فضائل العشر وليلة القدر

الخطبة بعنوان فضائل العشر وليلة القدر، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 19 رمضان 1432هـ . ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فضل العشر الأواخر وقيام النبي صلى الله عليه وسلم

تستعرض الخطبة فضائل العشر الأواخر من رمضان مبينة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في العبادة وإحياء الليل وإيقاظ أهله. وتؤكد على أهمية اقتداء المسلم بهديه في الاعتناء بأهله وحثهم على الطاعة مع ذكر شرف ليلة القدر.

فضائل ليلة القدر الست وتحديد أوقاتها

يستعرض الخطيب ست فضائل لليلة القدر مستمدة من سورة القدر منها نزول القرآن وكونها خيرا من ألف شهر وتنزل الملائكة. ثم يبين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في تحريها في الوتر من العشر الأواخر ورجحان ليلة سبع وعشرين.

حكمة إخفاء ليلة القدر ومشروعية الاعتكاف

يشرح المقطع حكمة إخفاء ليلة القدر لتحفيز الاجتهاد في العشر الأواخر ويذكر علامات ليلة القدر الصحيحة وينفي غير الثابتة. ثم يبين مشروعية الاعتكاف وآدابه ويحث على اغتنام هذه الليالي بالعبادة والتوبة.

الختام بالدعاء والشهادتين

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى ثم يحمد الله. ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، لم تبقَ إلا ليلةٌ واحدة، وسينزل بكم عشر رمضان الأخيرة، فيها من الخيرات والأجور الكثيرة، فيها الفضائل المشهورة، وفيها الخصائص العظيمة المستفيضة. فمن خصائص العشر الأواخر من رمضان: أن قدوتنا وأسوتنا عليه الصلاة والسلام كان يجتهد فيها بالعمل الصالح، ما لا يجتهد في غيرها، كما جاء عند مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيره». وجاء في الصحيحين من حديثها رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دخلت العشر أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله». وفي رواية: «أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر». ففي هذين الحديثين فضائل هذه العشر، ووجهها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد خص هذه الليالي بالاجتهاد فيها دون غيرها من الليالي، كان يجتهد فيها بالصلاة وقراءة القرآن، وبالصدقة وبالذكر، وبغيرها من الأعمال الصالحات. وهكذا في هذين الحديثين: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحيي هذه العشر، يحييها بالقيام، يحييها بالصلاة، يحييها بالذكر بقلبه ولسانه وجوارحه، لشرف تلكم الليالي وطلبًا لليلة القدر. وهكذا مما يدل على فضل هذه العشر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يوقظ أهله فيها للصلاة، حرصًا منه عليه الصلاة والسلام على اغتنام أوقات هذه الليالي الفاضلة. وهذا فيه اعتناء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأهله، فهو الذي أمره ربه بأن يحث أهله ويأمرهم بالصلاة، فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. ففي هذا الحديث: أن المسلم لا ينبغي له أن يعتني بنفسه ويترك أهله. نعم، فإن كثيرًا من الناس ربما كانوا حريصين في أنفسهم على الجد والاجتهاد، ولا يبالون بأهاليهم، ولا يسألون عنهم: أصلوا أم لم يصلوا؟ أستقاموا أم لم يستقيموا؟ أخذوا بأوامر الله أم لم يأخذوا؟ وهذا مما يخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كان عمر رضي الله تعالى عنه كما في موطأ مالك يقوم ويصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، فإذا انتصف الليل أيقظ أهله وقال: الصلاة الصلاة، ويقرأ هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. فينبغي للمسلم في هذه الأيام الفاضلة أن يعتني بنفسه، وأن يعتني بأهله، وأن يحث أهله على اغتنام هذه الليالي الفاضلة. عباد الله، وإن من خصائص تلكم العشر: أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم. هذه الليلة شرفها الله سبحانه وتعالى على غيرها من الليالي، هذه الليلة من الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بجزيل فضلها وخيرها، هذه الليلة أشاد الله سبحانه وتعالى بفضلها وشرفها في كتابه المبين، فقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فوصف ربنا سبحانه وتعالى هذه الليلة بأنها مباركة، لكثرة خيرها ولكثرة بركتها. فمن بركتها: أن القرآن الكريم، ذلك الكتاب المبارك، أنزل في هذه الليلة. وهكذا