الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 65، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
المحور يتناول اسم الله الجميل كأحد أسماء الله الحسنى، ويستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام "إن الله جميل يحب الجمال". ومعنى هذا الاسم أن الله جميل في ذاته وأفعاله وأوصافه.
هذا المحور يشرح مراتب جمال الله على أربع مستويات: جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء، مما يدل على كمال الله وجلاله.
المحور يبين أهمية التعبد باسمه الجميل وتأثيره على سلوك المسلم، حيث يشجع على إظهار الجمال المحمود في التعامل والسلوك.
المحور الأخير يختم بالدعاء أن يجعلنا الله من عباده الصالحين ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مؤكداً على أهمية العبادة.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد فقد انتهينا من ذكر أسماء الله جل وعلا الحسن التي ذكرها الشيخ العلامة العثيمين رحمه الله في كتابه "القواعد المثل الواردة في القرآن"، ثم ذكر بعد ذلك رحمه الله أسماء حسنى لله جل وعلا ذكرت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فمن هذه الأسماء التي ذكرها رحمه الله تعالى، الواردة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، اسم الله جل وعلا الجميل. فالجميل اسم من أسماء الله جل وعلا الحسن، وقد ورد هذا الاسم في حديث عبد الله بن مسعود. وجاء عن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، في صحيح مسلم وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". فقال رجل: يا رسول الله، الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس". فدل هذا الحديث على أن الجميل اسم من أسماء الله جل وعلا الحسن، ثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة. ومعنى اسم الله جل وعلا الجميل، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته: "وهو الجميل على الحقيقة، كيف لا وجمال سائر هذه الأكوان من بعض آثار الجميل؟ فربها أولى وأجدر عند ذي العرفان". فجماله بالذات والأفعال والأوصاف، فجماله بالذات والأوصاف والأفعال والأسماء بالبرهان. لا شيء يشبه ذاته وصفاته، سبحانه عن إفك ذي بهتان. فبين الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أن اسم الله جل وعلا الجميل له وحده، فهو الجميل على الحقيقة. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك مراتب جمال الرب جل وعلا، فالله جل وعلا له مراتب في جماله. فمراتب وصف الجمال لله جل وعلا على أربع مراتب، وقد بين ذلك رحمه الله تعالى في كتابه "روضة المحبين"، وهكذا أشار إلى بعض هذا في "الجواب الكافي"، وهكذا في كتابه "الفوائد". فبين رحمه الله تعالى أن جمال الله جل وعلا على أربع مراتب: المرتبة الأولى له جمال الذات، ولذلك قال رحمه الله تعالى: "فجماله في الذاتي". أي أنه جل وعلا الجميل الذي له جمال الذات، فذاته جل وعلا موصوفة بالجمال المطلق. ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن قال: "فجماله في الذاتي"، قال: "والأوصاف". فإذا له الجمال في صفاته، فصفاته جل وعلا كلها صفات جلال، وكلها صفات جمال، وكلها صفات كمال. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك المرتبة الثالثة من مراتب الجمال الثابت لله جل وعلا، وهو الجمال في الأفعال. بعد أن قال: "فجماله في الذاتي"، قال: "والأوصاف"، قال: "والأفعال". أي أنه جل وعلا الجميل له الجمال في أفعاله، فأفعاله كلها جميلة؛ لأن أفعاله جل وعلا دائرة بين العدل والفضل. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك المرتبة الرابعة من مراتب وصف الجمال لله جل وعلا، وهو جمال الأسماء. بعد أن ذكر الأوصاف، ذكر الأفعال، ثم قال: "والأسماء". والأسماء بالبرهان، أي أنه جل وعلا له الجمال في أسمائه سبحانه وتعالى. ثم قال: "أسماءه كلها حسنى، وصفاته كلها عليا، وأفعاله كما تقدم بين البر والإحسان، وليس فيها شيء من العبث". قال: "وأما جمال الذات فذلك الذي لا يقدر قدره أحد إلا هو جل وعلا". فلا يعلم كيف جمال ذاته سبحانه وتعالى إلا هو سبحانه وتعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى كلامًا جميلًا في هذا، في ذكر كلامه على اسم الله الجميل. قال: "لو أن الخلق جميعًا كانوا على جمال رجل واحد، فإن ذلك مقارنة بجمال الله جل وعلا لا شيء". فهي نسبة ضعيفة، بل أضعف من نسبة السراج الضعيف إلى قرص الشمس. فالخلق مهما بلغوا من جمال، فإن ذلك الجمال ليس بشيء أمام جمال الله جل وعلا. كيف لا والجمال الذي أعطوه وأعطي هذا الخلق هذا الجمال، إنما هو من بعض آثار الجميل سبحانه وتعالى. ثم ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في سياق ذكره لاسم الله جل وعلا الجميل، أنه سبحانه وتعالى بلغ من جماله أن الناس لا يقدرون على رؤيته في الدنيا، وذلك لعظيم جماله. ومن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الجميل أن يظهر العبد الجمال. فحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إن الله جميل يحب الجمال". قال العلماء: تضمن قاعدتين: القاعدة الأولى المعرفة، والقاعدة الثانية السلوك. فمن مقتضى هذه المعرفة لله جل وعلا الجميل بأنه يحب الجمال، كان من مقتضى ذلك أن تظهر هذا الجمال، وتتعبد لله جل وعلا بإظهار هذا الجمال. فتظهر الجمال على جوارحك، وتجمل قلبك بالإخلاص، وتجمل قلبك بالتوكل عليه. والناس في هذا المقام طرفان ووسط. فمن الناس من دم الجمال مطلقًا، ومنهم من غلا في ذلك الباب وفرط. وأما الوسط فهم أهل الحق الذين فصلوا في هذا الباب. فالتجمل المحمود أن يكون لله جل وعلا، التجمل الذي يعين على طاعة الله سبحانه وتعالى، فهو تجمل محمود. والتجمل لإغاظة أعداء الإسلام فهو تجمل محمود. وأما التجمل الذي لأجل الترفع، وأما التجمل الذي يكون لأجل الدنيا، فهذا ليس بمحمود. وقد انتهى الوقت، وفي هذا المقام أيضًا كلام كثير، لكن حسبنا ما ذكر. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يعبده باسمه الجميل، وأن يجعلنا ممن جمل قلبه وأخلاقه وجوارحه لله سبحانه وتعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.