الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 79، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش المقطع أصناف الناس في التعامل مع الأسباب، حيث يصنفهم إلى طرفين ووسط، ويبين موقف أهل السنة والجماعة من هذه القضية. الطرفان المتطرفان هما من ينكر تأثير الأسباب تماماً ومن يثبت تأثيرها بشكل مطلق.
ينتقد المقطع مفهوم الكسب عند الأشاعرة ويبين تناقضاته، حيث يحاول الأشاعرة التوفيق بين الجبر والاختيار، لكن هذا يؤدي إلى مشاكل في فهم الثواب والعقاب. يُظهر المقطع أن هذا الفهم يتناقض مع العقل والشرع.
يشرح المقطع ماهية المفاهيم المجردة وكيف أنها أفكار من صنع الإنسان وليست لها وجود حقيقي في الواقع، بل هي محض تصورات ذهنية. يبين المقطع أن هذه المفاهيم لا تُدرك بالحواس.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قال مؤلف رحمه الله تعالى: والناس في الأسباب طرفان ووسط، فالطرف الأول نفات أنكروا تأثير الأسباب وجعلوها مجرد علامات يحصل الشيء عندها لا بها. حتى قالوا: إن انكسار الزجاجة بالحجر إذا رميتها به حصل عند الإصابة لا بها. وهؤلاء خالفوا السمع وكابروا الحس، وأنكروا حكمة الله تعالى في ربط المسببات بأسبابها. والطرف الثاني غلات أثبتوا تأثير الأسباب، لكنهم غلوا في ذلك وجعلوها مؤثرة بذاتها. وهؤلاء وقعوا في الشرك حيث أثبتوا موجدا مع الله تعالى، وخالفوا السمع والحس. فقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، كما أننا نعلم بالشاهد المحسوس أن الأسباب قد تتخلف عنها مسبباتها بإذن الله، كما في تخلف إحراق النار لإبراهيم الخليل حين ألقي فيها، فقال الله تعالى: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾، فكانت بردا وسلاما عليه، ولم يحترق بها. ثم ذكر الوسط، وهم أهل السنة والجماعة في هذا الباب. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع أصناف الناس في الأسباب، فإن الناس في الأسباب كما قال رحمه الله تعالى طرفان ووسط. فذكر الطرف المفرط في قوله: فالطرف الأول نفات أنكروا تأثير الأسباب، أي قالوا: الأسباب لا أثر لها في حصول المسبب. والعبد له قدرة على فعل السبب، القدرة موجودة عند العبد لفعل السبب إذا أراد خيرا أو شرا. فعنده قدرة على فعل السبب، لكن هذا السبب لا أثر له في حصول المسبب. كيف ذلك؟ الإنسان مثلا يريد أن يصلي، فعنده قدرة يفعل بها السبب الذي يحصل به هذا الذي أراده وهو الصلاة. يفعل السبب لحصول الصلاة، وكذلك الطاعة أو المعصية، فعنده قدرة لفعل السبب، لكن هذا السبب لا أثر له في حصول المسبب. هؤلاء هم الأشاعرة، فعندنا الجبرية من الجهمية وغيرهم، هؤلاء أنكروا الأسباب وأنكروا القدرة، قالوا: العبد لا قدرة له، بل هو مسلوب القدرة. وأنكروا الأسباب كذلك، وأن الأسباب أسباب لحصول المسببات، أنكروا هذا، فلا قدرة للعبد، وهكذا لا أسباب يحصل بها المسبب. والجبرية الغلاة قالوا: العبد مجبور لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، ولا سبب له يفعله مختارا قادرا على فعله. وإنما قالوا: هو كالريشة في مهب الريح، ألا ننظر إلى الريشة في مهب الريح كيف يفعل بها الريح؟ الريح كيف يفعل بالريشة؟ يقلبها يمنة ويسرة، الريشة هل لها قدرة؟ هل لها اختيار؟ لا قدرة لها ولا اختيار، ولا فعل سبب في هذا التحريك. قالوا: هكذا الإنسان، وهكذا العبد، وهؤلاء الجبرية الغلاة قالوا: هكذا العبد مجبور، لا قدرة له ولا عنده اختيار، ولا قدرة له على فعل سبب إذا أراد شيئا. لا قدرة له أن يفعل السبب حتى يحصل على ذلك الذي أراده من خير أو شر، مسلوب القدرة ومسلوب الإرادة ومسلوب فعل السبب. الأشاعرة أرادوا أن يخرجوا من هذا الجبر، فقالوا: العبد له قدرة، نعم هو له اختيار في فعل السبب، عنده قدرة يفعل بها السبب. إذا أراد أن يصلي، إذا أراد أن يطيع، إذا أراد أسباب الهداية، إذا أراد أسباب الضلال، عنده قدرة وعنده إرادة يفعل بها السبب. لكن قالوا: هذا السبب الذي يفعله العبد لا تأثير له في حصول المسبب. يقال لهم: إذا قام وأخذ الأسباب لفعل الصلاة، ذهب إلى المسجد وقام ليصلي وكبر الله أكبر، دخل في الصلاة، أليس خروجه من بيته سبب لفعل الصلاة ولحصول الصلاة؟ قالوا: نعم، أليس هذا له أثر في حصول الصلاة؟ فحصلت الصلاة لما أخذ بالأسباب ودخل المسجد وكبر، حصلت الصلاة، وهذا له أثر. يقولون: لا، وأهل السنة جمع يقولون: نعم له أثر في حصول الصلاة غير مستقل. ثم إنهم قالوا: لما قام للصلاة حصل له اكتساب هذه الصلاة، حصل له الاكتساب لما حصل الالتقاء. قام وأراد أن يكبر، في هذه الحالة حصل له اكتساب للصلاة، فاكتسبها. طيب لما كان جائعا فأخذ الطعام وأخذه في فمه وأكله، حصل له اكتساب الشبع. ما هو بسبب وإنما يقولون: عندها الأسباب لها التي تحصل وتحصل لأجلها المسببات تحصل عندها لا بسببها. هذا الكلام لا يفهم، هذا الكلام غير معقول، هذا الكلام محال. طيب إذا صلى بهذا الحال، وإنما اكتسب الصلاة ليس بسبب أثر وأخذه بالسبب أثر في حصول الله، كيف يثاب؟ كيف يثاب على أمر؟ نعم لا أثر للسبب الذي أخذ به لحصول الصلاة أو لفعل الطاعة أو العكس لفعل المعصية، كيف يعاقب؟ كيف يعاقب على شيء لم يفعل سببا له أثر في حصول الطاعة أو المعصية؟ قالوا: يعاقب ويثاب بسبب الاكتساب. أنا أعرف أن الكلام غريب، لكن هكذا يقولون. وإن شاء الله يفهم ولو لم يفهم الآن، إذا دقق فيه نعم يفهم. طيب كيف يعاقب وهو فعل سببا وسببه لا أثر له في حصول المسبب من خير أو شر؟ قالوا: يثاب ويعاقب لأنه اكتسبه. فلما اكتسبه عقب أو أثيب، كيف اكتسبه؟ قال: أنه لما قام أراد أن يصلي اكتسب الصلاة فأثيب على ذلك. لما أراد أن يقتل وأخذ المسدس وضرب وأطلق النار، فلما التقت الرصاصة بالمقتول وحصل القتل، نعم لا بسبب ضربه للرصاصة وإطلاقه للرصاصة لا أثر لذلك، وإنما لما حصل التقاء التقاء الرصاصة بذلك الذي أراد أن يصيبه اكتسب القتل وصار القتل كسبا له. يقال: فلان قتل فلانا، كيف قتل؟ لماذا قتل؟ هل بسبب إطلاق الرصاص؟ قال: لا، لا بسبب إطلاق الرصاص، إطلاق الرصاص له ليس هو سبب. طيب كيف فلان قتل فلانا بالرصاص؟ قال: نعم اكتسب هذا لما التقى الرصاص بذلك الذي وقعت فيه الرصاصة اكتسب القتل وصار كسبا. أبو الحسن الأشعري رحمه الله اخترع لفظ الكسب، لأنه لما احتج عليه قيل له: كيف يثاب العبد أو يعاقب على شيء لم يفعله؟ قال: لا، عوقب وأثيب لاكتسابه لذلك عند مباشرته، عند مباشرته حصل له ذلك الذي حصل لا بسبب أخذه لأسباب، لا بسبب أخذه لأسباب. ولذلك يقول الأشاعرة: العبد مجبور في الباطن، العبد مختار في الظاهر. كيف مختار في الظاهر مجبور في الباطن؟ يقولون: ظاهره الاختيار، أنه الذي يفعل باختياره إذا أراد أن يصلي، إذا أراد أن يفعل الطاعة، إذا أراد أن يفعل كذا وكذا، ظاهره أنه مختار، لكن في الحقيقة أنه مجبور. فوقعوا في الجبر ورادوا يفرون منه، فوقعوا فيه. ولذلك أهل السنة والجماعة يعدون الأشاعرة جبرية غير غلاة. فعندنا جبرية غلاة، وجبرية غير غلاة. الجبرية الغلاة كما سمعتم، وهم الجهمية وغيرهم الذين أصلا أنكروا القدرة والإرادة في العبد، قالوا: مجبور ظاهرا وباطنا، ما له اختيار أبدا كالريشة من هب الريح. والأشاعرة توسطوا، وقالوا: لا، هو مختار، لكنه في الظاهر، الظاهر مختار، تراه أنه يفعل باختياره، لما تراه تقول: يفعل باختياره، والأمر ليس كذلك، وإنما هو مجبور في الباطن. وأحسن مثال عندهم السكين، السكين في الظاهر أنها التي قطعت، وفي الحقيقة أنها مجبورة على القطع. والقلم يقال: كتب القلم كذا وكذا، والحقيقة أن القلم مجبور، حصلت الكتابة منه ليس باختياره، وفي الظاهر أنه الذي كتب، لكن في الباطن مجبور على الكتابة فكتب. فجعل العبد هكذا، وهذا ضلال وضلال. فأبو الحسن الأشعري رحمه الله اخترع لفظ الكسب، وقال: العبد إذا فعل الفعل، فعل الطاعة أو فعل المعصية وأخذ بالسبب، نعم له قدرة على فعل السبب، وظاهره أنه مختار، ولكنه مجبور. وإذا حصل الشيء ما حصل بالأخذ بالسبب، ولا أثر للسبب في حصول ذلك المسبب من خير أو شر، وإنما اكتسب ذلك. فأتى بلفظ الكسب، وهذا محال، وهذا محال. ولذلك الأشاعرة أنفسهم اختلفوا في تفسير الكسب إلى أكثر من إحدى عشر قولا. فإذا جيت إلى أبي الحسن الأشعري ماذا تفسر الكسب هذا؟ قال: نقول: فسره كذا وكذا. وإذا جيت إلى آخر الأشاعرة، ما تقول في الكسب؟ قال: كذا وكذا. إحدى عشر قولا عند الأشاعرة في تفسير الكسب، ما استقر لهم قرار، هم أنفسهم لم يضبطوا هذا، ولم يتوصلوا فيه على شيء واضح يوافق العقل، فضلا عن أن يكون موافقا للشرع. وذكرت هذه الأقوال في شروح الجوهرة، وهي من كتب الأشاعرة، اختلفوا فيها اختلافا في لفظ الكسب. وهذا محال، ولا يعقل، ليس له وجود في الواقع، هذا الكسب الذي اخترعه أبو الحسن الأشعري، وإنما موجود في ذهنه فقط، موجود في ذهن أبي الحسن الأشعري مخترع الكسب، أما في الواقع فلا وجود له، بل محال أن يكون موجودا. ولذلك يقولون في مثل هذه المحالات مما يقال: ولا حقيقة تحته معقولة تدنو لذي الأفهام. الكسب عند الأشعري، والحال عند البهشمي، وطفرة النظام، هذه أشياء ماذا؟ محالات ما يمكن أن تستوعبها العقول، جاء بها هؤلاء الناس واخترعوها، ولا وجود لها في الواقع، وإنما هي موجودة في أذهانهم لا تعقل. صلى الله وسلم مبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.