وصف ربنا سبحانه وتعالى هذه الليلة بأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، يعني: يفصل فيها من اللوح المحفوظ إلى الكتبة ما هو كائن من أمر الله في تلك السنة من الآجال، ومن الأرزاق، ومن الخير والشر، من أحكام الله العادلة المحكمة المتقنة التي لا يكون فيها عيب ولا خلل، ولا يكون فيها سفه ولا باطل، ذلك تقدير العليم الحكيم، ذلك تقدير العزيز الحكيم. وهكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، مبينًا شرف ليلة القدر وفضل ليلة القدر، قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾. ففي هذه السورة فضائل متعددة لليلة القدر: الفضيلة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى أنزل فيها القرآن، الذي به هداية البشر، والذي فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، فمن اتبعه هدى فلا يضل ولا يشقى. ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾. فهذا الكتاب العظيم كان نزوله في تلكم الليلة المباركة. الفضيلة الثانية من فضائل ليلة القدر التي احتوتها سورة القدر: ما دل عليه الاستفهام من التعظيم والتفخيم، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. الفضيلة الثالثة: أنها خير من ألف شهر. أن هذه الليلة خير من ألف شهر، وقد قدر عادّون الألف شهر بالسنين، فساوت ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر، ورجح الحافظ ابن جرير وكذلك ابن كثير أن هذه السنين من غير ليلة القدر، من غير ليلة القدر. فانظروا يا عباد الله إلى عظم هذه الليلة، وأن الأعمال الصالحة وأن الأجور فيها تعدل عمرًا كاملًا في هذا السن، هذا السن المديد تساويه ليلة القدر. وهكذا الفضيلة الرابعة التي احتوتها سورة القدر: أن الملائكة تتنزل فيها، وهم لا ينزلون إلا بالخير وبالبركة وبالرحمة. وهكذا الفضيلة الخامسة: أنها سلام، أي: لكثرة سلامتها من العذاب ومن العقاب، بما يقوم به العبد من طاعة الله سبحانه وتعالى. الفضيلة السادسة لهذه الليلة: أن الله سبحانه وتعالى أنزل في شأنها وفي فضلها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة، تتلى إلى يوم القيامة. عباد الله، اعلموا اعلموا أن ليلة القدر إنما هي في العشر الأواخر من رمضان، لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». في العشر الأواخر من رمضان، والأوتار منها أقرب من الأشفاع. لما جاء أيضًا في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان». ولما جاء أيضًا في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى». فعدد أيام الوتر من العشر الأواخر من رمضان. وهكذا أقرب وأرجى تلكم العشر: السبع الأواخر منها، السبع الأواخر منها. لما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي قال: «إن رجالًا أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت، أي: قد اتفقت، في العشر الأواخر من رمضان، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر من رمضان». وأرجى السبع الأواخر من رمضان: ليلة سبع وعشرين، أرجى السبع الأواخر من رمضان ليلة سبع وعشرين. لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقيامها، ليلة القدر، ليلة سبع وعشرين، ليلة القدر، ليلة سبع وعشرين». هكذا يقول أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ ابن حجر بعدما ذكر أقوالًا كثيرة في تحديد تلكم الليلة: «وأرجح الأقوال أن ليلة القدر في وتر من العشر الأواخر، وأنها تنتقل». قال العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله في قوله، في قول ابن حجر: «وأنها تنتقل»: يعني أنها لا تكون في ليلة واحدة في كل الأعوام، فقد تكون في عام ليلة سبع وعشرين مثلًا، ثم تكون في عام آخر ليلة خمس وعشرين مثلًا، وهكذا. فيا عباد الله، هذه ليلة عظيمة، هذه ليلة فاضلة، أذكر نفسي وإخواني المسلمين بأن يتعرضوا لرحمة الله سبحانه وتعالى فيها. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، عباد الله، اعلموا أن الله سبحانه وتعالى أخفى علينا تحديد هذه الليلة رحمة بنا، رحمة بنا ليكثر العباد من الأعمال، ليكثر العباد من الأعمال، وليجتهدوا في العشر جميعًا، ليزدادوا قربة إلى الله سبحانه وتعالى، ويزدادوا أجرًا من الله عز وجل. وهكذا أخفى الله سبحانه وتعالى هذه الليلة ليتبين من يكون جادًا مجتهدًا حريصًا، ممن كان كسلانًا متهاونًا. فلو كانت ليلة القدر في ليلة معينة لاجتهد الناس في هذه الليلة فقط وتركوا بقية الليالي، فرحمة من الله سبحانه وتعالى أخفى عنا هذه الليلة لنجتهد في تلكم الليالي جميعًا. واعلموا عباد الله أن لهذه الليلة بعض العلامات المقارنة التي تكون في هذه الليلة، ومما يدل على ذلك ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ليلة القدر ليلة طلقة، لا حارة ولا باردة»، أي: ليلة معتدلة، لا يكون فيها حر شديد، ولا يكون فيها برد شديد. وهكذا ذكر بعض أهل العلم أن الله سبحانه وتعالى ربما يري بعض عباده في المنام هذه الليلة، كما وقع للصحابة عندما تواطأت رؤياهم في السبع الأواخر من رمضان، وكما جاء في حديث أبي سعيد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُري في المنام أن صبيحة ليلة القدر يسجد فيها على ماء وطين، فنزل المطر ليلة تلكم الليلة، فسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ماء وطين. وأما ما يذكره البعض من أن من علامات ليلة القدر: كثرة صياح الديكة، أو كذلك نباح الكلاب، أو وجود الأضواء في الشوارع والطرقات، فهذا مما لا دليل عليه، فهذا مما لا دليل عليه. وهكذا من خصائص العشر الأخيرة من رمضان: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعتكف فيها، كان يعتكف فيها، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده، ثم اعتكف أزواجه من بعده». والاعتكاف هو: الإقامة في بيت من بيوت الله بنية التقرب إلى الله عز وجل والتفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى. ولذلك لا يليق بالمعتكف أن يخرج عن معنى الاعتكاف، فلا يكثر من الكلام في أمور الدنيا وحديث الناس، ولا يشتغل بغير العبادة والذكر والدعاء وما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. وقد لخصت لنا أمنا عائشة رضي الله تعالى عنها ما لا يحل للمعتكف، كما في سنن أبي داود، حسن إسناده العلامة الألباني عليه رحمة الله، أنها قالت: «من السنة للمعتكف أن لا يعود مريضًا، وأن لا يشهد جنازة، وأن لا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج من المسجد إلا فيما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا مع صيام، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع». ويراد بالاعتكاف إلا في مسجد جامع: أي من باب الكمال والتمام، حتى لا يضطر المعتكف أن يخرج لصلاة الجمعة، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم. فالاعتكاف سنة مشروعة دل عليها الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. عباد الله، عباد الله، هذه الأيام الفاضلة، هذه الأيام الفاضلة ينبغي علينا أن نغتنم الفرصة فيها، فإنها فرصة ثمينة، ربما لا تدركها بعد عامك هذا، ربما لا تدركها بعد عامك هذا. فتعرض لرحمة الله سبحانه وتعالى، ما يدريك يا عبد الله، لعلك تنال نفحة من نفحات المولى سبحانه وتعالى في هذه الليلة، فتكون سببًا في سعادتك في الدنيا والآخرة. وإنه لمن الحرمان العظيم والخسارة الفادحة أن ترى كثيرًا من المسلمين يقضون ليالي هذه الأيام، يقضون ليالي هذه الأيام في اللهو واللعب، وفي التسكع في الشوارع والأسواق، وفي الأمور التافهة التي تشغلهم عن استغلال هذه الليالي الفاضلة، عن استغلال هذه الليالي الفاضلة. فلربما الإنسان نام في ليلة عند وقت القيام، ولربما ضيع وقتًا إلى أن تنتهي تلكم الليالي، فحرم فضل هذه الليالي وحرم تحري ليلة القدر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إلا بالله العلي العظيم. فيا عباد الله، الجد الجد، والاجتهاد الاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى، وفي التعرض لرحمة الله عز وجل. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يدرك تلكم الليلة، ليلة القدر، وأن يجعلنا ممن يغفر له في تلكم الليلة. فإن من خصائص ليلة القدر، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وهذا الأجر حاصل لمن علم بليلة القدر، ولمن لم يعلم بها، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشترط العلم في حصول هذا الأجر، بل قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فما أحوجنا يا عباد الله إلى أن تغفر ذنوبنا، وإلى أن تكفر سيئاتنا، فالبدار البدار إلى التوبة والاستغفار، وإلى الجد والاجتهاد في طاعة الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.