الدرس في من فقه الدعوة 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تعد الدعوة إلى الله من أعظم الوظائف وأجلها وهي فرض كفاية يسقط الإثم عمن بقي إذا قام بها البعض، ويحث الشرع على المبادرة والمسارعة في هذا الميدان اقتداءً بالأنبياء والصالحين. وتترتب على الدعوة بركات عظيمة منها حفظ الله للداعي وشرح صدره وتيسير أمره وكفاية همه كما دل عليه دعاء موسى وحديث ابن عباس.
يؤكد المقطع على أهمية التعرف على الله في حال الرخاء ليحفظ العبد في الشدة مستشهداً بآيات التوكل والتقوى. كما يبين فضل الدعوة إلى الله بالحكمة والبصيرة وأن الداعي إلى الهدى له أجر مثل أجور تابعيه محذراً من دعاة الباطل والضلال.
يحذر النص من دعاة الضلالة الذين يتحملون أوزار من يتبعهم وينبه إلى خطورة الانخداع بهم حتى لو حسنوا الألفاظ وادعوا اتباع الكتاب والسنة. كما يفرق بين هداية التوفيق الإلهي وهداية الدلالة البشرية ويوصي الداعية بالصبر وعدم اليأس مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾.
تتمثل هداية الدلالة والإرشاد في بيان الحق والدعوة إليه والسير على الصراط المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه والدعوة إليه. وينبغي للمسلم إدراك هذه المعاني والتأمل فيها سائلين الله التوفيق لما يحب ويرضى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا إخواني في الله بعض الكلام حول ما يتعلق بالدعوة إلى الله عز وجل، وأهمية القيام بهذا الواجب العظيم الذي أوجبه ربنا تبارك وتعالى على هذه الأمة، وهو كما سبق أنه من فروض الكفايات التي متى ما قام بها البعض سقط الإثم والحرج عن الآخرين، ومتى أخلى به الجميع أثموا جميعاً، أثموا جميعاً. ومما ينبغي علينا أن ندركه أيضاً، وهو عبارة عن بعض الفوائد التي تتعلق بفقه الدعوة إلى الله عز وجل، وكذلك أيضاً من الأمور المعينة على نجاح هذا الداعي، وأن يكتب الله عز وجل لهذه الدعوة القبول في الأرض، فهناك بعض الأمور المهمة التي تتعلق بالدعوة، وهكذا أيضاً تتعلق بسلوك الدعاة إلى الله عز وجل. فمن ذلكم إخواني في الله، بعد أن مر بنا أن وظيفة الدعوة إلى الله عز وجل تعتبر من أعظم الوظائف وأشرفها، وذلك أنها وظيفة الأنبياء والمرسلين، وظيفة الصحابة والتابعين، هي وظيفة ومهمة أعلام هذه الأمة الذين جعلهم الله عز وجل مصابيحاً للظلم، وهكذا أيضاً أعلاماً للهدى. فمن الأمور التي ينبغي أن تراعى في هذا الباب: أولاً ما يتعلق بالمبادرة إلى الدعوة إلى الله عز وجل، وكذلك أيضاً المنافسة في هذا الميدان، المنافسة في هذا الميدان، وذلك إخواني في الله لمن كان له أو لمن كان عنده أهلية، وهكذا أيضاً عنده رغبة لتحصيل هذا الثواب وهذا الفضل العظيم الذي جعله الله عز وجل لمن سلك طريق الدعوة إلى الله عز وجل وقام بهذا الواجب العظيم كما أمر الله بذلك، كما أمر الله بذلك. فميدان الدعوة إلى الله عز وجل فسيح، ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، وأن يتسابق فيه المتسابقون، سواء من الرجال أو النساء، من الصغار أو الكبار. فربنا تبارك وتعالى قد قال في كتابه الكريم: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾، وقال عز وجل: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾، وهكذا قال سبحانه: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الآيات. والنبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم رحمه الله: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ»، وهكذا أيضاً جاء في حديث سهل بن سعد عند البخاري ومسلم رحمهما الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي يوم خيبر: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، خير لك من حمر النعم. والأدلة متكاثرة ومتظافرة في بيان أهمية المسارعة في هذا الباب العظيم من أبواب الخير، وهذا العمل الذي أعد الله عز وجل لمن سار أو لمن قام به الأجر العظيم عنده سبحانه وتعالى. وكذلك أيضاً من هذه الأمور التي ينبغي علينا أن نتفطن لها وأن ندركها ونعلمها: أن القيام بالدعوة إلى الله عز وجل يعتبر من الأمور والأعمال المباركة، فبركاتها عظيمة وكثيرة، منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو باطن، ومنها ما هو