الدرس في ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وكانت بتاريخ 19 ذو الحجة 1430هـ . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
بيّن المحور أن الدنيا دار ابتلاء يمتحن الله فيها العباد بالنعم والمصائب ليميز المؤمن من المنافق، مستدلاً بآيات وحديث صهيب رضي الله عنه أن أمر المؤمن كله خير: إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر. وأوضح أن المصائب قد تكون خيراً بتكفير السيئات ورفع الدرجات، وأن الصبر والاحتساب عند البلاء يجلبان الأجر العظيم والرضا الإلهي.
تناول المحور ابتلاء الإنسان بنعم لا تُحصى ومسؤوليته عنها يوم القيامة، مستعرضاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع مسائل يسأل عنها العبد: عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعلمه ماذا عمل به. وأكد الواجب في شكر النعم بالصبر على الطاعة والصبر على المصائب.
اختتم المتحدث الجلسة بالدعاء لله أن ينفع بما سمع ويسأله العلم النافع، ثم حمد الله وكبر تكبيرات الختام معلناً نهاية الدرس.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمن المعلوم أيها الإخوة في الله أن العبد في هذه الدنيا ما هو إلا في دار ابتلاء وامتحان واختبار، يبتليه الله عز وجل بأنواع من الخير وأنواع من الشر. ولهذا لا بد من الابتلاء، ولا بد من الامتحان. ولهذا يقول ربنا جل في علاه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾، ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. إذن لا بد من الابتلاء، ولا بد من الامتحان في هذه الدار؛ لأنك في دار الابتلاء والامتحان. وربنا سبحانه وتعالى يبتل العباد ليعلم المؤمن من المنافق، وليعلم المحسن من المسيء، وليعلم الصادق من الكاذب، وهو سبحانه وتعالى بكل شيء عليم، ولا تخفى عليه خافية. ولهذا أيها الإخوة في الله كان من حكمة الله عز وجل أنه يبتل الناس إما بالخير وإما بالشر. قد يكون ابتلاء بعض الناس بأنواع من النعم وأنواع من الخيرات: إما بزوجة، وإما بأولاد، وإما بمال، وإما بصحة، وغير ذلك. وقد يكون الابتلاء بأنواع من الشر وأنواع من المصائب: تبتلى بالأمراض، تمتحن بالخوف أو الفقر أو غير ذلك. ولهذا يقول ربنا سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، وهكذا يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. انظر: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ما هو الواجب أمام هذا الابتلاء الذي لا محالة ولا بد أن يتعرض له هذا العبد في هذه الحياة الدنيا؟ الجواب عن هذا في حديث أبي يحيى صهيب بن سنان الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «عجباً لأمر المؤمن، عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له». لكن تأمل أول الحديث: قال «وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن». المؤمن إذا ابتلاه الله عز وجل بنعمة بخير فإنه يكون من الشاكرين، وإذا ابتلاه الله عز وجل بمصائب وهكذا أنواع من الشرور: تارة مرض، وتارة فقر، وتارة خوف، وهكذا جوع، وهكذا قلة في الأموال، وقلة في الثمار، وقلة في الأرزاق والخيرات. نعم، فعندها وجب عليه أن يكون من الصابرين. وأحياناً ربنا سبحانه يبتل العبد بأنواع من المصائب يكون فيها خيراً له، يكون فيها رفعة لدرجته، ويكون فيها تكفير لسيئاته وهكذا أوزاره. ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة». لا يزال، لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة. وهكذا أيضاً يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد وغيره، وجاء من حديث أبي هريرة أيضاً، قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا أذى ولا حزن إلا كفر الله به من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أنس عند أصحاب السنن: «إذا أراد الله بعبده خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده شراً أخر عنه العقوبة حتى يوافى بها يوم القيامة». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وجاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من يرد الله به خيراً يصب منه، من يرد الله به خيراً يصب منه». وهكذا أيضاً إخواني في الله، في الجانب الآخر أن الله عز وجل قد ينعم على الناس بنعم وهكذا خيرات: إما بتجارة ومال، أو بزوجة وأولاد، أو بمنصب ووجاهة، أو بصحة وفراغ، أو غير ذلك، فيكون فيها ابتلاء له. ينظر رب العالمين: هل يشكر هذه النعم أم أنه لا يقابلها بالشكر؟ فإن لم يقابلها بالشكر كانت في حقه نقمة، وكانت كذلك أيضاً وزراً عليه، ولربما عوقب بسبب ذلك. ولهذا أحسن من قال: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت، قد ينعم الله بالبلوى أي المصيبة وإن عظمت، ويبتلي بعض الناس بالنعم، ويبتلي بعض الناس بالنعم. لكن المؤمن لا بد أن يؤدب نفسه، ولا بد أن يعود نفسه أنه عند المصائب - ولا محالة أنها واقعة عليك يا عبد الله ونازلة بك - يعود نفسه على الصبر، يعود نفسه على الاحتساب، فإن ذلك خير لك. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، وهذا دليل على كثرة الأجر وعظمة الأجر. ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. وهكذا يا عبد الله، إن كان الابتلاء بنعمة، وما أكثر النعم يا عباد الله التي نحن مبتلون بها: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. أين أنت من هذه الآية؟ وهكذا قوله سبحانه مذكراً: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. عند الراحة وعند الرخاء استكبر العبد ويطغى ويعرض، ولربما ابتعد عن الله بل وحارب الله بالمعاصي، ثم إذا ضاق عليه الأمر فإنه إن وفقه الله عز وجل رجع وأناب. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةَ﴾، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةَ﴾. لابد علينا أن نعلم أيها الإخوة في الله أننا أمام هذه النعم التي لا نستطيع أن نحصيها أن نعدها، ولو جلسنا الأوقات الطويلة. هذه النعم نحن مسؤولون عنها ومحاسبون عليها بين يدي الله عز وجل، فلابد أن نعد للسؤال جواباً. لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه». عمرك هذا يا عبد الله نعمة من الله عز وجل: عشرين، ثلاثين، أربعين سنة، خمسين سنة، ستين سنة، أكثر من ذلك أو أقل، أنت مسؤول عن هذا. قال: «وعن شبابه فيما أبلاه». الشباب الذي هو زمن البلاء وزمن القوة وزمن الحيوية والنشاط، هذه من نعمة الله عليك، ماذا أنت قائل وبماذا ستجيب أمام الله عز وجل؟ ولا أدري ماذا سيكون جواب من أضاع ولا زال يضيع أوقاته: إما مع الكرة، وإما مع مجالس القات والدخان، وإما أمام شاشات التلفاز، وإما في القيل والقال، في القيل والقال الذي يكثر فيه الغيبة والنميمة والاستهزاء والسخرية والكذب وغير ذلك. قال: «وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل به». نسمع النصائح ونسمع المواعظ ونسمع الآيات تتلى والأحاديث نذكر بها، ماذا عملنا؟ هذه حجة علينا يا عباد الله. «وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». المال سؤال من جهتين: من أين دخل عليك هذا المال؟ ما يستطيع الواحد يقول: أنا حر بين يدي رب العالمين. أنت عبد، ولابد على العبد أن يعلم حقيقة العبودية لله عز وجل، وأنه لابد أن يكون منقاداً لله سبحانه وتعالى. «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». فخلاصة القول أيها الإخوة في الله أن الابتلاء يكون بالخير والشر. فإذا كان الابتلاء بالخير والنعم وما أكثرها، أنه يجب علينا أن نكون من الشاكرين. وإذا كان الابتلاء بالمصائب والشرور فالواجب أن نكون من الصابرين. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا الذي ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أكبر، أكبر.