الدرس في مجالس الذكر - مدرسة الصيام، وكانت يوم الجمعة 22 شعبان 1430هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبرز الخطيب عظيم أجر مجالس العلم وحلق القرآن في المساجد مستدلاً بالآيات والأحاديث الدالة على نزول السكينة والرحمة وحفوف الملائكة. ويؤكد أن تعلم آية واحدة خير من الدنيا وما فيها، محذراً من إضاعة الأوقات في غير طاعة الله.
يحث المقطع على المبادرة بطلب العلم وتعلم القرآن في كل الأعمار مستشهداً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعال الصحابة. ويبين فضل الجلوس في المسجد منتظراً الصلاة حيث تصلي الملائكة على العبد وتكتب له الدرجات.
يستعرض المقطع فضائل رمضان من فتح أبواب الجنة وتصفيد الشياطين، ويوضح فرضية الصيام ومراحل تشريعه. ويؤكد مكانة الصيام كعبادة لا عدل لها وباب الريان المخصص للصائمين في الجنة.
يوضح المقطع مكانة الصوم الخاصة عند الله في الحديث القدسي حيث تكفل بأجره، وكونه جنة ووقاية من النار مع آداب الصائم من ترك الرفث ومقابلة الإساءة بالحلم. ويبين أن رمضان مدرسة للأخلاق مبشراً الصائمين بفرحتين: فرحة الفطر وفرحة لقاء الله، وأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
أولا بعد، فإن أفضل الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنا نبتدئ كل ذي بدء، وقبل كل شيء نحمد الله عز وجل الذي أنعم علينا بهذه النعم الكثيرة والعظيمة التي لا تعد ولا تحصى. وصدق الله إذ يقول: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53]. ما أعظم، أيها الإخوة في الله، أن يتذكر العبد عظيم نعمة الله عز وجل عليه، وعظيم فضل الله سبحانه وتعالى عليه، فإن هذا يدعوه دائما وأبدا أن يقوم بشكر هذه النعم، وأن يقابلها بالحمد والثناء والشكر الجزيل لله عز وجل الذي هو المنعم بها والمتفضل بها على خلقه وعلى عبيده. وهكذا أيضا يدعوه دائما وأبدا إلى أن يستعملها في طاعة الله عز وجل وفيما يقربه من ربه سبحانه، فتكون حجة له لا حجة عليه بين يدي الله عز وجل. واعلموا يا رحمكم الله أن من نعمة الله على خلقه، ومن فضله العظيم الذي تفضل به على من شاء من خلقه وعبيده، ما يسره من هذا الخير، من مثل هذه المجالس وهذه الحلق التي تقام في بيوت الله عز وجل. هذه المجالس التي يذكر فيها اسم الله كثيرا، هذه المجالس التي يصلى فيها على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرا. هذه المجالس يا عباد الله التي هي مجالس قال الله، قال رسوله صلى الله عليه وسلم: هي مجالس الحلال والحرام، هي مجالس العلم النافع الذي ينبغي أن يتبعه العمل الصالح. هذه المجالس يا عباد الله إنها من أعظم الأعمال، ومن أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد من ربه عز وجل، فإن من أعظم ما فنيت فيه الأعمار واستغلت فيه الأوقات هو أن يتعلم العبد ما ينفعه من أمور دينه ودنياه. العلم النافع يا عباد الله الذي يتحصل عليه العبد في مجالس العلم وفي حلق الذكر، هذا أمر يا عباد الله كثيرا ما رغبنا ربنا عز وجل فيه. فمن ذلكم أيها الأحبة في الله قوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11]. وقال ربنا عز وجل: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، قال ابن عباس وغيره: أي بالعلم. وقال سبحانه: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 76]. بل لو نظرت يا عبد الله إلى ما في كتاب الله عز وجل لرأيت أن الله سبحانه وتعالى لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل ويطلب الزيادة من شيء إلا من هذا العلم، إلا من هذا العلم، كما في قوله جل في علاه: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾، مع أنه أعلم الناس، مع أنه أتقى الناس لله عز وجل، ومع هذا ربنا جل في علاه يأمره عليه الصلاة والسلام أن يسأل الزيادة من هذا العلم. وهذا يجعل عندنا يا عباد الله همة عظيمة، همة عظيمة في تحصيل هذا العلم وتلقي هذا العلم، وأن