من فقه الدعوة 9

الدرس في من فقه الدعوة 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الزهد في الدنيا سبب لنجاح الداعية

يوضح المقطع أن الزهد في الدنيا وعدم الاغترار بزخارفها من أهم أسباب نجاح الداعية، مستنداً إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية تحذر من غرور الحياة الدنيا. ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف على أمته من التنافس في الدنيا كما هلك من قبلهم.

تحذير النبي من الاغترار بالدنيا وزهده فيها

حذر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين من الاغترار بزخرف الدنيا وشهواتها، مبيناً حقارتها بمثل التيس الميت وجناح البعوضة. وعاش زاهداً قانعاً باليسير ونصح بأن يكون المسلم في الدنيا كغريب أو عابر سبيل مستعداً للآخرة.

خطر الاغترار بالدنيا على طلبة العلم والدعاة

يبيّن المقطع أن الدنيا دار ابتلاء تتقلب فيها أحوال الإنسان، ويؤكد السلف على الزهد فيها والاهتمام بعمارة الآخرة. ويحذر من انشغال طالب العلم والداعية بزخارف الدنيا عن واجب الدعوة وطلب العلم.

الختام والدعاء بالخاتمة

يختتم المتحدث بالدعاء مستعيذاً بعزة الله أن يُغتال من تحت أرجله، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وأصحابه والتابعين. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا زلنا إخواني في الله مع هذه المجالس وهذه المواضيع المتعلقة بالدعوة إلى الله عز وجل، والأسباب المعينة في نجاح الداعي إلى الله عز وجل في دعوته، وأن يكتب الله عز وجل لها القبول في الأرض. ومن هذه الأسباب التي تعين على نجاح الداعي إلى الله عز وجل، وهي كذلك أيضاً من الأمور التي لا بد أن تتوفر في من سلك طريق الدعوة إلى الله عز وجل، ما يتعلق بالزهد في الدنيا وعدم الاغترار بها، وبزخارفها ولذاتها وشهواتها. ولو نظر الناظر في آيات القرآن لوجد أن الله عز وجل قد حذر عباده عموماً من مغبة الاغترار بهذه الدنيا، والميل إلى زخارفها وشهواتها. ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. هذا نداء من رب العالمين تبارك وتعالى لجميع الناس، كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً، أغنياء وفقراء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. وكذلك يقول عز وجل: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾. وهكذا أيضاً ربنا عز وجل ضرب لهذه الدنيا أمثلة، وهذه الأمثلة تدل على سرعة زوال هذه الدنيا وعدم استمرارها، وأنه لا ينبغي لمؤمن أن يركن إليها، وأن يعتمد على نعم، وأن لا يعتمد على البقاء فيها. فمهما عمر لا بد أنه سيرحل، ومهما أعطي من الأموال ومتاع هذه الدنيا لا بد أنه سيذهب ويترك هذا الذي أعطي. ولهذا يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾. فأصبح هشيماً أي متكسراً يابساً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً. وكذلك يقول ربنا عز وجل في ذم هذه الدنيا، وضرب الأمثلة الدالة على سرعة زوالها وفنائها وعدم بقائها وخلودها: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. لقوم يتفكرون. وهكذا أيضاً لو نظر ناظر في سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، إمام الدعاة وقدوة المؤمنين، الذي قال ربنا عز وجل فيه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. لو نظر ناظر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لوجد أن أحاديث كثيرة يحذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك من الاغترار بزخارف هذه الدنيا، والميل إلى شهواتها ولذاتها. ومن ذلكم إخواني في الله ما جاء في الصحيحين من حديث عمر بن عوف رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها. قال: فجاء أبو عبيدة بمال كثير، فسمعت الأنصار بمقدم أبي عبيدة بمال من البحرين، فوافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح. فلما صلى انصرف عليه الصلاة والسلام، فتعرض له هؤلاء الأنصار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تبسط عليكم كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم». وهكذا أيضاً جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وجلسنا حوله، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها». وهكذا جاء في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». وهكذا أيضاً من أحاديثه عليه الصلاة والسلام التي يبين فيها دناءة هذه الدنيا وخصتها وحقارتها، ما جاء في صحيح مسلم رحمه الله من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق، والناس كنفتيه أي على جانبيه. قال: فمر بجدي ميت أسك، ومعنى أسك أي قصير الأذن. فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه، ثم قال لأصحابه: «أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟» قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: «ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟» فقال عليه الصلاة والسلام: «أتحبون أنه لكم؟» أي مجاناً وبدون مقابل. أتحبون أنه لكم؟ فقال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: «والله لو كان حياً لكان عيباً أنه أسك». لو كان هذا الجدي التيس الصغير الذي هو صغير الأذن حياً لما رضي الواحد أن يكون له، لماذا؟ لأنه معيب، فكيف وهو قد أصبح ميتاً؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». فهذا كذلك أيضاً إخواني في الله مما يدل على تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الإيمان من الاغترار بهذه الدنيا، والميل إلى لذاتها وشهواتها وزخرفها. وهكذا أيضاً جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟» يقول ابن آدم: «يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأبقيت؟». وهكذا أيضاً إخواني في الله، حاله عليه الصلاة والسلام كان من أبعد الناس عن شهوات هذه الدنيا، وعن الاغترار بزخرفها، وكذلك أيضاً بلذاتها وغير ذلك. فقد كان عليه الصلاة والسلام يعيش حياة الزهد، ويعيش حياة الصبر. ولهذا كم مرة كان عليه الصلاة والسلام يربط الحجر والحجرين، وكم مرة كان عليه الصلاة والسلام يخرجه من بيته الجوع، وما كان يخرجه غير ذلك عليه الصلاة والسلام. فكان يلقى أبا بكر ويلقى عمر، وقد كان قد أخرجهم الذي أخرجه عليه الصلاة والسلام. ومع هذا كان عليه الصلاة والسلام القدوة الحسنة والأسوة الطيبة لكل مؤمن ومؤمنة. وهكذا من باب أولى لكل داع إلى الله عز وجل، ولكل آمر بالمعروف وناه عن المنكر. ولهذا جاء عند الإمام الترمذي رحمه الله من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: نام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه. فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً، أي تنام عليه فلا يؤثر في جنبك، وكذلك أيضاً يكون أريح لك عند النوم. قال ابن مسعود: فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاءً تنام عليه. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم قام وتركها». هذا حاله عليه الصلاة والسلام مع هذه الدنيا، مع هذه الدنيا بجميع ما فيها من اللذات والشهوات والزخارف. قال: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم قام وتركها». ثم قام وتركها. وهكذا أيضاً إخواني في الله مما يدل على زهده عليه الصلاة والسلام، وعلى أنه كان من أبعد الناس عن الاغترار بهذه الدنيا، تلكم التربية العظيمة التي ربى عليها أصحابه رضي الله تعالى عنهم. فهو الذي كان يقول لابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وقد استفاد ابن عمر من هذه الموعظة ومن هذه النصيحة العظيمة، فكان يقول بعد ذلك: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك». النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كما عند الإمام الترمذي أيضاً وغيره من حديث جماعة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، منهم ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم، كان يقول عليه الصلاة والسلام: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء». لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، جناح بعوضة، وما البعوضة حتى يكون لجناحها قيمة ووزنة؟ قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء». وقد صحح هذا الحديث العلامة الألباني رحمه الله تعالى بمجموع طرقه، كما في سلسلته الصحيحة، كما في السلسلة الصحيحة. وهكذا أيضاً إخواني في الله، الناظر في حال هذه الدنيا يجد أنها قد عيبت وذمت بسبب سرعة فنائها وزوالها، وهكذا تغير أحوالها وتقلبها. فهذا الإنسان لا يستقر فيها على حال. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «دوام الحال من المحال». العبد في هذه الدنيا يتقلب بين صحة ومرض، وبين فرح وحزن، وهكذا بين غنى وفقر، وغير ذلك من هذه الأحوال التي تمر على هذا الإنسان. ولهذا قال جبريل عليه السلام لنبينا صلى الله عليه وسلم: «عش ما شئت يا محمد، فإنك ميت. وأحبب من شئت، فإنك مفارقه. واعمل ما شئت، فإنك مجزي به». فإنك مجزي به. فهذا يدل كذلك أيضاً على سرعة تغير أحوال هذه الدنيا وتقلبها. ولهذا قال بعض أهل العلم: «ثمانية لا بد أن تجري على الفتى، ولا بد أن تجري عليه الثمانية: سرور وبؤس، واجتماع وفرقة، وحياة وموت، ومرض وعافية». هذه ثمانية أمور وثمانية أشياء لا بد أن تمر بهذا الإنسان وأن يتقلب فيها. قال: «ثمانية لا بد أن تمر على الفتى، ولا بد أن تجري عليه الثمانية: سرور وبؤس، واجتماع وفرقة، وحياة وموت، وسرور وعافية، وسرور وعافية». كان السلف رحمة الله عليهم قد استفادوا من آيات القرآن وأحاديث السنة، استفادوا أهمية الزهد في هذه الدنيا، والاهتمام بعمارة الآخرة. الدنيا زائلة والآخرة باقية. ﴿كَلَّا بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. أو: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. الدنيا زائلة، وأما الآخرة فهي التي ينبغي أن يتسابق فيها المتسابقون، وأن يتنافس عليها المتنافسون. ولهذا قال أيوب بن أبي تميمة السختياني: قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة». إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة. وهكذا كان الشافعي رحمه الله تعالى يقول لصاحبه وتلميذه الربيع رحمه الله تعالى، يقول له: «ازهد في الدنيا، فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على صدر المرأة الناهد». فإن الزهد على الزاهد أحسن من الحلي على صدر المرأة الناهد. وهذا يدل على عظيم اهتمامهم بأمور الآخرة، وعدم انشغالهم بأمور هذه الدنيا. كان الواحد منهم لربما لا يملك قوت يومه وليلته، لربما لا يملك متاعاً في بيته. ذكروا عن الإمام مالك بن دينار رحمه الله تعالى ذكروا عنه أن لصاً دخل عليه البيت، فظل اللص يبحث وينظر ويريد شيئاً يأخذه، فلم يجد شيئاً يصلح لأن يسرق ويأخذ. فناداه مالك بن دينار: «يا أيها الرجل، أما وجدت شيئاً من أمور الدنيا تأخذه؟» قال: لا. قال: «فهل لك أن تأخذ شيئاً من أمور الآخرة؟» قال: بلى. قال: «فتوضأ وصل ركعتين». توضأ الرجل وصلى ركعتين. ثم جلس مالك قليلاً، ثم خرج إلى المسجد. فخرج الرجل. فقيل لمالك: ما هذا الرجل؟ قال: «هذا جاء ليسرقنا فسرقناه». هذا جاء ليسرقنا ويأخذ ما تيسر من المتاع والأموال. قال: «جاء ليسرقنا فسرقناه». خرج من بيته وهو من الصلحاء الأخيار. فإخواني في الله، إن الداعي إلى الله عز وجل من أعظم الأمور التي تهدده، ولا سيما في هذه الأزمنة، في هذه السنوات المتأخرة، هذه الدنيا. فكم اغتر طالب علم بزخرف هذه الدنيا، وكم مال وابتعد دعاة إلى الله عز وجل بسبب الدنيا، فانشغلوا عن الدعوة وعن طلب العلم، وذهبوا يجمعون هذه الدنيا، ذهبوا يجمعون هذه الدنيا، ذهبوا وراء الدنانير، ذهبوا وراء التجارات، ذهبوا وراء غير ذلك من هذا المتاع الفاني الزائل. وليس محرماً أن يعمل الشخص في الدينار والدرهم، أو أن يبني الدار، أو يعمر المزرعة، أو يتزوج النساء، أو يداعب الأولاد. لكن الشأن كل الشأن أن لا يشغل كذلك عن هذا الخير الذي وفقك الله له، والذي آتاك الله إياه. احذر يا طالب العلم، احذر، فإن الطريق أمامك، وكذلك أيضاً مستقبلك الحقيقي في عمارة الآخرة، والاهتمام بجمع العلوم وتحصيل الفوائد، وهكذا الدعوة إلى الله عز وجل، وإنقاذ الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله عز وجل. فلهذا إخواني في الله، كان ينبغي على كل مسلم ومسلمة، ولا سيما طلبة العلم وطالباته، ولا سيما كل من انشغل بواجب ووظيفة الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعم لا بد أن يحذر كل الحذر من خطورة هذه الدنيا وتزينها له. وقد كان شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى من أشد الناس تحذيراً من هذه الدنيا، ومن الاغترار بزخارفها ولذاتها، لما رأى رحمه الله تعالى من أنها قد تخطفت كثيراً من طلاب العلم، وممن قد تهيأوا للقيام بهذا الواجب العظيم، واجب الدعوة إلى الله عز وجل. ولهذا ما أكثر ما كان يتمثل بقول القائل: «لما امتلأ أفقدنا نفعه وتلك من شيمة بيت الخلى نغدو إليه إذا ما غدا فارغاً وما به نفع إذا ما امتلأ» قال رحمه الله تعالى في هذه الأبيات: «لما امتلأ أفقدنا نفعه». سنوات يطلب العلم ويجمع الفوائد، حتى إذا أصبح مبرزاً وأصبح يستطيع التعليم والتدريس والدعوة، قال: «أفقدنا نفعه». ترك طريق العلم وترك الدعوة إلى الله عز وجل. قال: «وتلك من شيمة بيت الخلى». هذه صفة الحمام، إذا امتلأ لا يدخله أحد. قال: «نغدو إليه إذا غدا فارغاً». إذا كان صافياً ونظيفاً. قال: «وما به نفع إذا ما امتلأ». وما به نفع إذا ما امتلأ. فنسأل الله عز وجل بمنه وفضله وإحسانه أن يحفظنا جميعاً من الاغترار بهذه الدنيا، والميل إلى شهواتها ولذاتها على حساب ديننا وآخرتنا. نسأله سبحانه أن يحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ومن تحت أرجلنا. ونعوذ بعزته أن نغتال من تحت أرجلنا. إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.