عاجل، ومنها ما هو آجل. ومن ذلكم إخواني في الله: أن الله عز وجل يتولى حفظ هذا الداعي، ويتولى أيضاً رعايته، ويتولى كذلك أيضاً حفظه في أهله وأولاده وماله. وكذلك أيضاً ربنا سبحانه وتعالى يشرح صدره ويسر له أمره، وكذلك أيضاً يكفيه همه ومؤنته. ولهذا لما أمر الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾، قال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ﴾ إلى آخر ما سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه تبارك وتعالى، وقد أجاب الله سبحانه هذا الدعاء من هذا الرسول الكريم وهذا النبي المكلم. ولهذا جاء في حديث ابن عباس الذي عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ» إلى آخر تلكم الكلمات المفيدات النافعات التي علم رسولنا صلى الله عليه وسلم ابن عباس إياها. ومن ذلكم أنه قال له: «تَعَرَّفْ عَلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، تَعَرَّفْ عَلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ». وهكذا أيضاً ربنا عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾، ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾، وهكذا الآيات في هذا الباب كثيرة وعظيمة، تدل على حفظ الله عز وجل، وأنه يكلأ هذا العبد برعايته وعنايته، وينصره فيما سلكه وفيما بادر إليه، وفيما بادر إليه. فمن دعا إلى الله عز وجل وتوكل على الله سبحانه وتعالى، كفاه الله عز وجل أمر دينه وأمر دنياه، وكذلك أيضاً أمر آخرته، أمر آخرته. وكذلك أيضاً من هذه الأمور التي ينبغي علينا أن نتفطن لها: وذلك أن الداعي إلى الله عز وجل إذا كان يدعو إلى الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة، يدعو إلى الحق وبالحق، يدعو إلى صراط مستقيم، فإن الله سبحانه وتعالى يجعل هذا الداعي مباركاً أينما كان، مباركاً أينما كان، فينفع به حيثما نزل وحيثما حل، ولا يأتي من ورائه إلا الخير، ولا يأتي من ورائه إلا الخير. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فنعم الرجل الذي يجعله ربنا تبارك وتعالى مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر. واحذر يا طالب العلم أن يأتي من قبلك تأتي المشاكل أو تأتي الفتن والقلاقل. احذر يا عبد الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال الله عز وجل عنه: ﴿ قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾، أي أنه عليه الصلاة والسلام يدعو إلى الله على بصيرة، وهكذا أيضاً أتباعه عليه الصلاة والسلام يدعون إلى الله سبحانه وتعالى على بصيرة، وكذلك أيضاً على علم. وكذلك أيضاً من هذه الأمور التي ينبغي علينا أن نتنبه لها: هو أن الدعاة على صنفين، دعاة إلى الخير، الدعاة على صنفين: دعاة إلى الخير ودعاة إلى الشر. فأما الصنف الأول فهم الذين يدعون الناس إلى الخير امتثالاً لقول الله عز وجل: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾، وأولئك هم المفلحون، أولئك هم المفلحون. هؤلاء الذين يدعون الناس على بصيرة، ويدعون بالحكمة والموعظة الحسنة، يدعون إلى الحق وبالحق. هؤلاء هم الأنبياء والمرسلون، هؤلاء هم أتباع الأنبياء وأتباع الرسل الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾، كانوا لنا عابدين. وهكذا يقول الله عز وجل فيهم: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾، ﴿ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾. وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»، لا ينقص من أمورهم أو من أجورهم شيئاً. وكذلك أيضاً جاء في مسلم من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»، مثل أجر فاعله. وأما الصنف الثاني فهم دعاة الباطل، الدعاة إلى البدع، الدعاة إلى الأهواء، وكذلك أيضاً الدعاة إلى الشرك والكفر وغير ذلك مما يخالف الصراط المستقيم الذي أمر ربنا سبحانه وتعالى بسلوكه، وكذلك أيضاً الدعوة إليه. ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى عن أولئك، من أولئك من آل فرعون: قال ربنا سبحانه: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾، ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ ﴾، ﴿ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ﴾، لا يُنصرون، ﴿ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ﴾ الآيات. وهكذا أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة الذي تقدم بعضه، وذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: «وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْوِزْرِ مِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً. وهكذا أيضاً ذكر النبي عليه الصلاة والسلام دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها، أولئك هم دعاة الباطل، أولئك هم دعاة الباطل. فعلى هذا ينبغي بل يجب على كل مسلم ومسلمة أن يحذر من أدعياء أو من دعاة الباطل، وإن حسنوا الألفاظ، ولو كذلك أيضاً أظهروا أنهم يتكلمون بالكتاب والسنة إلى غير ذلك، فإنهم يحملون في طياتهم وفي ثنايا كلامهم السم الزعاف لهذه الأمة، وكم ضل من الناس بسبب هؤلاء الدعاة الذين حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم، حذر النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وإلى الله عز وجل المشتكى من حال كثير من المسلمين اليوم. فيحسنون الظن في كل من تكلم في أمر الدين، لربما يظهر لهم على تلك القنوات وسائل الإعلام من يتكلم، ولربما يجادل ويناظر، سواء كان من دعاة الرفض أو من دعاة التصوف أو من دعاة كذلك أيضاً الحزبيات، سواء كان الظاهرة أو المغلفة إلى غير ذلك، فيرون أن فيما قال الحق، وفيما قال الهداية، ولا يميزون بين دعاة الحق وبين دعاة الباطل، وبين دعاة الباطل. بينما في أمور الدنيا تجد أنهم لربما كانوا أحرص من الصيرفي وأدق من صاحب الذهب، وهكذا غيرهم من أهل المهن الدقيقة. لربما إذا أراد أن يذهب إلى طبيب ذهب يبحث ويسأل ويختبر: كيف هذا الطبيب؟ ما مستواه العلمي؟ كيف آثاره ونتائجه؟ هل استفاد الناس منه أو لا؟ مع أن جميع الأطباء لهم عيادات، وهكذا أيضاً درسوا من الطب، وهكذا لديهم سماعات ولديهم أجهزة وفحص ونحو ذلك. لكن ماذا في أمور الدنيا؟ الناس يدققون جيداً. أما في أمور الآخرة وفي أمور الدين، لو قام صوفي يدعو إلى البدع ويدعو إلى القبور، وكذلك أيضاً التقرب إلى أصحابها، لربما خفي ذلك على بعض الناس. وهكذا دعاة الرفض الذين يتنقصون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا أيضاً يطعنون في ديننا من غير ما وجه وباب. وهكذا غيرهم من دعاة الباطل، لربما انخدع بهم كثير من الناس. دينك يا عبد الله أغلى من مالك، وأغلى من نفسك التي بين جنبيك. أغلى ما تملك هو دينك، فينبغي بل يجب أن تكون أحرص ما تكون عليه، وألا يصيبك فيه شيء يغير ذلكم الخير الذي وفقك الله إليه، وكذلك أيضاً هداك الله سبحانه وتعالى إليه. فهذا مما ينبغي التنبه له غاية التنبه، غاية التنبه. ومن عايش الناس وسمع منهم رأى تأثر كثير منهم بأولئك من أدعياء الباطل، كعمرو خالد مثلاً، أو القرضاوي، أو الزنداني، أو غيرهم من هؤلاء الذين هم أصبحوا اليوم من دعاة الباطل، وكذلك أيضاً جانب الصواب والحق في ذلك، والحق في ذلك. وهكذا أيضاً من الأمور التي ينبغي على الداعي لله عز وجل أن يتنبه لها: هو أن الهداية على نوعين: هداية إلهام وتوفيق، وهداية دلالة وإرشاد. فأما هداية الإلهام والتوفيق فهذه إنما تكون من الله عز وجل، ولا يملكها إلا الله عز وجل، فهي كالرزق، وهكذا أيضاً كالأجل، لها أجل معلوم. فالله عز وجل متى ما أراد هداية هذا العبد هداه، هداه. ولهذا صحابة رضي الله تعالى عنهم منهم من كان سباقاً من الأولين إلى الإسلام كأبي بكر وعلي وعثمان وطلحة والزبير وسعد وغيرهم من هؤلاء السابقين الأولين، ومنهم من لم يسلم إلا بعد بضع سنين، إلا بعد بضع سنين، ومنهم من لم يسلم إلا بعد فتح مكة. لهذا أخي رعاك الله لا تعجل على الناس، ولا تيأس من هدايتهم، أدعهم اليوم وادعهم في الغد، فإن لم يستجيبوا لك فاستمر في دعوتهم، ولو إلى العام الذي بعده، وهكذا الذي بعده. فأنت على خير، وأنت في خير، ﴿ وَإِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾. وأما هداية الدلالة وكذلك الإرشاد فهي ببيان الحق والدعوة إليه، وإلى الصراط المستقيم الذي أمرنا بسلوكه وأمرنا كذلك أيضاً بالدعوة إليه. فهذه بعض الأمور التي ينبغي علينا أن ندركها وأن نتأملها وأن نتنبه لها. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.