الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 224، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تم شرح حديث رواه أبو أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل قول الحمد لله، حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر ملكا يبتدرون رفع الدعاء إلى الله. كما تم توضيح سند الحديث وشرح أحوال الرواة.
تم شرح حديث نبويا يتعلق بالدعاء بعد الرفع من الركوع، حيث قال رجل: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ورأى بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها، مما يدل على فضل هذا الدعاء واستحبابه.
تم الرد على شبهة أهل البدع بأن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لرجل قال كلمات غير معهودة عند الرفع من الركوع لا يعد دليلا على جواز ابتداع عبادات جديدة بعد وفاته، لأن الدين قد كمل بموته عليه الصلاة والسلام.
تم تأكيد استحباب الدعاء بقول "الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه" سواء في الصلاة أو خارجها، مع الإشارة إلى ورود روايات مختلفة لهذا الدعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأذب المفرد: حدثنا مسدد -وهم مسرهد أبو الحسن البصري وخليفة- وهم الخياط ابن خليفة من خياط العصفري الملقب بشباب، وهو صدوق ربما أخطأ، ولهذا لم يخرج له البخاري إلا مقرونا، وإذا روى عنه مفردا روى عنه في التعليق، أي علق حديثه، وهو ممن عنده علم بالأخبار. قال: حدثنا بشر بن المفضل، وهو ابن لاحق الرقاشي، أبو اسماعيل البصري، ثقة عابد فقيه، أو ثقة ثبت عابد. قال: حدثنا الجريري. والجريري في التقريب اثنان: عباس بن فروخ أبو محمد، وهو ثقة، والثاني سعيد بن إياس، أبو مسعود البصري، وهو ثقة إلا أنه اختلط قبل موته بثلاث سنين، وهو المراد بهذا السند. الجريري في هذا السند هو سعيد بن إياس؛ لأن من تلامذته والرواة عنه بشر بن المفضل. قال: عن أبي الورد -وهو أبو الورد بن ثمامة القشيري- قال الحافظ: فيه مقبول، يعني حديثه في الشواهد، وإذا انفرد فهو ضعيف. قال: عن أبي محمد الحضرمي، وأبو محمد الحضرمي اسمه أفلح، وهو غلام أبي أيوب الأنصاري، وهو ثقة، وبعض أهل العلم رماه بالجهالة، كإمام الذهبي رحمه الله، قال: لا يعرف. والحافظ في التقريب قال: إن كان أفلح وإلا فهو مجهول. قال: عن أبي أيوب الأنصاري، وهو خالد بن زيد بن كليب الصحابي الجليل، مشهور بكنيته أبو أيوب، قال: قال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله، الحمد لله، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. فقال النبي: «من صاحب الكلمة؟» فسكت، ورأى أنه هجم من النبي صلى الله عليه وسلم على شيء كرهه. فقال: «من هو؟» فلم يقل إلا صوابا. فقال رجل: أنا، أرجو بها الخير. فقال: «والذي نفسي بيده، رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون أيهم يرفعها إلى الله عز وجل». والحديث بهذا السند ضعيف، لكنه في الشواهد فقد جاء هذا الحديث من طرق كثيرة، فقد صح عند أبي داود والنسائي والترمذي من حديث رفاعة بن رافع، وجاء كذلك من حديث عامر بن ربيعة عند أبي داود، وفي سنده ضعف، ومن حديث عمر -أو من عمر- عند البزار، ومن حديث عمر عند الطبراني، وهي بمجموعها يكون الحديث صحيحا مع صحة سند حديث رفاعة بن رافع، إلا أنه جاء في حديث رفاعة أنه قاله في الصلاة، قاله في الصلاة بعد أن رفع من الركوع. وجاء في بعض الروايات أنه عطس فأتى بهذا الدعاء، وجمع الحافظ رحمه الله إلا أنه عطس بعد أن رفع من الركوع فأتى بهذا الدعاء. إلا أن قوله: «رأيت ثلاثة عشر ملكا»، المحفوظ -كما أشار الشيخ الألباني رحمه الله- أنها بضعة وثلاثون، أي بلفظ: بضعة وثلاثين ملكا، كما في حديث رفاعة. ففي هذا الحديث -كما سمعنا- أن رجلا قال عند النبي عليه الصلاة والسلام: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. وفي الروايات الأخرى