من فقه الدعوة 7

الدرس في من فقه الدعوة 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية القدوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وابتلاء الدعاة

يؤكد المقطع على ضرورة أن يكون الداعي قدوة في فعله لقوله مستدلاً بآيات قرآنية وحديث نبوي يحذر من مخالفة العمل للقول. كما يبين أن طريق الدعوة ملازم للابتلاء مستعرضاً قصة نوح عليه السلام الذي مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

صبر الأنبياء على أذى أقوامهم في الدعوة

يستعرض المقطع نماذج من صبر الأنبياء عليهم السلام في دعوة أقوامهم رغم التكذيب والأذى مثل نوح وإبراهيم وموسى وكيف نصرهم الله. ويختتم بموقف النبي صلى الله عليه وسلم مع ذي الخويصرة واستشهاده بصبر موسى.

ابتلاء النبي ﷺ والصبر على الأذى في الدعوة

يستعرض المقطع نماذج من الابتلاءات التي تعرض لها النبي محمد ﷺ في مكة والطائف مثل تكذيب قريش ورميهم له بالألقاب الباطلة وإيذاء أبي جهل وصبره على ذلك كله. ويؤكد أن الابتلاء سنة إلهية في الأنبياء والدعاة مستشهداً بسير العلماء داعياً إلى الصبر وعدم الجزع.

الخاتمة والصلاة على النبي ﷺ

يختتم المتحدث المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ويختم بالحمد لله رب العالمين خاتماً المجلس العلمي بالدعاء والتسليم.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فتقدم معنا إخواني في الله في مجلس سابق ما يتعلق بأجوب وأهمية القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن الله عز وجل أوجب ذلك، فقال سبحانه: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. لكن علينا إخواني في الله أن نتنبه لبعض الأمور التي تتعلق بهذا الواجب العظيم. من هذه الأمور ننبه على أمرين: الأمر الأول: وهو أنه ينبغي على من دعا إلى الله عز وجل فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون قدوة في ذلك. فإذا أمر بالمعروف ينبغي عليه أن يكون سباقا إلى ذلك المعروف الذي أمر به، وهكذا إنكار المنكر ينبغي أن يكون من أبعد الناس عن ذلك المنكر. ولهذا يقول ربنا جل في علاه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾. وهكذا يقول ربنا جل في علاه: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾. وفي الصحيحين عن أبي زيد أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَتُلْقَى أَقْتَابُ بَطْنِهِ - أَيْ تَخْرُجُ أَمْعَاؤُهُ - فَيَدُورُ حَوْلَهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، أَمَا كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ». وهذا إخواني في الله فيه بيان لخطورة هذا الأمر، وأن الشخص تخالف أفعاله أقواله. ولهذا أحسن من قال: يا واعظَ الناسِ قد أصبحتَ متهماً ... إذا عبتَ على الناسِ أموراً أنتَ تأتيها. ومضى معنا سابقا أيضا أن من الأمور المعينة على نجاح الدعوة وتقبل الناس لدعوة هذا الداعي أن يكون صالحا في نفسه، وهكذا أيضا أن يكون قوله موافقا لعمله، إلى غير ذلك مما يعتبر سببا عظيما لنجاح الدعوة وهكذا قبول الناس لها. أمر آخر: وهو أنه قد تقدم الإشارة إلى فضل القيام بالدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن القيام بهذا الواجب العظيم هو من أسباب فضل هذه الأمة أو فضيلة هذه الأمة على غيرها من الأمم. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾. فهذا طريق عظيم، وهذا عمل شريف لا يوفق إليه إلا من شاء الله من خلقه، فهو وظيفة الأنبياء والمرسلين، كذلك وظيفة الصحابة والتابعين، هو وظيفة الدعاة المصلحين الذين جعلهم الله عز وجل أئمة للهدى ومصابيح للدجى في كل زمان ومكان. لكن اعلم أخي رعاك الله أن هذا الطريق ليس مفروشا بالورود والرياحين، وإنما قد يعتري الداعي إلى الله والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنواعا من الابتلاء وأنواعا من المصائب، وما ذاك إلا لأن الله عز وجل قد كتب الابتلاء على خلقه. ولهذا يقول الله جل في علاه: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾. وجاء عند أصحاب السنن من حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ». والحديث الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين لشيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. وإذا علمنا ذلك فينبغي على من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، من سار في طريق الدعوة إلى الله عز وجل، إذا أوذي وإذا ابتلي فليتأسَ بمن سبقه من الأنبياء والمرسلين، وهكذا من الصحابة والتابعين، وهكذا من جاء بعدهم من أئمة الإسلام. ولهذا نحب في هذا المقام أن نتذاكر بعض تلكم النماذج والأمثلة العظيمة من قصص هؤلاء الأنبياء والرسل ومواقفهم مع أقوامهم. فمن هذه النماذج والأمثلة إخواني في الله: أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ألا وهو نوح عليه الصلاة والسلام. وقصته مع قومه معلومة ومشهورة، وقد ذكرت في غير ما سورة. فقد أخبر الله عز وجل عن نوح أنه مكث يدعو قومه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، نعم، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وفي مقدمة ذلك أنه كان يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك وعبادة الأصنام. أخبر ربنا عز وجل أنه مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. ألف سنة إلا خمسين عاما. كيف كان مكثه فيهم؟ كان عليه الصلاة والسلام جادا ومجتهدا في دعوة قومه، يدعوهم ليلا ونهارا، سرا وجهارا. ولهذا ذكر ربنا سبحانه وتعالى ذلك عنه كما في سورة نوح، قال سبحانه: ﴿ قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾ إلى آخر هذه الموعظة البليغة التي وعظ بها وذكر بها نوح عليه الصلاة والسلام قومه. ماذا كانت النتيجة؟ نتيجة هذه الدعوة كلها أنه ما آمن بنوح إلا قليل، بل ابنه الذي هو من صلبه لم يتبع أباه هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. ﴿ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾. وكذلك زوجته، فقد جعلها ربنا سبحانه وتعالى مثلا، وأنها لم تستجب لزوجها نوح عليه الصلاة والسلام، فقيل لها: ﴿ ادْخُلِي النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾. وكذلك أيضا إخواني في الله من هذه النماذج والأمثلة العظيمة ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى عن خليله ونبيه ورسوله إبراهيم عليه الصلاة والسلام. إبراهيم دعا قومه وناظر قومه وحاج قومه في عبادة الأصنام، وبين لهم أن عبادة هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تملك لنفسها فضلا عن غيرها ضراً ولا نفعاً، أنها عبادة باطلة، وأن العبادة الحق إنما هي لله سبحانه وتعالى. ماذا كانت النتيجة وماذا كان جواب قومه؟ تآمر عليه القوم ومنهم أبوه آزر، فقد تآمروا على إبراهيم وأوقدوا النيران وعزموا أن يلقوا بإبراهيم في هذه النار، مع أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما دعاهم إلا لكي ينقذهم من النار ويخرجهم من نار تلظى لا يصلاها إلا الأشقى. ومع هذا قاموا وألقوا بإبراهيم عليه الصلاة والسلام في هذه النار، لكن الله عز وجل الذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، الله عز وجل الذي يتولى أولياءه فيدافع عنهم وينصرهم، فإنه جعل هذه النار التي تشتعل وتلتهب، جعلها ربنا سبحانه وتعالى بردا وسلاما على إبراهيم. لتعلم أخي في الله أن الله عز وجل يحفظ أولياءه، وهكذا أيضا ينصرهم، إن لم يكن في الحياة الدنيا فيوم يقوم الأشهاد. وكذلك أيضا إخواني في الله من هذه النماذج العظيمة ما ذكره ربنا سبحانه وتعالى عن كليم الرحمن الذي كلمه ربه تكليما، ألا وهو موسى عليه الصلاة والسلام. موسى أولا مع عدو الله فرعون لاقى ما لاقى، مع أنه جاء فرعون بالآيات والمعجزات البينات الظاهرات، لكن فرعون طغى وتجبر