شرح الجوهرة الفريدة 84

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 84، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في وجوب النصيحة في الدين

النصيحة في الدين أمر عظيم وإرادة الخير للمنصوح، وهي فرض على كل أحد. وردت نصوص في كتاب الله وسنة رسوله تبين شأنها العظيم.

أهمية النصيحة وضوابطها

النصيحة واجب إسلامي عظيم يجب أن تُقدم بإخلاص وسرية وبأدب، وليس للتشفي أو التعيير. دعا الأنبياء أقوامهم إليها ويجب أن تُقدم بتواضع.

تطبيق النصيحة في الإسلام

النصيحة في الإسلام يجب أن تكون في انفراد وبإخلاص وفي الأوقات المناسبة. أهمها النصيحة لله بتحقيق التوحيد ولرسول الله بمتابعة سنته ولأئمة المسلمين وعامتهم.

ختام الدرس والدعاء

انتهى الوقت المخصص للدرس مع الإشارة إلى استكمال الموضوع لاحقاً. الدرس ختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 27 جمادى الأولى 1433هـ - 18/04/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد. قال مؤلف الكتاب، الشيخ العلامة حافظ الحكم رحمه الله تعالى، في كتابه "الجوهرة الفريدة" في باب وجوب النصيحة في الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ثم النصيحة قل فرض بكل معانيها هي الدين، فاعلم إذ هي العمود لله والرسل والقرآن، ثم ولاة الأمر، ثم عموم المسلمين. هدى والأمر بالمعروف مع علم به، وللعفو خذ أعرض عن الجهال يتأيد. كذلك النهي عن منكر ومورده قول، فسخطا إذا لم تستطعه يدو ذكر. رحمه الله تعالى في هذا الموضع من رسالته هذا الباب، وهو باب وجوب النصيحة في الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا شك أن النصيحة في الدين أمره عظيم شأنه عظيم، وهكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إن بعض أهل العلم عد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركنا سادسا من أركان الإسلام، وذلك لكثرة الأوامر فيه ولعظيم شأنه. فالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي قوام هذا الدين، فلا تستقيم الأديان إلا بالقيام بهذا الأمر العظيم، أمر النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والنصيحة هي إرادة الخير للمنصوح، كما قال الخطابي رحمه الله تعالى. فالناصح حين ينصح غيره يريد الخير، يريد الخير لذلك المنصوح. فالنصيحة إرادة الخير للمنصوح. قال رحمه الله: "ثم النصيحة قل فرض لكل معانيها هي الدين، فاعلم إذ هي العمود". أي أن النصيحة فرض على كل أحد لكل معانيها، لأن الدين النصيحة، كما جاء النبي عليه الصلاة والسلام في حديث تميم بن أوس الداري في صحيح الإمام مسلم رحمه الله. قال عليه الصلاة والسلام: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة". قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم". فالنصيحة شأنها عظيم، ولذلك جاءت النصوص في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام مبينة لشأن هذا الأمر العظيم، النصيحة في الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾. أي من تخلف عن الجهاد في سبيل الله جل وعلا لعدم استطاعته، لا حرج عليه، من الضعفاء والمرضى والذي لا يجد ما ينفق للجهاد، ويذهب به من المال وغير ذلك، لكن بشرط إذا نصحوا لله ورسوله. شطا يكون ناصحا لله ورسوله، فهذه الآية تبين شأن النصيحة لله ولرسوله، وأنها عظيمة، وأن العبد إذا عذر في أمر من الأمور، كالجهاد أو غيره من الأمور التي عذر بفعلها، عليه أن يكون ناصحا لله ورسوله، وأن يكون أولا صادقا في تخلفه، وأن يكون كذلك ناصحا لنفسه ولغيره. ومما يدل على شأن النصيحة في الدين ما ثبت في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، قال: "بايعت رسول الله عليه الصلاة والسلام على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم". فالنصيحة لكل مسلم مما بايع عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا يدل على شأن النصيحة، فالصحابة بايعوا رسول الله كما بايعوه على أن يقيموا الصلاة، وكما بايعوه على أن يؤدوا الزكاة، بايعوه كذلك على النصح لكل مسلم. وهذا يدل على شأن النصيحة. وهكذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام الوعيد الشديد في حق من لم يؤدي النصيحة، لما يدل على شأنها ومكانتها وفضل الإتيان بها وخطر التفريط فيها وإضاعتها. جاء في الصحيح من حديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه، في لفظ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ما من عبد يسترعيه الله رعية لم يحطها بنصحه، لم يحطها بنصح، إلا أدخله الله النار". إذا لم يحط هذه الرعية بالنصح، معناه فرط ولم يؤدي النصيحة، ولم يأت بالنصيحة، فمعناه أنه فرط تفريطا عظيما، فتوعد بهذا الوعيد الشديد أن يدخله الله جل وعلا النار. فدل على عظيم الاهتمام بأمر النصيحة والقيام بها، وخطر التضيع والتفريط في شأن النصيحة. وهكذا جاء النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه، كما في المسند وغيره، وحديث صحيح في خطبة النبي عليه الصلاة والسلام بالخيف بمنى، حين خطب الناس عليه الصلاة والسلام تلك الخطبة العظيمة. وكان مما تضمنت تلك الخطبة العظيمة الأمر بالنصيحة. فقال عليه الصلاة والسلام: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين". ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، يعني لا يخون. معناه الإتيان بهذه الخصال صلاح لقلب المرء المسلم، ولا يمكن مع قيام بهذه الأمور أن يكون هناك شيء من الخيانة في قلبه. فإن هذا من أعظم صلاح القلب وبعد الخيانة والغش، الإتيان بهذه الخصال الثلاث: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين. فكانت النصيحة من الأمور العظيمة التي تكون سببا لصلاح القلوب وعدم وجود الغش فيها والخيانة. وهذا يدل على مكانة النصيحة في الدين وعلى علو شأنها ومرتبتها. وهكذا المثبت عن نبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في حديث أبي هريرة في الصحيح أيضا، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "حق المسلم على المسلم ست". وذكر منها عليه الصلاة والسلام، فقال: "وإذا استنصحك فانصح له". إذا استنصحك فانصح له. إذا النصيحة للمسلم على أخيه المسلم حق، حق على أخيك المسلم عليك النصيحة. لا تقول ليس بواجب عليك أن تنصح، لا. حق لأخيك المسلم عليك أنه إذا استنصحك طلب منك النصيحة أن تنصحه، نصيحة في محلها، لا تغش في هذه النصيحة، أو تنصح له بما ليس فيه خير له. وتقول له افعل كذا أو افعل كذا وأنت تعلم أن هذا يضره وليس هذا مما ينفعه. إذا طلب منك النصيحة فاصدق في هذه النصيحة، انصحه بما هو فيه الخير له. اليوم نسأل الله العافية والسلامة، ربما يأتي أحد إلى أخيه المسلم ويطلب منه النصيحة في أمر زواج من أناس، من أهل البيت، عمل في مكان، في شركة، في دكان، في أي مكان. فيطلب منه النصيحة: هل يذهب؟ هل يتقدم؟ هل يعمل في هذا المكان أو لا؟ فتجد هذا عنده علم بأن هذا المكان أو هذا البيت ليس كما ينبغي، وغير ذلك. ومع هذا لا ينصح، النصيحة في محلها. هذا من الغش والعياذ بالله، وهذا من ضياع حق أخيك المسلم الذي أوجبه الله عليك حين استنصحك. وكان الواجب عليك أن تنصحه بما فيه الخير له، بما يوافق شرع الله. ليس تقول هذا أنفع له، أنا نصحته بما هو فيه نفع له. أشتغل في المكان الفلاني حارسا على بنك وهو ربوي، تقول: أنه عم يذهب المرتب مئة ألف، تقول نصحتها. وين نحص المئة ألف؟ أو اعمل في مكان تاجر في هذه التجارة، ويعلم أن هذه التجارة فيها ما فيها من التحايل أو من الغشة وغير ذلك. يقول: أنه صحته تاجر في هذه التجارة مربحة، والعمل في هذا الباب مربح. وهكذا فنصيحة لأجل الدنيا، لا بما يوافق الشرع. فهذا يدل على عظيم شأن النصيحة، وأن حقا للمسلم على أخيه المسلم. وما يدل كذلك على عظم النصيحة وشأنها ومكانتها ما ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة، فإمام مسلم رحمه الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم". فهذه الأمور يرضاها الله جل وعلا من عباده: عبادته سبحانه وتعالى وحده وعدم الشرك به، والاعتصام لكتابه جل وعلا وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام الذي هو حبله، كما قال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. والثالث: أن تناصحوا من ولاه الله أمركم. فهذه العلل ومكانة النصيحة في دين الإسلام. ولذلك إذا تأملت دعوات الأنبياء والرسل، دعوا إلى دعوا أقوامهم ونصحوا لهم. وهذا لنا على أن شأن النصيحة شأن عظيم، ليس في ديننا فقط، بل في كل الشرائع، شأن النصيحة ومكانة النصيحة عظيمة في كل الشرائع. ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم دعوات بعض الأنبياء التي صرح جل وعلا فيها بدعواته من النصح. "نبيه نوح عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:125-126]". وقال: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:62]. وقال عنه جل وعلا كذلك في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:34]. وقال الله جل وعلا عن نبيه هود عليه الصلاة والسلام: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:68]. وقال الله جل وعلا عن نبيه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:79]. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم عن نبيه شعيب عليه الصلاة والسلام: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف:93]. فهذا يبين لنا عظم شأن النصيحة، وأن الأنبياء بعثوا إلى أقوامهم وأممهم بهذا الأمر العظيم، وهو أمر النصيحة. وأفضلهم وأنصحهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، ونصح الأمة النصحة الكاملة، وترك الأمة على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فلذلك أمر النصيحة كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أمر عظيم. لكن النصيحة لها ضوابط ولها آداب يجب أن ترعى من قبل الناصح. فالنصيحة هي نصيحة كما تقدم، إرادة الخير للمنصوح. فأنت حين تنصح أخاك المسلم، ماذا تريد من نصحك؟ تريد الخير له، كما تقدم في قول الخطابي: "النصيحة إرادة الخير من الناصح للمنصوح له". فإذا كان كذلك، فعليك أن تنصحه في الموضع المناسب، أن يكون على انفراد. بعض الناس يظن نفسه ناصحا وهو فاضح، وهو معير. الصورة صورة نصيحة، والهيئة هيئة نصيحة، لكن في الحقيقة ليست كذلك. ربما أراد التشفي، أراد التعيير. نعم، وهذا خطير. لا يا عبد الله، إذا أردت أن تنصح فأنصح بضوابط النصيحة. ولعلكم تعلمون أبيات الإمام الشافعي رحمه الله، تلك الأبيات الطيبة في قوله: "تعمد نصحك لي في انفرادي، وجنبني النصيحة في الجماعة". إلى آخر الأبيات. يعني يقول الإمام الشافعي رحمه الله، وهو الإمام الشافعي: إذا أردت أن تنصحني، وهي كذلك، يعني ضابط عظيم منه رحمه الله، لكل من أراد أن ينصح، أن يتعمد أخاه في الانفراد. اذهب إليه، سل عليه، وقل له: عندي نصيحة، بكل أدب. لا تجعله يظن في نفسه أنك شامتا، حتى في هيئتك وفي كلامك. لا تقول: أنصحك، أنا أنصحك، ورأسك في السماء. أنا عندي نصيحة لك، وأنت هكذا. كيف يقبل منك؟ لا. لا تجعل رأسك هكذا حين تقول له: أنا عندي نصيحة. لا. هكذا لا. ما يصلح هذا. ما هي نصيحة. الهيئة ليست هيئة نصيحة. لا. وإنما في أدب، اجعل على نفسك التواضع له، عدم حتى يعلم أنك قبل أن تقبل نصيحتك، أنك حقا تريد النصيحة له. هيئتك تدل على ذلك، مشيك إليه يدل على ذلك. نعم، فإذا يقبل النصيحة، لأنه تأكد من خلال ما رأى منك، من كلامك، من مشيك، أنك فعلا تريد النصيحة، فيقبل منك النصيحة. أما تأتي يا فلان تنصح أمام الملأ وأمام الناس، هذه فضيحة وليست نصيحة. هذه فضيحة وليست نصيحة. ورحم الله الفضيل بن عياض، رحم الله تعالى، قال: "المؤمن ينصح ويستر، والمؤمن ينصح ويستر". والفاجر ينصح ويعير، أو يهتك ويعير. يهتك ويعير. فرق بين الصادق في نصيحته الذي هو المؤمن، إذا نصح ستر. ما يذهب عند الناس، والله أنا قد نصحت فلانا، أنا نصحت فلانا، أنا نصحت فلانا، من غير فائدة. نعم، ربما إذا قيل لك: لماذا لم تنصح؟ قل: نصحت. أما إفشاء من نفسك، وتبين للناس أنك قد نصحت فلانا بكذا وكذا، من غير دواعي لهذا، شيء داعي. هل يعلم الناس أنك ناصح؟ هل تريد هذا؟ هذا من الرياء. نعم، إذا كان هناك داعيا لبيان أنك قد نصحت، نعم. أما أن تقول للناس: أنا قد نصحت، قد نصحت، فهذا إنما هو فعل الفاجر، يريد أن يعير أصلا. كأنه يقول: يا ناس، عند فلان من فلان كذا وكذا، وأنا نصحته. فضحتها الآن. لا. المؤمن ينصح، ينصح ويستر. والمؤمن كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: يهتك ويعير، يعير ذلك المنصوح بما نصحه به. فإذا لا بد من هذه الضوابط في أمر النصيحة، أن تكون في محلها، أن تتخذ الأوقات التي من شأنها يقبل المنصوح النصيحة، أن تكون كذلك في الانفراد. وخاصة مع أولاة الأمر المسلمين، هذا أمر أخص. إذا كانت النصيحة عامة المسلمين، لا تكون أمام الناس، لأنها فضيحة. فأخص منها النصيحة لولي الأمر. ولذلك جاء التنصيص عليها، جاء التنصيص عليها، مع أن النصيحة يجب أن تكون مع كل مسلم، أن تكون في انفراد، الأصل لا عن طريق الفضيحة. لكن جاء التنصيص مع ولي الأمر المسلم للتنبه عليه ولتوكيده. وجاء في حديث عياض بن غنم رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: "من كانت عنده نصيحة لذي سلطان، فلا يبده علانية، من كانت عنده نصيحة لذي سلطان، فلا يبده علانية". ولكن فيما بينه وبينه، فإن قبل ذلك فالحمد لله، وإلا فقد أدى الذي عليه. فمعنى هذا أن من ضوابط النصيحة أن تكون في انفراد، وأن تكون بإخلاص. لأن النصيحة مأخوذة من نصح العسل، وهو إخلاصه من الشوائب وتصفيته مما شابه. وأنت حين تريد أن تنصح حقا المسلم، تريد أن تصفيه، تريد أن تصفيه مما شابه، مما فعل، مما يخالف شرع الله. فعلى معصية، فعلى كذا وكذا. فهذا يشوبه له أثر على قلبه، له الأثر على جوارحه، وهكذا. فأنت تنصحه تريد أن تخلصه، تريد أن تخلصه من عاقبة هذا الدم، ليسارع بالتوبة. فكان النصيحة لهذا الشأن العظيم. فقال رحمه الله تعالى: "ثم النصيحة قل فرض بكل معانيها هي الدين، فاعلم إذ هي العمد لله والرسل". النصيحة لله بتحقيق التوحيد لله جل وعلا. فأعظم النصيحة النصيحة لله، النصيحة لله جل وعلا. النصيحة