أنه قالها بعد أن رفع رأسه من الركوع. ولهذا ذكره بعض أهل العلم في الأدعية المستحبة بعد الرفع من الركوع: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. ففيه حمد وثناء على الله سبحانه وتعالى، والحمد هو الثناء على الله عز وجل مع المحبة والتعظيم. فالحمد لله، وألفه للاستغراق، أي كل المحامد فهي لله. كل المحامد فهي لله سبحانه وتعالى. واللام في «لله» للاستحقاق أو الاختصاص، أي كل المحامد فهي مختصة بالله سبحانه وتعالى أو مستحقة لله. وهذا الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات قال: «من صاحب الكلمة؟» أي الذي قالها. قال: فسكت، وذلك ظن منه أنه سيعاتب. ولهذا قال: رأى أنه هجم من النبي صلى الله عليه وسلم على شيء كرهه. فقال: «من هو؟» فلم يقل إلا صوابا. أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يهون عليه وأن يعلم أنه ليس بغضبان، وأن ما قاله قولا صوابا، حتى يبين الذي قاله أو يتبين من قاله. فقال رجل: أنا، أرجو بها الخير. فقال عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، رأيت ثلاثة عشر ملكا يبتدرون». وفي الرواية الصحيحة: «بضعة وثلاثين ملكا يبتدرون»، أيهم يرفعها، أي يرفع هذه الكلمة. وتسابقوا -كما جاء في بعض الروايات الأخرى- يتسابقون إلى رفع هذه الكلمة. وفي هذا استحباب هذه الكلمات، وهي كذلك تستحب عند الرفع من الركوع. عند الرفع من الركوع: «سمع الله لمن حمده»، فتقول: «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه». فهو من أدعية الرفع من الركوع. وهذا الدعاء صار مستحبا بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام. فلو قال قائل: هذا الرجل أتى بهذا الدعاء من عنده وأراد كذلك به الخير، فقد يفعل الإنسان عبادة يتعبد بها الله سبحانه وتعالى وهو يريد الخير. وهذا النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ما فعل، إذن فيجوز الإنسان أن يفعل عبادة -سواء كان من دعاء أو نحوه- يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. والجواب أن هذه الكلمات صارت مشروعة بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم زمن التشريع، والنبي صلى الله عليه وسلم حي. فما كان صوابا أقره، وما كان باطلا أنكره. وأما بعد موته عليه الصلاة والسلام فقد ارتفع الوحي وكمل الدين: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا»، فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا. والشرع ما شرعه الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام. ومن فعل عبادة بعد ذلك -بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام- يتقرب بها إلى الله ويريد بها الخير ولم يفعلها عليه الصلاة والسلام فهي بدعة محدثة. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، «ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». إذن فليس في هذا الحديث شبهة أو دليل يستدل به أهل البدع على بدعهم. أن هذا الرجل أتى بهذه الكلمات أراد بها الخير فقره النبي عليه الصلاة والسلام. ونحن نأتي بتلك الموالد أو بتلك الأدعية أو بتلك الأذكار نريد بها الخير. فيقال: ذاك صار خيرا بإقرار النبي عليه الصلاة والسلام، أما بعد موته عليه الصلاة والسلام فالخير ما في هذا الدين. فالخير في هذا الدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. ففيه -كما سمعنا- استحباب هذا الدعاء، سواء كان في الصلاة أو في خارج الصلاة، أن تقول: «الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه». فتحمد الله سبحانه وتعالى وتثني عليه بهذا الدعاء الطيب. إلى هنا والله تعالى أعلم. في هذه الرواية في هذا الحديث جاء بهذا اللفظ: «الحمد لله». لكن لو جمعت -إن شاء الله- ما في بأس. وجاء بعض الروايات أيضا: «كما يحب ربنا ويرضى». في حديث رفاعة: «طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى».