من فقه الدعوة 6

الدرس في من فقه الدعوة 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدعوة إلى الله

يؤكد المحور على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كواجب كفائي وسبب للفلاح، مستنداً إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين مراتب التغيير ومسؤولية الولاة والأفراد. ويُظهر أن هذا الواجب يُعد ركيزة أساسية في بناء المجتمع الصالح.

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطه

يشرح المحور ثلاث مراتب للتغيير: باليد لأصحاب الولاية، وباللسان للعلماء والدعاة، وبالقلب وهي أضعف الإيمان، مع اشتراط العلم بالحكم والرفق والعدل في التطبيق. ويحذر من التغيير العشوائي الذي قد يضر أكثر مما ينفع.

فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعواقب تركه

يبين المحور أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة الأنبياء والصالحين، وأن من يسلك هذا الطريق يلحقه الأذى والابتلاء كما ابتُلي الرسل. ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل السفينة ليوضح أن ترك المنكر يهلك المجتمع بينما الأخذ على يد الظالمين ينجي الجميع.

وجوب منع الظالم ونصرة المظلوم

يدعو المحور المسلمين إلى أخذ يد الظالم ومنعه من التمادي في ظلمه وفساده، ويختتم بالدعاء لله أن يجعلهم من المستمعين للقول المتبعين لأحسنه مع الصلاة والسلام على النبي محمد. ويؤكد أن نصرة المظلوم واجب شرعي لا يسقط.

