التسليم والإيمان. يا عبد الله، يا مسكين، لا تظن أن صفات رب العالمين كصفات المخلوقين. صفات رب العالمين جل وعلا عظيمة، عظيمة، صفات عظيمة، لا يستطيع العقل أن يتخيل كيفيتها مهما حاول، لن يصل إلى معرفة ذلك، يعجز؛ وذلك لكمالها ولعظمتها. ومع أن لها كيفية، لكن العقل عاجز عن تخيل هذه الكيفية، فضلاً عن معرفة حقيقتها على ما هي عليه. ولذلك الواجب الإيمان والتسليم، ونقول في الكيفية: الله أعلم، ونقول: على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. هذا وجه وقعوا فيه، أخطأوا فيه، أخطأوا فيه حيث ظنوا أن إثبات هذا الحديث، وأن ظاهر هذا الحديث يقتضي هذا اللازم الفاسد، وهو لازم باطل فاسد. نعم، لغة وشرعاً وعقلاً. كذلك الوجه الثاني الذي وقعوا فيه وأخطأوا فيه: ظنوا أن إثبات ظاهر هذا النص يقتضي إثبات جوارح لله جل وعلا، كما أن للمخلوق جوارح. إثبات صفة الأصابع لله جل وعلا يقتضي إثبات جارحة لله جل وعلا كجارحة المخلوق. وهذا باطل أيضاً؛ لأنه قياس، فيه قياس الخالق بالمخلوق. قياس الخالق بالمخلوق. فالاشتراك هنا إنما هو حاصل في الاسم، الاشتراك حاصل في الاسم فقط. في الصفات بين الخالق والمخلوق: الاشتراك في الاسم، وفي المعنى الكلي الذهني على مدلوله، ما دلت عليه لغة العرب كما تقدم من معنى. لكن الكيفيات: كل على ما يليق به. الكيفيات: كل على ما يليق به. فنقول: هذا يليق بالمخلوق، وذاك يليق بالخالق جل وعلا. كما أن المخلوق: الذات التي تليق به، وهكذا الله جل وعلا: ذات تليق به. وهكذا يقال في الصفات: صفات تليق بالمخلوق، وصفات تليق بالخالق جل وعلا. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذا الذي أخطأ فيه هؤلاء، حيث ظنوا أن هذا الظاهر، ولذلك وقعوا في التأويل، وألزموا أهل السنة إما بإثبات هذا الظاهر الذي ظنوه أنه هو الظاهر، وهو ليس كذلك. فيبين لهم أولاً: أن هذا الظاهر الذي فهموه ليس هو ظاهر هذا النص. نعم. وثانياً: يبين لهم ما هو ظاهر هذا النص. تخليه ثم تحليه. تخليه ثم تحليه. لا بد أولاً أن يفهموا ظاهر هذا النص الصحيح، حتى يخرج من أذهانهم ذلك الظاهر الفاسد الذي فهموه، والذي لأجله أولوا وعطلوا، ولم يثبتوا هذا النص. وثانياً: يبين لهم ما هو ظاهر هذا النص، يبين لهم ظاهر هذا النص، وذلك بإثبات الصفة على ما يليق بالله جل وعلا، وأن ذلك لا يستلزم هذه اللوازم الباطلة التي ظنوها، بالأمثلة التي تقرب لهم ذلك. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى هنا مثالاً عظيماً بالسحاب، في قول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّحَابُ الْمُسَخَّرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض، ولا يمسهما. ويقال: سترة المصلي بين يديه، وليست مباشرة له ولا مماسة له. فإذا كانت البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات، فكيف بالبينية فيما بين المخلوقات والخالق، الذي وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو بكل شيء محيط؟ قد دل السمع والعقل على أن الله تعالى بائن من خلقه، ولا يحل في شيء من خلقه، ولا يحل فيه شيء من خلقه، وأجمع السلف على ذلك. ونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقي لله تعالى لا يستلزم معنى فاسداً، وحينئذ يكون مراداً قطعاً. فإن لله تعالى أصابع حقيقية تليق بالله عز وجل، ولا تماثل أصابع المخلوقين. وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، إن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقاً لقول الحبر، يعني إقراراً له على ما ذكر. ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. هذا لفظ البخاري في تفسير سورة الزمر. فأي معنى فاسد يلزم ظاهر النص، يلزم ظاهر النص، حتى يقال إنه غير مراد؟ وهذا واضح بحمد الله. قال: ويشبه هذا الخطأ أن يجعل اللفظ نظيراً بما ليس مثله، كما قيل في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، إنه مثل قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فيكون المراد باليد نفس الفاعل في الآيتين. وهذا غلط، فإن الفرق بينهما ثابت من وجوه ثلاثة: الأول: من حيث الصيغة. فإن الله قال في الآية الأولى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وتخالف الصيغة في الآية الثانية، فإن الله تعالى قال فيها: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، ﴿لِمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾. ولو كانت الأولى نظيرة للثانية، لكان لفظهما: ﴿لِمَا خَلَقَتْ يَدَايَ﴾، فيضاف الخلق إليهما، كما أضيف العمل إليهما في الثانية. الثاني: أن الله تعالى أضاف في الآية الأولى الفعل إلى نفسه، معدى بالباء إلى اليدين. فكان سبحانه هو الخالق، وكان خلقه بيديه. ألا ترى إلى قول القائل: كتبت بالقلم؟ فإن الكاتب هو فاعل الكتابة، ومدخول الباء وهو القلم حصلت به الكتابة. وأما الآية الثانية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضافة إليه، وإضافة الفعل للأيدي كإضافته إلى النفس، كأنه قال: مما عملنا. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والمراد: بما كسبتم، بدليل قوله في آية أخرى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتِ مَا كَسَبُوا﴾. الثالث: إن الله تعالى أضاف الفعل في الآية الأولى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، معدى بالباء إلى يدين اثنتين، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه، لدلالة التثنية، لصيغة التثنية، لدلالة ذلك على صريح العدد وحصره. ولكنه تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد للتوحيد، وتارة يذكر نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، وربما دل الجمع على معاني أسمائه. أما في الآية الثانية، فأضاف الفعل إلى الأيدي المضافة إليه مجموعة للتعظيم، فصار المراد بها نفسه المقدسة جل وعلا. وبهذا تبين الفرق بين قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وأنها ليست نظيراً لها. وتبين أيضاً أن ظاهر النصوص في الصفات حق ثابت مراد لله تعالى على الوجه اللائق به، وأنه لا يستلزم نقصاً في حقه ولا تمثيلاً له بخلقه. لكن لو كنا نخاطب شخصاً لا يفهم من ظاهرها إلا ما يقتضي التمثيل، فإننا نقول له: إن هذا الظاهر الذي فهمته غير مراد. ثم نبين أن هذا ليس ظاهر النصوص، لأنه باطل لا يقتضيه السياق، كما سبق بيانه. هذا أيضاً الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، هو من الأمور التي لأجلها يعطل أهل التعطيل، ويصرفون النصوص عن ظاهرها، حيث يفهمون ظاهراً باطلاً من هذا النص، ومعنى فاسداً، ولذلك يعطلون ويؤولون، ويلزمون أهل السنة بمتابعتهم في ذلك: إما أن يثبتوا ذلك الظاهر الفاسد الذي يفهموه. نعم، ولذلك يعطلوا مثل ما عطلوا، وإلا أنهم وقعوا في عدم تنزيه الرب جل وعلا، حيث فهموا أو أثبتوا معنى فاسداً في حق الله جل وعلا. ومن ذلك هنا: مثل هذا، جعلوا قول الله جل وعلا: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي، مثل قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. فهم لها مالكون. قالوا: هذه الآية مثل هذه الآية. لما أنتم يا أهل السنة تثبتون لله جل وعلا، جل وعلا صفة اليدين في مواضع، تقولون المراد هنا: نعم، إثبات صفة يدين لله جل وعلا على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. وهنا في هذا الموضع ما تقولون؟ هذا يعني في قوله جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾. أهل السنة والجماعة هنا في هذه الآية يقولون: المراد بالآية ليس المراد بالآية أن الله جل وعلا باشر خلق الأنعام بيديه سبحانه وتعالى. الله جل وعلا لم يباشر خلق الأنعام بيديه، كما باشر خلق آدم بيديه. فقالوا: أنتم هنا قلتم في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي أن الله جل وعلا خلق آدم بيديه، وفي هذا إثبات صفة اليدين لله جل وعلا. لماذا لا تجعلونها مثل الآية الأخرى؟ نحن عندنا هذه الآية نقول فيها مثل ما قلنا في الآية الأخرى. نقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني المراد نفس الفاعل وهو الله جل وعلا، أي: لما خلق الله سبحانه وتعالى، ما منعك أن تسجد لما خلقت، يعني: بنفسي أو بقدرتي، وليس المراد: لما خلقت بيدي، أي أن الله جل وعلا متصف بصفة اليدين. قولوا مثل تلك الآية. قلتم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾، قلتم المراد: أن الله جل وعلا خلق هذه الأنعام، أي هو الذي خلق هذه الأنعام، ولم تقولوا: خلقها بيديه، ولم تقولوا: خلقها ماذا بيديه، وإنما بقدرته أو بأمره. فلماذا لا تقولوا أيضاً هكذا هنا؟ فيقولون لأهل السنة: أنتم ماذا تعطلون، وأنتم كذلك تثبتون في مواضع ظاهر النص، وفي مواضع أخرى لا تثبتون ظاهر النص؟ نعم. فقولوا في الآيتين قولاً واحداً. قولوا في الآيتين قولاً واحداً. إما أن تقولوا: إن الله جل وعلا خلق آدم بيديه، كذلك قولوا: خلق الأنعام بيديه. كذلك قولوا: خلق الأنعام بيديه. لأن هنا في الآية: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾. لكن أنتم ما تقولون هذا. تقولون: نعم، خلق الله جل وعلا آدم بيديه، ولكن ما خلق الأنعام بيديه، بمعنى: باشر خلق الأنعام بيديه، وإنما أمر جل وعلا بأن تكون فكانت، وخلقها الله جل وعلا بأمره أو بقدرته. قالوا: نحن نقول هذا. نقول في الجميع، في الآيتين: المراد الفاعل وهو الله جل وعلا. كما أنه خلق آدم، أي: هو الذي خلق الأنعام. بمعنى أنه لم يخلق آدم بيدين، يعني المراد بيدين. وهكذا لم يخلق الأنعام، كما أنه لم يخلق الأنعام بيدين. ويردون ماذا؟ كذلك من هذا، يردون كذلك نفي صفة اليدين عن الله جل وعلا، وأن الله جل وعلا لم يتصف بيدين تليقان به جل وعلا. فهذان الأمران لأجلهما احتجوا على أهل السنة، احتجوا على أهل السنة. فأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين: لماذا أهل السنة والجماعة في الآية الأولى، في قوله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أن المراد: أن الله جل وعلا خلق آدم بيديه سبحانه وتعالى، أي أنه باشر خلق آدم بيديه إكراماً له وتشريفاً على غيره، حيث باشر خلقه بيديه، ففيه إثبات صفة اليدين لله جل وعلا. وفي الآية الأخرى لم يقولوا: إن الله جل وعلا خلق الأنعام بيدي، أي: باشر خلق الأنعام بيديه. لأن تلك الآية ليس ظاهرها هو ظاهر هذه الآية. الآية الأولى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ظاهرها أن الله جل وعلا باشر خلق آدم بيديه. هذا هو ظاهر هذه الآية. أما الآية الثانية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾، ليس ظاهرها أن الله جل وعلا باشر خلق الأنعام بيديه، وإنما خلقه، خلق الله جل وعلا الأنعام، والخلق الآخر كذلك، خلقه سبحانه وتعالى بأمره، حيث قال: كن فيكون. لكن شرف آدم على الخلائق، وشرف بعض مخلوقاته، بأن باشر خلقها بيديه سبحانه وتعالى. كما جاء في بعض الأحاديث: أنه غرس جنة عدن بيده سبحانه وتعالى، وهذا خط التوراة لموسى بيده سبحانه وتعالى. وكل ذلك من التشريف. بخلاف ما كتب مثلاً، وما خط من أمور مثلاً: كتابة القلم للوح المحفوظ، فالقلم هو الذي كتب، القلم هو الذي باشر الكتابة. الله جل وعلا حين خلق القلم أمره أن يكتب، فكتب. القلم هو كائن. لكن اصطفى الله جل وعلا، وخص الله جل وعلا موسى بأن خط له التوراة بيده سبحانه وتعالى، كما ذكر موسى، كما ذكر آدم عليه السلام لموسى حين حاجه موسى، فقال له: يا موسى، أنت كلمك الله جل وعلا، وخط لك التوراة بيده. يذكر يعني مناقب لموسى عليه الصلاة والسلام، يذكر مناقب لموسى، وأنه ممن اصطفى الله جل وعلا بكلامه، حيث كلمه الله سبحانه وتعالى، ومما أكرمه به جل وعلا أن خط له التوراة بيده سبحانه وتعالى. وآدم كذلك، ذكر من فضائله وما شرفه الله جل وعلا به، أن الله جل وعلا خلقه بيديه. فيقال له: يا آدم، أنت خلقك الله جل وعلا بيديه. لماذا خص آدم بأن الله جل وعلا خلقه بيديه؟ لأن الله جل وعلا باشر خلق آدم بيديه سبحانه وتعالى. فظاهر الآية الأولى، ظاهر الآية الأولى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني: بيديه جل وعلا، باشر ذلك الخلق. لو كان المراد: بقدرتي، أو خلقتك أنا، نعم، قال إبليس: وما الفرق بيني وبينه؟ ما الفرق بيني وبينه يا رب؟ حين تقول لي: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ إذا كان ليس المعنى أن الله جل وعلا باشر خلق آدم بيديه، وإنما الأمر أنه خلقه ب... يعني قدرته، أو أنه جل وعلا هو الذي خلقه، والمراد يعني نفس الفاعل، أي مزية؟ أي مزية؟ لا، احتج اللعين على الله جل وعلا، ويقول: إنما ذلك يا رب، أنت الذي خلقتني بأمرك أو بقدرتك، ما في فرق. حتى إبليس ما احتج بهذا، حتى إبليس ما قال هذا، ولا احتج بهذا، لأنه يعلم المراد، يعلم المراد من قول الله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني: لما شرفت هذا المخلوق وهو آدم، حيث باشرت خلقه بيديه تشريفاً له وتكريماً. وليس الأمر أن خلق آدم كخلق المخلوقات الأخرى التي جاء ذكرها في آيات أخرى، مثل هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً﴾. فهذه ليست من الآية الأخرى. فتلك الآية صيغتها تختلف عن هذه الصيغة. أولاً: من حيث الإضافة، من حيث الإضافة. فالآية الأولى: أُضيف فيها الخلق إلى الله جل وعلا، أُضيف فيها الخلق إلى الله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ﴾، ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾، الضمير يعود إلى الله جل وعلا، وأضيف الخلق إلى الله جل وعلا. ثم بعد ذلك عُدي الفعل بالباء، عُدي الفعل بالباء. الفعل هو خلق، عُدي بالباء. وإذا عُدي الفعل بالباء، فإنه بمعنى المباشرة، بمعنى المباشرة. نعم، كما يقال مثلاً: صنع النجار الكرسي مثلاً بيده. صنع النجار الكرسي بيده. كتب الشخص الدرس بيده. ما معنى كتب الدرس بيده؟ يعني: باشر الكتابة، باشر الكتابة بماذا؟ بيده. تمام. مثلك الآن لو أتيت بورقة وجعلتها مثلاً في الكمبيوتر مثلاً، نعم، تنسخ، نسخت الورقة في الكمبيوتر مثلاً، نعم، وخرجت هذه الورقة مكتوبة. نعم، إذا قيل: من كتب هذه الورقة؟ من كتب هذه الورقة؟ من كتب هذه الملزمة؟ يقال: فلان، فلان كتب هذه الملزمة، أو كتب هذه الرسالة، أو كتب هذه الورقة. لكن الكتابة تختلف، الكتابة تختلف. قد تكون هذه الكتابة بمباشرة الكاتب، بمباشرة الكاتب لهذه الكتابة، يعني: كتبها بيده. حتى يقول له: بماذا كتبتها؟ لماذا يسأل عن ماذا؟ لكي يعرف: هل كتبها بيده أو لم يكتبها بيده؟ فإذا قال: كتبتها بيدي، عُدي الفعل بالباء، علم أنه باشر الكتابة. نعم. ولكن إذا كتبت بغير ذلك، فإنه لن يضيف الكتابة إلى يده، وإنما يقول مثلاً: كتبتها بالكمبيوتر، كتبتها بالكمبيوتر، كتبتها بكذا. أضاف ذلك لمن؟ أضاف الكتابة إلى ذلك الذي باشر، أضاف الكتابة إلى ذلك الذي باشر هذه الكتابة. طيب، فقوله جل وعلا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، هنا أضاف الله جل وعلا الفعل "خلق" إليه، ثم عدى هذا الفعل بالباء، عدى هذا الفعل "خلق" بالباء، وهذا يدل على أنه جل وعلا باشر الخلق بيده جل وعلا. أما في الآية الأخرى، فما فيها إضافة الفعل لله، وإنما أضاف الخلق إلى الأيدي، والعمل إلى الأيدي: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، ولم يعد كذلك بالباء. وسيأتي إن شاء الله بقية ما في هذا المبحث، وزيادة التفصيل فيما يتعلق في الفرق بين هاتين الآيتين، وبيان الصواب فيهما في الدرس اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.