لله بأن تخلص عبادتك من أن تكون لغيره جل وعلا، بإفراد سبحانه وتعالى وحده بالعبادة. قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين. فنصيحة لله بتحقيق التوحيد، تحقيق العبودية، بتعظيمه جل وعلا، تعظيم شرعه، بالإتيان بما فرض الله عز وجل عليك، بالإحسان في العبادة. وهذا شأنه عظيم. وابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه العظيم "شرح جامع العلوم والحكم" في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم، قد نقل عن بعض السلف شرح النصيحة لله، وهي من أفضل ما ذكر، من أفضل ما ذكر في معنى النصيحة لله جل وعلا. لأنه ذكر ما يتعلق بهذا، النصيحة لله، وأعظم ذلك تحقيق التوحيد، وغير ذلك. فليرجع لذلك، فهو مهم جدا. وهكذا النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى، بتعظيمه، بالعمل بما جاء فيه، بالتحاكم إليه، بتدريسه، بتعلمه، بكذا الدعوة إلى الله جل وعلا بما جاء في كتاب الله، بما يوافق ما جاء في هذا الكتاب العظيم، سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. كل ذلك من نصيحة لكتاب الله سبحانه وتعالى، تعظيم هذا الكتاب من الامتهان. لا تجعل عليه كتابا فوقه. بعض الناس لا تستهين بهذا الأمر، أظنه هينا. لا. حتى هذا من النصيحة لكتاب الله جل وعلا، أن لا تجعل فوقه شيئا، لا كتابا فوقه يعلوه، لا ثوبا، لا طعاما، لا شرابا، لا كوبا. حتى القلم لا تجعله فوق كتاب الله، هذا من تعظيم كتاب الله، ومن كذلك نصيحة لكتاب الله. وأما النصيحة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، أعظم هذه النصيحة بمتابعة النبي عليه الصلاة والسلام. من كان حقا قد أتى بالنصيحة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، هو الذي تابع، أن يكون قد تابع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وجعل رسول الله عليه الصلاة والسلام أسوته وقدوته. قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، الله غفور رحيم. لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. فبمتابعة النبي عليه الصلاة والسلام، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه زجر، ومحبة عليه الصلاة والسلام، ونشر سنته، والدعوة إلى سنته عليه الصلاة والسلام، ودع عظيم سنته، عظم سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في هيئتك، في ملبسك. نعم، لا تستهن بشيء، مدام أنه سنة. بعض الناس يقول: هذه سترة سهل، هذا أمر سهل. صلي ولو بعيدا، صلي إلى سترة، قال: هذه سنة. صليح سنة، لكن عظم هذه السنة. أنت عظم هذه السنة، مع أن الأدلة قد دلت على وجوبها. لكن على القول بأنها سنة، يعني ليس معنا أنه خلاص دائما وأنت ما شاء الله أكثر المرات وأنت تصلي بعيدا. طيب، حتى لو أنك ترى أنها سنة، طيب. دائما هكذا، يعني عندك التفريط والاستهانة بالسنة إلى هذا الحد. ما ترى إلا وأنت بعيدا دائما عن السترة. عظم سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أنت بصراحة لسانك تقول: سنة. طيب، إذا كانت سنة، سنة من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذن عظم هذه السنة، أحيي هذه السنة، لأنها ربما تكون مهجورة في بعض الأماكن، شبه مهجورة. فتعظم سنة وسلم من النصح لرسول الله عليه الصلاة والسلام، والدفاع عن سنته عليه الصلاة والسلام، والدعوة إليها. وهكذا النصيحة لأئمة المسلمين أو عامتهم... قد انتهى الوقت، إن شاء الله نواصل فيما يتعلق بهذا الباب في درسنا اللاحق. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.