  • 22 جمادى الأولى 1432هـ - 25/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فسبق معنا إخواني في الله فيما يتعلق بالمباحث والمواضيع المتعلقة بالدعوة إلى الله عز وجل، والصفات العظيمة التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي إلى الله عز وجل، وهي تعتبر سبباً عظيماً في نجاح دعوته. وتكلمنا في آخر مجلس حول ما يتعلق بأهمية التواضع، وكون الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يتحلى أولاً وقبل كل شيء بهذا الخلق العظيم وهذه الصفة الحميدة، فيتواضع أولاً لله عز وجل، ثم كذلك أيضاً يتواضع للحق الذي يدعو إليه، ولربما خفي عليه وكان مع خصمه ومخالفه، فينبغي قبول ذلك الحق ولو كان ممن هو أقل منه علماً أو أصغر منه سناً أو غير ذلك. وهكذا أيضاً التواضع لخلق الله عز وجل، فربنا سبحانه وتعالى قد أدب نبيه عليه الصلاة والسلام بهذا، فقال: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، وقال: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. وفي هذا المقام نحب أن نتذاكر مقاماً آخر، وموضوعاً آخر من المواضيع المتعلقة بالدعوة إلى الله عز وجل. هذا الموضوع هو حول أهمية القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فربنا سبحانه وتعالى قد قال في كتابه الكريم آمراً لعباده المؤمنين، قال سبحانه: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. هذه الآية إخواني في الله، أمر ربنا سبحانه وتعالى عباده بالدعوة إلى الخير، والدعوة إلى الخير هي بيان الحق للناس وإيضاح الطريق للناس، وهكذا دعوة الناس إلى طرق الخير وسبل السلام التي توصلهم إلى مرضاة الله عز وجل، ومن ثم يكونون سبباً لنيل ذلكم النعيم المقيم عند الله عز وجل. ومن الدعوة إلى الخير الأمر بالمعروف، الأمر بالمعروف الذي هو الدلالة على الخير، وهكذا النهي عن المنكر الذي هو المنع من الشر، النهي عن المنكر الذي معناه النهي والمنع من الشر. ثم بين ربنا سبحانه وتعالى أن القيام بهذا الواجب العظيم يعتبر سبباً عظيماً من أسباب الفوز وأسباب الفلاح، فقال عز وجل: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال أهل العلم يعتبر من فروض الكفايات، إذا قام به البعض سقط الحرج وسقط الإثم عن الآخرين، وإذا لم يقم به الجميع أثموا جميعاً. فواجب على كل مسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر على حسب ما يستطيع. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما عند الإمام الترمذي رحمه الله تعالى من حديث أبي عبد الله حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ». وقد حسن هذا الحديث العلامة الألباني رحمه الله كما في صحيح سنن الترمذي. وهكذا جاء عن الإمام وسيد التابعين الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: « مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، وإلا سلط الله عليكم شراركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم ». ومعنى ذلك أي أن غيركم يتعظ بكم لما يحل بكم من غضب الله ولعنته بسبب التفريط في هذا الواجب وعدم القيام به. وجاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ». وهذا الحديث فيه إضافة إلى ما تقدم من وجوب القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيه بيان لمراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن أول هذه المراتب وأعلاها هو التغيير باليد، وهذا غالباً ينصرف في حق ولاة أمور المسلمين من الحكام والأمراء والقضاء، فهؤلاء ممن ولاه الله عز وجل أمر المسلمين، قل كبرت هذه الإمارة أم صغرت، فماذا يستطيع الواحد منهم بما آتاه الله عز وجل من سلطان أن يغير بيده؟ وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ ». فانتشار الربا والزنا يستطيع الحاكم أن يمنع من ذلك، وهذا واجب عليه. انتشار بيع الخمور، وهكذا أيضاً مشاهد الشرك والبدع التي تقام في الزيارات البدعية والشركية، هذا مما يستطيع الحاكم أن يمنعه، وواجب عليه أن يمنع من ذلك. وهكذا قل يا عبد الله في جميع المنكرات التي عمت وطمت في بلاد المسلمين، واجب على ولاة الأمور أن يقوموا بإزالة ذلك والمنع من ممارسة وانتشار ذلكم الشر. وهكذا أيضاً الأب في بيته يعتبر مسؤولاً عن رعيته، فيستطيع الأب أن يغير بيده. لربما يخرج الأب من بيته وأولاده نائمون والساعة ساعة صلاة، فلا يوقظهم، هذا لا يجوز، وإنما يجب عليه أن يغير ذلك بيده. بعض الآباء هدانا الله وإياهم، لربما ابتلي بأن يأتي بالتلفاز إلى بيته، لربما اشتراه بنقوده، ولربما أتى به حاملاً له على ظهره من السوق إلى البيت، فيخرج لربما إلى الصلاة وأولاده عاكفون عند شاشات التلفاز شاهدون الأفلام الخليعة والأغاني الماجنة والمباريات الملهية وغير ذلك، هذا واجب عليه أن يغير ذلكم المنكر بيده. هكذا أيضاً بعض الآباء لربما يرى ابنته تخرج من بيته وهي متعطرة، وهكذا تلبس الضيق أو الشفاف أو