وعاند، فقال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ﴾. فلاقى موسى ما لاقى من فرعون، ومن آخر ذلك أن فرعون ومن معه عزم على قتل موسى ومن معه، فأوحى الله عز وجل إلى موسى أن يسري بعباده. وهكذا مشى موسى عليه الصلاة والسلام وفرعون ومن معه خلفه حتى انتهى بهم الأمر إلى البحر. فلما رأى من مع موسى البحر أمامهم والعدو من ورائهم قالوا: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾. قال موسى الواثق بربه وبنصره ووعده: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. فأوحى الله عز وجل إلى موسى أن ﴿ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ﴾ فانفلق، فكان كل فرق ﴿ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾. جعل الله عز وجل في وسط هذا البحر طريقا يبسا لموسى ومن معه، آية من آيات الله عز وجل. مشى موسى وأتبعهم فرعون، فكان في ذلك نجاة لموسى ومن معه من المؤمنين، وكان في ذلك إغراقا وهلاكا لفرعون ومن معه من الكافرين. ولهذا لما أدرك الغرق فرعون قال: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾، لكن ما نفعه ذلك. ثم بعد ذلك موسى لقي من قومه بني إسرائيل ما لقي من أذية وتعنت وعناد. نعم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ﴾. وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، تقدم ما في الصحيحين من حديث ابن مسعود في أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم غنائم حنين فأعطى بعض أشراف العرب من المؤلفة قلوبهم، أعطاهم مئة من الإبل وشيئا من الفضة إلى غير ذلك، قام وانبرى ذو الخويصرة التميمي فقال مقولته الآثمة الشنيعة: «إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ»، وهكذا: «يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ». قال ابن مسعود: فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فغضب حتى رأيت أثر الغضب في وجهه، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». وكانت النتيجة هو أن الله عز وجل رفع ذكره وأعلى منزلته عليه الصلاة والسلام، ونعم فاز وأفلح من اتبعه وسار على طريقه، وخاب وخسر من عاند وخالف طريقة المرسلين. ومن هذه النماذج أيضا إخواني في الله نبينا عليه الصلاة والسلام الذي ختم الله به الرسالة والنبوة، وآتاه من الفضائل والخصائص والمزايا ما لم يؤت أحدا من العالمين، آتاه الله عز وجل الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى إلى غير ذلك. ومع هذا انظروا إخواني في الله إلى سيرته عليه الصلاة والسلام منذ أن قام يدعو إلى أن توفاه الله عز وجل. ونبينا عليه الصلاة والسلام يعاني، ونبينا عليه الصلاة والسلام يلقى أنواعا من الأذى وأنواعا من الشدائد. فكان في أول دعوته يدعو الناس فيأمرهم أن يقولوا لا إله إلا الله فيفلحوا، فيمشي خلفه عمه أبو لهب عبد العزة بن عبد المطلب فيقول: لا تصدقوه فإنه كاذب، إلى غير ذلك. وهكذا أيضا في مكة كان يرمى بأبشع وأقبح الألقاب، فثارة يقال له ساحر، وأخرى يقال له كاهن، وثالثة يقال له شاعر، وهكذا أيضا قيل فيه مجنون، فبرأه الله عز وجل مما قالوا. وكذلك أيضا لما خرج إلى الطائف داعيا لهم، ومنقذا لهم من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة الله عز وجل، من الظلمات إلى النور، من ضيق وجور الأديان إلى سعة الإسلام. نعم، عاندوا، وهكذا سلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم حتى أدموا قدميه الشريفتين عليه الصلاة والسلام، فلم يستفق إلا وهو بقرن الثعالب. ومع هذا انظروا إخواني في الله، لقيه جبريل ومعه ملك الجبال، فقال جبريل: «يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ هَذَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَإِنَّهُ مَرْسُولٌ مِنْ رَبِّكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ يُطَبِّقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ فَعَلَ». فاتكلم ملك الجبال وقال ما قال، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وكذلك أيضا من هذه المواقف التي كان يتعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة قال رضي الله عنه: خرج أبو جهل عليه من الله ما يستحق على قومه وهم في ناديهم حول الكعبة، فقال: هل يعفر محمد وجهه بالتراب بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعزة، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه بالتراب. قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وصلى عند البيت، فلما سجد تقدم أبو جهل زعم أنه يطأ على رقبته أو أنه يعفر وجهه بالتراب، قال: فما فجأهم إلا وهو يرجع القهقرى ويقي بيديه. فقال له أصحابه: ما لك؟ أين الشجاعة؟ أين البطولة؟ أين الكلام القوي الذي كنت تقوله؟ ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقة من نار وأهوالا وأجنحة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا عُضْوًا عُضْوًا». وكان هذا سبب نزول قول الله عز وجل: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾. وقد ذكر هذا أيضا شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه الصحيح المسند من أسباب النزول. والنماذج والأمثلة العظيمة من سيرته عليه الصلاة والسلام كثيرة وعظيمة، سواء خلال السنوات الثلاث عشر التي قضاها بمكة، أو العشر سنوات التي قضاها بعد هجرته من مكة إلى المدينة، وكيف قاتله قومه، وكيف تحزب الأحزاب عليه وعلى من معه من المسلمين، وكيف صبر على أذية المنافقين، وهكذا شدة وغلظة الأعراب، إلى غير ذلك. هذا كله إخواني في الله يعتبر دروسا عظيمة ومهمة لطالب العلم وللعالم، ولكل من دعا إلى الله عز وجل وسلك طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أتظن يا عبد الله بعد أن سمعت بعض ما لاقى أنبياء ورسل - أنبياء ورسل - نعم ممن اصطفاهم الله عز وجل وما لاقوا من أذية، أتظن بعد هذا أنك تستقيم وتطلب العلم وتدعو إلى الله عز وجل ثم يمسح الناس على قدميك؟ ولربما ماذا أطلق عليك الألقاب الحسنة، وهكذا أشار إليك بالبنان؟ نعم أيها الإخوة في الله، سنة الله عز وجل في خلقه الابتلاء، فلا تجزع إذا قيل لك متشدد، أو قيل لك مثلا حزبي، أو قيل لك مثلا مبتدع، أو قيل لك مثلا إرهابي، أو أصولي، أو غير ذلك. فلك سلف في من مضى من الأنبياء والرسل، وكذلك أيضا أئمة الهدى الذين سبقوك. وكذلك أيضا سيرة علمائنا أئمة هذه الدعوة المباركة من الماضين، وكذلك المعاصرين من أمثال ابن باز والألباني والعثيمين والوادعي، وهكذا غيرهم من الأئمة الأعلام، حياتهم وسيرهم مليئة بالمواقف التي تدل على شدة الابتلاء الذي لاقوه في دعوتهم الناس إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.