لا يكون عند الواحد منا زهد أو قلة وصغر همة في طلب العلم. فيهتم الواحد منا بتعلم القرآن وتعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرا ما يفضّل مجالس العلم وعلى حلق الذكر. فمن ذلكم إخواني في الله ما جاء عند الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». هذه المزايا يا عبد الله وهذه الفضائل والمناقب لا تجدها في غير هذه المجالس، وفي غير هذه البقع التي هي أحب البقاع إلى الله عز وجل، ألا وهي المساجد. السكينة تتنزل على الحاضرين، وهكذا الرحمة تعم الحاضرين والرحمة من الله عز وجل، وهكذا يا عباد الله الملائكة تحفوا أهل هذه المجالس بأجنحتها، وهذا فيه حفاظ وفيه رعاية لأهل هذه المجالس. وأعظم من هذا كله أيضا يا عباد الله أن الله عز وجل يذكرك فيمن عنده، أن الله عز وجل يذكرك فيمن عنده. ومن هذه الأحاديث أيضا يا عباد الله ما جاء عند الإمام مسلم أيضا من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، قال: خرج نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما لأصحابه، وأصحابه هم أهل الصفة الذين هم فقراء الإسلام، الذين ليس لهم بيت إلا المسجد. خرج عليهم النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم فقال لهم: «أيكم يحب أن يغدو إلى العقيق أو إلى بطحان؟» وهذان موضعان قريبان من المدينة. قال: «أيكم يحب أن يغدو إلى العقيق أو إلى بطحان فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم؟» ومعنى قوله: «ناقتين كوماوين» أي عظيمتي السنام الذي يكون على ظهرها، وكلما كان السنام عظيما كلما كانت الناقة نفيسة، وكلما كانت ثمينة وغالية عند أهلها. قال: «فيأتي بناقتين كوماوين من غير إثم ولا قطيعة رحم». قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: «كلنا يحب ذلك يا رسول الله، كلنا يحب ذلك يا رسول الله». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آية فهي خير له من ناقة، وآيتان خير له من ناقتين، وثلاث آيات خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل». انظر يا عبد الله كم ضيع المسلمون من أجور عظيمة، كم أضاعوا من خير عظيم، حلق القرآن بين أيديهم وبين أظهرهم وفي أوقاتهم، وبعض الناس للأسف الشديد ليس عنده همة في أن يأخذ له مصحف ويتعلم آية أو آيتين أو ثلاث أو أربع. لربما قضى الساعات الطوال لا يمل الحديث إما في أمور الدنيا، وإما في أمور البحر، وإما في أمور الأسواق والثياب والمأكل والمشرب. وحينما يقال له: يا عبد الله خذ لك مصحفاً وأجرخ مع إخوانك يتدارسون القرآن، قال: لا لا لا لا، أنا عندي مشوار، أنا مشغول، أنا إلى غير ذلك من هذه المعاذير التي قد يلقيها بعض الناس للأسف الشديد. يا عباد الله هذا يعتبر حرمانا، وهذا يعتبر تضييعا لخير عظيم، والله سيسأل عليه هذا العبد، وسيتأسف في يوم لا ينفع فيه الأسف ولا تنفع عنده الحسرات، بل يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم: «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له نزلا من الجنة كلما غدا أو راح». كلما غدا أو راح أيضا يا عباد الله. إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ يحث على مجالس العلم وعلى حلق الذكر، حلق القرآن، جعل الخير كل الخير، وجعل الخيرية والأفضلية في من يتعلم القرآن. فإذا أكرمه الله عز وجل بهذا العلم والتعليم، قام ينفع غيره من المسلمين. جاء في البخاري من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». بل جاء عند أصحاب السنن أيضا من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». وهذا قد اختلف العلماء في رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي وقفه على ابن مسعود، فقد رجح بعض الحفاظ وقفه على ابن مسعود، منهم شيخنا الإمام أبو عبد الرحمن الوادعي رحمه الله تعالى، ورجح جماعة من أهل الحديث أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. وانظر يا عبد الله إلى هذا الأجر العظيم، حرف واحد يقرأه العبد من القرآن له به عشر حسنات، والله عز وجل يضاعف لمن يشاء. فكيف لو قرأ هذا العبد صفحة واحدة؟ كيف لو قرأ جزءا من الأجزاء؟ كيف لو ختم المصحف كله؟ كم سينال من الأجور وكم سينال من الثواب؟ وأيضا وأيضا مما ينبغي أن يتنبه له العبد أن هذا لا كما يظنه بعض الناس، لا فيما من كبار السن أنه خاص بالأولاد الصغار أو بالإخوة الشباب. فلما يقال له: يا فلان لماذا لا تحضر وتتعلم القرآن وتتعلم السنة، تتعلم العقيدة الصحيحة، تتعلم فرائض شعائر الإسلام، يستحي بعضهم ويستنكف البعض الآخر ويقول: هذه للأولاد الصغار. لا يا عباد الله، إن هذا العلم ليس محصورا في فئة من الفئات، ليس خاصا بالأولاد الصغار، بل هو للصغار وللشباب وللكهول، وهكذا أيضا للشيوخ كبار السن، فعليهم جميعا، بل وعلينا جميعا أن نتنافس في هذا الخير، وأن نتسابق إلى هذا الخير. ولهذا ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب العلم: باب الاغتباط في العلم والحكمة، ثم قال: وقال عمر رضي الله تعالى عنه، يعني به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «تعلموا قبل أن تسودوا». وفي رواية: «قبل أن تسودوا». ففسرها بعض أهل العلم بمعنى السيادة، وأن الإنسان يدخل في السن، وهكذا ينال من المناصب ومن الرتب ومن الوجاهة ما قد يكون سببا في حرمانه من مجالس العلم، في حرمانه من حلق القرآن. وفسرها بعضهم بالزواج، فإن الإنسان لربما إذا تزوج انشغل بالزوجة، أو انشغل بالأولاد أو غير ذلك. فكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: «تعلموا قبل أن تسودوا». قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله: «قال: وبعد أن تسودوا». قال: «وبعد أن تسودوا»، أي وتعلموا أيضا بعد أن تسودوا. قال: «وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم كبار». وقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم كبار. فقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يمنعهم كبر السن في أن يتعلموا العلم وأن يأخذوا القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم. بل ربما أتى الأعراب من البادية والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله. النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر، والأعرابي يدخل ويخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، ويقول: يا رسول الله علمني مما علمك الله. فينزل النبي صلى الله عليه وسلم من على المنبر، ويجعل له كرسي فيجلس عليه، ويعلم هذا الأعرابي مما علمه الله، ثم يصعد المنبر يكمل خطبته، ثم ينزل بعد ذلك. أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنوات، وهي آخر سنوات عاشها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما كان حريصا على العلم، انظر كيف تحصل وجمع على علم كثير، وروى أحاديث كثيرة لم يرو مثلها غيره من الصحابة. ولهذا لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام: «من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟» قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا أحد غيرك، لما رأيت من حرصك على العلم، لما رأيت من حرصك على العلم. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه، من قال لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه». ولهذا أيضا قال أبو هريرة كما في الصحيح: «يقولون: أكثر أبو هريرة» أي في رواية الحديث، «قال: والله الموعد». قال: «والله الموعد، فقد كان يشغل إخواني المهاجرين الصفقات والأسواق، وقد كان يشغل إخواني من الأنصار مزارعهم، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني». ثم ذكر قصته مع النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام يوما: «من يبسط رداءه؟» قال: «فمن يبسط رداءه فلا يقوم إلا وقد وعى ما قلت». قال: «فبسطت ردائي»، فذكر بعد ذلك أنه قد حفظ أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. إخواني في الله، إذا كان الأمر كذلك، فما أعظم أن يكون المجلس بين صلاتين عظيمتين من الصلوات الخمس التي يصليها أهل الإسلام. كيف لو جلس العبد من بعد أن يصلي وينتظر الصلاة الأخرى حتى يحين وقتها؟ فإن هذا أعظم وأعظم. ومما يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر، وجاء من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في سوقه وفي بيته بخمس وعشرين ضعفا»، وفي رواية: «بسبع وعشرين ضعفا». قال: «وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة». قال: «فإذا جلس فإن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم اغفر له، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه». هذه الملائكة تدعو لمن صلى فجلس ينتظر الصلاة الأخرى، يقولون: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. قال: «ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة، ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة». وجاء في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات، ويمحو به الخطايا؟» قال: «قلنا: بلى يا رسول الله». قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». هذه إخواني الله، هذه إخواني الله مقدمة حول الاهتمام بمجالس العلم وبحلق الذكر، وأن العبد يجعل شغله الأعظم وهمه الأكبر أن يرفع الجهل عن نفسه، ثم أن يرفع الجهل عن غيره من أهل الإسلام، وأن يعمل بهذا العلم الذي تعلمه، نعم، وأن يدعو إليه، وأن يصبر على الأذى فيه، وأن يصبر على الأذى فيه. نعم إخواني في الله. ثم كذلك أيضا ينبغي علينا أن نعلم أن من نعم الله عز وجل علينا، وهي نعم عظيمة ونعم كثيرة كما سبق لا تعد ولا تحصى، إن من هذه النعم توالي وتتابع مواسم الخير ومواسم الفضيلة. هذه المواسم يا عباد الله التي ما ينتهي موسم إلا ويعقبه موسم آخر من مواسم الخير ومن أوقات الفضيلة. هذه المواسم يا عباد الله التي تضاعف فيها الأجور والحسنات، هذه المواسم التي تتنزل فيها الرحمات من الله عز وجل، فينبغي علينا جميعا أن نحرص عليها وأن نستغلها كل الاستغلال. نعم يا عباد الله، فإنها نعمة تحتاج منا أن نستغلها في طاعة الله عز وجل. ومما يعلمه الجميع أننا بعد أيام بانتظار ضيف كريم وشهر عظيم من أشهر الله عز وجل، ألا وهو شهر رمضان المبارك، ألا وهو شهر رمضان المبارك. إن رمضان يا عباد الله لفرصة عظيمة للتزود من الأعمال الصالحات ومن الأجور والحسنات. إن رمضان يا عباد الله لشهر عظيم خصه الله عز وجل بخصائص عظيمة وبمزايا وفضائل كثيرة. من ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت فيه مردة الشياطين، وصفدت فيه مردة الشياطين». وجاء في رواية عند الإمام الترمذي وابن ماجه، صححها العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا كان أول ليلة من رمضان، إذا كان أول ليلة من رمضان، صفدت مردة الشياطين، وغلقت أبواب النيران، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، وينادي مناد: يا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة من رمضان، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة من رمضان». هذا يا عباد الله إذا دخل رمضان، فانظر إلى هذا الخير العظيم الذي يكون بحلول هذا الشهر، والذي يكون في دخول هذا الشهر. نعم أيها الإخوة في الله. هكذا أيضا من فضائل ومزايا ومناقب هذا الشهر الكريم أن الله عز وجل فرض على الناس صيام نهاره، فرض على الناس صيام نهاره. قال ربنا عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 183-186]. أيها الإخوة في الله، إن صيام رمضان فرض، فرضه الله عز وجل على الناس وعلى المؤمنين، بل جعله الله عز وجل ركنا من أركان هذا الإسلام، ومن المباني العظام التي يقوم عليها هذا الدين. فمن جحد وجوبه فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد كان إيجاب صيام رمضان على مرحلتين اثنتين: المرحلة الأولى وذلك حينما فرض صيام رمضان كان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وكان الصوم يومها أن المسلم مخير بين أن يصوم وبين أن يفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم، وبين أن يفطر فيطعم عن كل يوم مسكينا. ثم إن هذا الحكم بعد ذلك نسخ، فكان الأمر على إيجاب الصيام من غير تخيير بين الصوم والفطر. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾، ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾. وهذه المرحلة الثانية من مراحل إيجاب وفرضية صيام رمضان. ثم اعلموا يا عباد الله أن الصوم يعتبر عبادة عظيمة، ويعتبر قربة جليلة يتقرب بها العبد من ربه عز وجل. ومما يدل على ذلك ما جاء عند أصحاب السنن من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يدله على عمل، أن يدله على عمل يدخله الجنة ويباعده من النار. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم، فإنه لا عدل له، عليك بالصوم، فإنه لا عدل له». ومعنى «لا عدل له» أي لا نظير ولا مثيل له، أي لا نظير ولا مثيل له. وهذا يدل على المكانة العظيمة التي جعلها ربنا عز وجل للصوم. وهكذا أيضا للصائمين، وأيضا يا عباد الله من مزايا هذا الشهر ولا سيما الصوم فيه، أن الله عز وجل جعل للصائمين بابا من أبواب الجنة، وهذا الباب إنما هو خاص بالصائمين، لا يدخل منه أحد غيرهم. جاء في حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه عند الإمام البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للصائمين بابا من أبواب الجنة يقال له الريان، يقال له الريان، لا يدخل منه أحد غيرهم». قال: «فيقومون فيدخلون، فإذا دخلوا أغلق، فلا يدخل منه أحد غيرهم، فلا يدخل منه أحد غيرهم». وهذه كرامة من الله عز وجل لأهل الصيام، لأولئك الصائمين الذين حبسوا أنفسهم عن الطعام وعن الشراب وعن الشهوات تعبدا لله عز وجل وإخلاصا لله سبحانه وتعالى. فانظر إلى هذا الجزاء، إلى هذا الجزاء من الله عز وجل. وأيضا من مناقب هذا الشهر، وهكذا من مناقب الصيام، ما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: «قال: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». ثم قال: «والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». ثم قال: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». وجاء في روايته عند الإمام مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. قال الله عز وجل: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله، أطيب عند الله من ريح المسك». وإذا تأملنا، وإذا تأملنا يا عباد الله في هذا الحديث العظيم، نجد أنه قد جمع من المناقب، وجمع من الفضائل والمزايا الشيء الكثير، وفيه سعة رحمة الله عز وجل وفضله العظيم الذي يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. في هذا الحديث يخبر نبينا عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل عن عظيم أجر الصائمين، وذلك أن الله عز وجل قد تكفل بأجرهم وتكفل بثواب عملهم. قال الله عز وجل: «إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». لم يجعل له ربنا عز وجل عددا معينا كالحسنة بعشر أمثالها أو أنه إلى سبعمائة ضعف، بل أعظم من ذلك، لأن الله عز وجل الكريم الجواد قد تكفل بأجر الصائمين. قال: «إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به». وهذا يدل على كثرة الأجر وعلى عظيم الفضل عند الله عز وجل للصائمين. وهذا أمر لم يجعله ربنا عز وجل إلا لأمرين اثنين، وهما أمران متقاربان: الأمر الأول جعله للصوم كما تقدم، والأمر الثاني جعله للصبر، جعله للصبر. فقال: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، أجرهم بغير حساب. ولا شك ولا ريب أن الصوم فيه حبس النفس على طاعة الله عز وجل، وفيه حبسها عن معصية الله عز وجل، وفيه حبسها على أقدار الله عز وجل. ولهذا يا عباد الله يسمى شهر رمضان بشهر الصبر. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «صيام شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر كصوم الدهر». والمراد بشهر الصبر هو شهر رمضان. ثم قال ربنا عز وجل، أو جاء في الحديث: «الصوم جنة»، أي أن الصوم وقاية، أن الصوم وقاية. وكما جاء في بعض الأحاديث: «كجنة أحدكم من القتال». وهكذا في بعض الروايات: «الصوم جنة يستجن به العبد من النار، يستجن به العبد من النار». ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أرشد الشباب ممن لم يستطع الباءة على الزواج بماذا؟ أرشده إلى الصوم. فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الشباب، يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». وهذا علاج عظيم من النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الشباب، بل لجميع أهل الإسلام. ثم قال: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». وهنا وقفة يا عباد الله، وذلك بأن نقف ونتأمل ونعتبر ونتذكر أن رمضان يعتبر مدرسة عظيمة يتعلم فيها الصائمون الدروس النافعة والأخلاق الحسنة والعادات الحميدة. إن رمضان يا عباد الله يعلم المسلم الصبر، ويعلمه الحلم، ويعلمه الحكمة، وهكذا أيضا يعلمه الأخلاق الحسنة، وهكذا العادات الحميدة كما تقدم. فينبغي على المسلم ألا يجعل رمضان كغيره من الأشهر، بل ينبغي عليه أن يتعلم فيه أجمل الدروس، وأن يأخذ فيه أحسن الأخلاق، وأن يتزود فيه بأجمل العادات، وهكذا أفضل الأعمال والعبادات التي يتقرب بها إلى الله عز وجل. ففي هذا الحديث بين النبي عليه الصلاة والسلام أن العبد لا ينبغي عليه في يوم صومه أن يكون متصفا بالرفث، وهكذا بالصخب، بل ينبغي عليه أن يكون وقورا، وأن يكون هادئا، وأن يكون خلوقا، وأن يكون مطيعا لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي له أن يقابل السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح كما قال الله عز وجل: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 34-35]. أرشد النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فماذا يصنع؟ أيرد السيئة بالسيئة؟ لا يا عباد الله، ولكن قال النبي عليه الصلاة والسلام: فليقل: إني صائم، فليقل: إني صائم». وهذا فيه أمران: الأمر الأول أن في ذلك أنه ينبغي على المسلم الصائم أن يكون هادئا، وأن يكون وقافا عند حدود الله عز وجل، فلا يجعل مقابل السيئة سيئة، ولكن يقول: إني صائم. ومعنى ذلك أي أن الذي يمنعني من أن أرد عليه أو أن أقابلك بالسيئة هو أني صائم، فإن الصوم يمنع من ذلك، الصوم يمنع من ذلك، يمنع من السباب، ويمنع من الشتام، ويمنع من المقاتلة. نعم يا عباد الله: «إني صائم». ولهذا أيها الإخوة في الله، إن بعض الناس يجعل يوم صومه كيوم فطره، يجعل يوم صومه كيوم فطره، وهذا من الخطأ العظيم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به»، وجاء في رواية خارج الصحيحين: «والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». سبحان الله! من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. كيف يصوم عن الحلال الذي هو حلال له في غير أوقات الصيام وفي غير أيام الصيام، ويفطر على أمور حرام عليه سواء كان في يوم فطره أو كان في يوم صومه؟ نعم، من لم يدع قول الزور والعمل به، وهذا يجمع المعاصي ويجمع الخطايا والذنوب التي حرمها ربنا عز وجل وحرمها نبينا عليه الصلاة والسلام. من لم يدع قول الزور والعمل به، قال: «والجهل»، أي الجهل على الناس والاعتداء على الآخرين. قال: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». نكمل بعد الاستراحة. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، وكما تقدم معنى إخواني الله أن الصوم مدرسة، وأن رمضان يعتبر مدرسة للصائمين يتعلمون فيه محاسن الأخلاق وجميل الصفات والعادات. وهكذا أيضا ينبغي على كل مسلم أن يجعل من رمضان نقطة من النقاط التي يتخلص فيها من العادات السيئة ومن المعاصي والذنوب التي قد يكون مرتكبا لها في غير رمضان. ولهذا أيها الإخوة في الله، سمعنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الشيخان من حديث أبي هريرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل» وهو خارج الصحيحين، أي قول الزور هو الجهل، قال: «فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وهكذا أيضا يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة أيضا: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم يصلي لله عز وجل، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب، إلا السهر والتعب». نعم أيها الإخوة في الله، إن بعض الناس قد يكون مبتلى ببعض العادات وبعض المعاصي كالغيبة أو النميمة أو الكذب أو غير ذلك، فهذا رمضان فرصة عظيمة لكي يتخلص من هذه الأوزار، ولكي يتخلص من هذه الذنوب، وهكذا من هذه المعاصي. بعض الناس قد يكون صائما ولا يمسك عن المحرمات، لربما في المسجد، ولربما صائما، ولربما إلى غير ذلك، وهو لا زال ملازما ومرتكبا، يخوض في أعراض المسلمين، وهكذا يطعن فيها، ولربما قذف ولم يتق الله عز وجل أنه صائم، ولربما اغتاب ولم يتذكر أنه صائم، ولربما فعل وفعل من المعاصي، ولا يجعل للصوم حرمة ولا شأنا كبيرا في قلبه. فهذه يا عباد الله ذكرى في أننا علينا أن نجعل من رمضان نقطة ومحطة في أن نتخلص من عيوبنا، وأن نصلح أحوالنا مع الله عز وجل ومع خلق الله سبحانه وتعالى. رب قائم أو رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب. ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام وهو يعدد لنا مزايا ومناقب الصوم: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه». الفرحة هذه من فضل الله عز وجل على أهل الصيام، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]. هو خير مما يجمعون. المسلم الصائم له فرحتان: الفرحة الأولى في الدنيا، والفرحة الثانية يوم القيامة. أما الفرحة الأولى فهو أنه يفرح بما أنعم الله عز وجل عليه بأن جعله يتم صوم هذا اليوم وصوم هذا الشهر الذي فرض الله عز وجل صيامه، هذا من فضل الله عليه، ولولا أن الله عز وجل أعانه على ذلك لم يستطع إليه سبيلا. والمشاهد إخواني في الله أن الصائمين هم الذين يفرحون عند الإفطار، فإذا أكملوا صوم اليوم، وهكذا أكملوا صوم الشهر، ما أعظم فرحة أهل الصيام! أن من كان معتديا لحدود الله عز وجل فيفطر في نهار رمضان، فهذا ليس له حظ وليس له نصيب من هذه الفرحة، وإن تظاهر أمام الناس أنه فرحان، فلبس الجديد وشهد العيد مع الناس، لكن ليس عنده حقيقة الفرحة التي هي في قلب كل صائم، وفي قلب كل مسلم أطاع الله عز وجل في أيام هذا الشهر العظيم. أما الفرحة الأخرى التي هي أعظم وأعظم وأعظم فهي التي تكون يوم القيامة عند الله عز وجل، يوم أن يلقى العبد ربه سبحانه فيجازيه على هذا الصوم الذي صامه لله عز وجل، الذي صامه لله عز وجل. قال: «وفرحة عند لقاء ربه، وفرحة عند لقاء ربه». ثم قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». هذه الرائحة التي هي كريهة عند أكثر الناس، والتي تتصاعد من المعدة حتى تخرج من الفم، لماذا أصبحت عظيمة؟ ولماذا أصبحت محبوبة عند الله عز وجل، بل وحبا عند الله عز وجل من ريح المسك؟ لأن سببها هو الصوم، لأن سببها هو الصوم. ولهذا يلاحظ الجميع أنه إذا أفطر العبد بعد المغرب، وهكذا أكل لقيمات أو حسوات من الماء، فإن هذه الرائحة تذهب. فكونها محبوبة عند الله عز وجل أن سبب ذلك هو الصوم. وهكذا أيضا إخواني في الله جاء في رواية مسلم أن الله عز وجل يقول: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». وهذا فيه بيان لأمر الإخلاص في الصوم، لأمر الإخلاص في الصوم، وهو أمر قد يكون أن الصوم اختص به من بين سائر العبادات. فالصوم عبادة بين العبد وربه، فقد يخلو العبد بربه فيفطر، ويتناول ما حرم عليه من الطعام أو الشر