عليها مظاهر الزينة، ثم لا يتحرك له ساكن ولا يغير ذلكم المنكر، هذا يجب عليه أن يغير ذلكم المنكر بيده. وهكذا الأخ الأكبر في بيته له ولاية ومسؤولية على إخوانه الذين هم أصغر منه. نشاهد من ذلك إخواني في الله أن هذه المرتبة الأولى من مراتب التغيير تكون باليد. وأما ما يصنعه بعض الناس، لربما يجعلون مثلاً لهم هيئة أو مثلاً جماعة ويسمون أنفسهم بجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم يذهبون ويغيرون الكثير من ذلك باليد، فلا يرجعون في ذلك إلى ولاة أمور المسلمين، هذا في كثير من الأحيان لربما ضر أكثر مما نفع، وضر أكثر مما نفع، ونعم يستحق أن يقال فيه كما قال الأول: « أراد نفعاً فضر من غير قصده، ومن البر ما يكون عقوقاً ». وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه: « وكم من مريد للخير لا يدركه ». لكن هذا يرجع فيه إلى أولي الأمور وبتوجيهات أهل العلم، فيتولى ذلكم العمل بالنجاح والخير كما هو حاصل في أرض الحرمين ونجد، فقد نفع الله بذلك نفعاً كثيراً. المرتبة الثانية إخواني في الله هي فيما يتعلق بالتغيير باللسان، فمن لم يستطع أن يغير بيده ينتقل إلى المرتبة الثانية وهي مرتبة التغيير باللسان، وهذه يستطيعها جل الناس وأكثر الناس، ولا سيما العلماء والدعاة إلى الله عز وجل وطلبة العلم والمصلحون في كل زمان ومكان، فيبينون الخير للناس ويحذرونهم من الشر. فأنت أخي رعاك الله لا تبخل على نفسك، وهكذا أيضاً على إخوانك، من أن تتوجه بهذه النصائح والتوجيهات لكل من تراه مخلاً بواجب أو مرتكبا لمنكر، فمر بالمعروف وانهَ عن المنكر. والمرتبة الثالثة وهي فيمن لم يستطع لا هذا ولا هذا، أنه يغير بقلبه وينكر بقلبه، وهذا قد بين نبينا عليه الصلاة والسلام أنها أضعف الإيمان، أنها أضعف الإيمان. ومعنى ذلك إخواني في الله أن العبد يبغض ذلك بقلبه وينكر ذلك الأمر الذي هو من المنكرات بقلبه، ولا يجوز له أن يبقى مع أهل المنكر، وإنما إذا لم يستجيبوا أو لا زالوا مرتكبين لذلك المنكر، فماذا؟ فينصرف ويترك ذلك المجلس، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾، فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. أيضاً إخواني في الله مما ينبغي علينا أن نعلمه أن من سلك طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي عليه أن يحقق أموراً مهمة في نفسه، وذلك أن يكون عالماً بما يأمر به، عالماً بما ينهى عنه، وإلا كيف سيأمر الشخص بالمعروف وهو لا يعلم أن هذا من المعروف؟ اليوم كثير من الناس أو بعض الناس لربما جعلوا أنفسهم دعاة إلى البدع، ولربما دعاة إلى بعض الأمور الشركية، كمن يدعو الناس إلى الزيارات التي تقام عند المقابر وأضرحة الموتى، ويحصل في ذلك ما لا تحمد عقباه من دعاء غير الله عز وجل وطواف حول القبور وتمسح بها، ولربما ذبح، إلى غير ذلك كما لا يخفى على الجميع. وهذا لربما أراد الخير بذلك، وهذا يدل على أهمية العلم بالمعروف والخير الذي سيدعو إليه، وأن هذا مما يحبه الله عز وجل ويرضاه. وهكذا بالنسبة للمنكر، بعض الناس قد لا يفرق بين بعض المنكرات وبعض المباحات، فلربما نهى الناس عن بعض المباحات، أو لربما نهى الناس عن بعض الطاعات وهو يظن أنها من المنكر. الأمر الثاني: وهو أن يكون في أمره ونهيه رفيقاً، يسلك مسلك الرفق والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: « مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ ». فيرفق الشخص إذا أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، فكونه يسلك مسلك الرفق هذا أدعى إلى قبول ما يأمر به، وهكذا إلى ترك ما ينهى عنه. الأمر الثالث: وهو أن يكون عدلاً في ذلك، عدلاً في ذلك. وقد جاء عن الإمام الجليل أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى أنه قال: « لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من اتصف بثلاث صفات: عالماً بما يأمر به، عالماً بما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، عدلاً فيما يأمر به، عدلاً فيما ينهى عنه ». لهذا إخواني في الله، المسلم الموفق هو الذي يأمر بالمعروف بالمعروف، وينهى عن المنكر بلا منكر، وينهى عن المنكر بلا منكر. أنت إذا رأيت شخصاً لربما مثلاً يفعل شيئاً من هذه المنكرات، فأتيت وشنعت عليه في القول: يا سفيه، يا فاسق، يا إلى غير ذلك، لربما أدى ذلك إلى أن يتمادى في ظلمه، وأن يتمادى في معصيته، فلربما سبك، ولربما سب ملتك، ولربما تمادى الحال ببعضهم فجعل يسب الرب أو غير ذلك. ولهذا ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾. ولهذا من القواعد العلمية التي عليها أهل العلم أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهكذا دفعوا أشد الضررين بأخفهما، وهكذا أيضاً درء أشد المفسدتين بأخفهما. وأيضاً مما ينبغي علينا إخواني في الله أن نعلم أن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا يعتبر من أعظم الأعمال ومن أشرف الوظائف. أتدري لماذا يا عبد الله؟ لأنها وظيفة الأنبياء والمرسلين، وظيفة الصحابة والتابعين، وظيفة أئمة الهدى ومصابيح الدجى في كل زمان ومكان، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وكل من عمل بذلك وسار في ذلكم الطريق ناله من ذلكم الشرف بحسب عمله وبحسب فعله. لكن لا تظن يا عبد الله أن هذا الطريق مفروش بالورود والرياحين، وأنه لا يعتري من سلكه الأذى والبلاء، ولربما ابتلي في نفسه أو في عرضه أو في أهله. أنبياء ورسل عليهم الصلاة والسلام ابتلوا في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل وفي سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يخفى علينا، وقد سبق الإشارة إلى شيء من ذلك، ما تعرض له نوح في دعوته ألف عام أو ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك ما آمن معه إلا نفر قليل، زوجته وابنه ما آمنوا به ولا اتبعوه. نعم، وهذا يدل على ما كان عليه نبي الله وأول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض من ابتلاء في سبيل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهكذا موسى عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام في يوم حنين، لما قال ذلكم ذو الخويصرة التميمي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم، قال: يا محمد اعدل، فإنك لم تعدل. وفي رواية: « إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ». فقبض النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: « يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر، يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ». فأنت أخي رعاك الله تظن أنك تسير في طريق الدعوة إلى الله فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا يصيبك شيء من الأذى والبلاء؟ هذه سنة كونية وأمر كتبه الله عز وجل أن من سلك ذلكم الطريق أنه قد يؤذى وقد يبتلى، قد يقال لك متشدد، وقد يقال لك مثلاً كذا، يعني غير ذلك من هذه الألقاب التي يتعامل بها ويطلقها بعض الناس هدانا الله وإياهم على كل من سلك طريق الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأخيراً إخواني في الله، فمن الأمور التي ينبغي أن نتنبه لها هو أن عدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هذا يعتبر سبباً عظيماً لهلاك الأفراد والمجتمعات، سبب لهلاك الأفراد والمجتمعات. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾. وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعاً وهو يقول: « وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلَ هَاتَيْنِ »، وحلق بين أصابعه الإبهام والتي تليها. قالت: يا رسول الله، أنا نهلك وفينا الصالحون؟ أي فينا من يصلي، فينا من يصوم، فينا من يحج، إلى غير ذلك. قال: « نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ ». وهكذا جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه، قال نبينا عليه الصلاة والسلام: « مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَكَانَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا ». هذا مثل عظيم يضربه نبينا عليه الصلاة والسلام في هذا المجتمع، وأن الناس في هذا المجتمع كمثل هؤلاء القوم الذين كانوا على مثل سفينة، فجعلوا بينهم قرعة، فكانت القرعة انتهت بأن يكون بعضهم أعلى السفينة وبعضهم أسفلها. فمثل النبي صلى الله عليه وسلم القائم بحدود الله، الصالح المصلح الذي يفعل الخيرات، بمن كان أعلى السفينة، ومثل أهل الفساد وأصحاب المعاصي بمن كان أسفل السفينة. قال: « فَكَانَ الَّذِينَ هُمْ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْتَقُوا صَعِدُوا إِلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا ». ما في داعي نطلع وننزل ونزعج القوم، لربما نائمين، لربما كذا، لماذا؟ وهذا أسفل السفينة من نصيبنا، لماذا لا نخرق فيه خرقاً ثم نستقي مباشرة؟ قال عليه الصلاة والسلام: « فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا وَهَلَكُوا جَمِيعًا، هَلَكَ الَّذِينَ هُمْ أَسْفَلُ وَهَلَكَ مَعَهُمُ الَّذِينَ هُمْ أَعْلَى، غَرِقَتِ السَّفِينَةُ، وَإِذَا أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ». إذا منع أهل الصلاح أهل الفساد من مزاولة الشر والتمادي في المحرمات، نجا المجتمع وسلم المجتمع. وإن ترك كل شخص يفعل ما بدا له وما شاء أن يفعل: زنا، لواط، شرب خمور، لعب قمار، ربا، غير ذلك، وإذا أمر أو نهي قال: أنا حر. لا، لست حراً يا عبد الله، أنت عبد لله عز وجل، ولست حراً في أن تكون سبباً في هلاك المجتمع بأسره: رجال، نساء، شيوخ، صغار، إلى غير ذلك. فينبغي على أهل الإسلام أن يأخذوا على يدي الظالم، ولا يجعلوه يتمادى في منكره وفي فساده. نسأل الله عز وجل بمنه وفضله وإحسانه أن يجعلنا جميعاً ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.