الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 215، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يشرح حديثين نبويين، الأول ضعيف بسبب الاختلاط في سند الرواية، والثاني صحيح ويروي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للطهارة والتسبيح.
شرح دعاء النبي ﷺ بالتطهير بالثلج والبرد والماء البارد لإزالة الذنوب ومحو الخطايا، مع بيان حكمة اختيار الأشياء الباردة للتطهير.
شرح دعاء النبي بعد الرفع من الركوع وتعظيم الله تعالى والثناء عليه، حيث يحمد حمدا كثيرا متكررا دائما، وحمدا عظيما يملأ السماء والأرض.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا بيان بن نعمر البخاري، قال الحافظ: صدوق جليل. قال: حدثنا يزيد بن هارون، أبو خالد الواسطي، وهو كما قال الحافظ: ثقة متقن عابد. قال: حدثنا الجريري، وهو سعيد بن إياس الجريري، ثقة اختلط في آخره، ويزيد بن هارون ممن روى عنه بعد الاختلاط. قال: عن ثمامة بن حزن، وهو القشيري، ثقة، وثقه أبو داود. قال: سمعت شيخا ينادي بأعلى صوته: اللهم إني أعوذ بك من الشر، لا يخلطه شيء. قلت: من هذا الشيخ؟ قيل: أبو الدرداء، أي: الصحابي الجليل أبو الدرداء عويمر. وهذا الأثر بهذا السند لا يصح؛ لأن الجريري مختلط، ويزيد بن هارون ممن روى عنه بعد الاختلاط. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو المسندي الجعفي. قال: حدثنا أبو عامر، وهو العقدي، عبد الملك بن عمر القيسي. قال: حدثنا إسرائيل، وهو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مجزأة، وهو ابن زاهر السلمي، عن عبد الله بن أبي أوفى، وهو الصحابي الجليل عبد الله بن أبي أوفى، واسمه علقمة بن خالد من الحارث. وعبد الله بن أبي أوفى يكنى بأبي معاوية، وهو ممن شهد بيعة الرضوان، وآخر من مات من الصحابة في الكوفة. قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، كما يطهر الثوب الدنس من الوسخ». ثم يقول: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد». والحديث صحيح، وأصل الحديث في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وسيذكره المؤلف رحمه الله بعد عدة أحاديث. وفي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد، كما يطهر الثوب الدنس من الوسخ». فكان يسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهره بالثلج والبرد والماء البارد، كما يطهر الثوب الدنس من الوسخ، يعني: الثوب الوسخ. كما أنه يطهر وينقى وينظف. وجاء في رواية: «الثوب الأبيض»، كما يطهر الثوب الأبيض الدنس من الوسخ؛ لأن الثوب الأبيض يظهر فيه الوسخ، فإذا نقي وأزيل عنه الوسخ دل ذلك على كمال تنقيته وطهارته. وهكذا كذلك التطهر والتطهير من الذنوب إذا أزيلت ومحيت، فلا يبقى لها أثر. وهذا المقصود من التشبيه بطهارة الأعمال والقلوب من الذنوب بأنه تمحى، فلا يبقى لها أثر، كما إذا نقي الثوب الأبيض من الدنس والأوساخ، فلا يبقى لها أثر ظاهر. والمراد من ذلك كمال التطهير ومحو الذنوب والخطايا، محو الذنوب والخطايا، فلا يبقى لها أثر. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «طهرني بالثلج والبرد والماء البارد». قال العلماء: ذكر النبي عليه الصلاة والسلام وسأل التطهير بالثلج والبرد والماء البارد، مع أن تطهير الوسخ بالماء الحار أشد تنظيفا، وتزال الأوساخ إزالة بالكلية بالماء الحار. فكيف سأل النبي عليه الصلاة والسلام التطهير بالثلج والبرد والماء البارد؟ قال بعض أهل العلم: ذكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه الأشياء -أي: الثلج والبرد- تنزل من السماء، ولم تخالطها أيدي الناس، فكانت في غاية من النقاء والتطهير. وقال بعضهم: شبه النبي عليه الصلاة والسلام الذنوب والمعاصي بالنار؛ لأن النار أو هذه الذنوب موصلة إلى النار، والنار في غاية من الحرارة، فكان من المناسب أن تطفأ بما هو بارد، كالثلج والبرد، وهكذا كذلك الماء البارد. فكان من المناسب سؤال الله عز وجل التطهير بهذه الأشياء الثلاثة. ثم ذكر هذه الأشياء الثلاثة: الثلج والبرد والماء البارد؛ ليحصل كمال التطهير؛ فإن الشيء إذا طهر بأكثر من مطهر، لا شك أنه يكون في غاية من النقاء والصفاء. ولذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الثلج والبرد والماء البارد. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام لذلك -أي: سؤاله لتطهير من الذنوب بالثلج والماء والبرد- مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فالجواب كما مر معنا في درس ماضي: أن ذلك قاله عليه الصلاة والسلام بيانا لكمال تعظيمه وإجلاله لله سبحانه وتعالى، ولكمال عبوديته لله سبحانه وتعالى. أو أراد بذلك عليه الصلاة والسلام تعليم أمته، وأن يقتدوا به في هذا الدعاء، فيدعون به. وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام قد غفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: ثم يقول: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد». وجاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقولها إذا رفع رأسه من ركوع، بعد أن يقول: «سمع الله لمن حمد، ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد». وجاء فيها: «أهل الثناء والمجد، حق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، وأنفع ذا الجد منك الجد». فكان النبي عليه الصلاة والسلام كذلك يدعو بهذا الدعاء، وهو دعاء فيه ثناء وحمد لله سبحانه وتعالى. «اللهم ربنا لك الحمد»، والحمد هو الثناء على المحمود مع المحبة والتعظيم، أي: فجميع المحامد لك. وفي الحمد الاستغراق، أي: جميع المحامد فهي لله سبحانه وتعالى، ويستحقها الله عز وجل. والله جل وعلا يحمد لكماله ولعظيم إنعامه. وتقديم الجار والمجرور لإفادة الحصر والتخصيص: «لك الحمد»، أي: أنت المختص بالحمد والثناء، وأنت المستحق كذلك للحمد والثناء. وهذا الحمد والثناء ملء السماء وملء الأرض، وهذا كذلك لبيان عظيم أو عظمة الله سبحانه وتعالى، وكمال الحمد والثناء له؛ بأنه جل وعلا له الحمد ملء السماء وملء الأرض. وهذا شيء لا يكاد يحصى لعظمة السماء، وهذا كذلك أيضا عظمة وكبر الأرض. وهكذا فوق ذلك ملء ما شئت من شيء بعد، أي: فلك الحمد حمدا مطلقا لا يعد ولا يحصى. وهذا فيه من كمال التعظيم لله سبحانه وتعالى، والثناء على الله عز وجل؛ بأنه جل وعلا يحمد حمدا كثيرا متكررا دائما، وحمدا عظيما ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء الله سبحانه وتعالى. إلهنا والله تعالى أعلم.