قبس من السيرة النبوية  24

قبس من السيرة النبوية 24

الدرس في قبس من السيرة النبوية 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عمر النبي وبناء الكعبة

تطرق الكلام إلى عمر النبي صلى الله عليه وسلم عند بناء الكعبة وخلص إلى أنه كان خمسا وثلاثين سنة، كما تطرق إلى زواج النبي قبل البناء. وأصبحت الكعبة أقوى بعد البناء.

تفاصيل وتغييرات بناء الكعبة

تحدث عن تفاصيل بناء الكعبة وتغييراتها، حيث تم رفع جدارها وزيادة ارتفاعها، ووضع سقف لها مدعوم بستة أعمدة، ورفع بابها عن الأرض.

تغييرات قريش وتقييمها الشرعي

تحدث عن تغييرات قريش في بناء الكعبة، حيث لم يستكملوا البناء وأدخلوا تصاوير وتماثيل، واتخذوا كسوة لها، وبين النبي حكم هذه التغييرات.

الختام والصلاة على النبي

يختتم الكلام بالإشارة إلى استمرارية الحديث حول موضوع تكسير الكعبة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 24 جمادى الآخرة 1432هـ - 27/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَلِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ مَنْ تَطَرَّقَ إلَى سِيرَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَازَالَ الْكَلَامُ حَوْلَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَهَمِّ الْحَوَادِثِ وَالْأَحْدَاثِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي حَيَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَبْلَ بَعْثَتِهِ. وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَا تَكَلَّمْنَا فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَمَرَّ مَعَنَا أَهَمُّ الْأَحْدَاثِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِي سَبَبِ تَكْسِيرِهَا، وَمِنْ ثُمَّ إعَادَتِهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَكَيْفَ أَنَّ نَبِيَّنَا شَارَكَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، بَلْ تَشَرَّفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِوَضْعِ الْحَجَرِ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ كَانَ الْكَلَامُ عَلَى أَهَمِّ الْمَسَائِلِ الْمُسْتَفَادَةِ وَالْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ. وَثَمَتْ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ تَطَرَّقَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ، مِنْ ذَلِكَ كَمْ كَانَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ الْبِنَاءِ؟ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ تَجْمُلُ فِي ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ مَذْكُورَةٍ. الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: مَنْ قَالَ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي فَتْرَةِ الْبِنَاءِ كَانَ قَدْ قَارَبَ الْحُلُمَ، قَدْ قَارَبَ أَوْ جَاوَزَ الْحُلُمَ. وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى صِغَرِ سِنِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: مَنْ قَالَ أَنَّ عُمْرَهُ كَانَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً، أَيْ يَكُونُ عُمْرُهُ مَا يُقَارِبُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَبِهِ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَالْقَوْلُ الثَالِثُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ، كَثِيرٌ مِنْ كُتُبِ السِّيَرِ، وَكَذَلِكَ مِنْ الْمُعَاصِرِينَ جَنَحُوا لِهَذَا الْقَوْلِ الْآخِرِ، وَأَنَّ عُمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، خَمْسًا وَثَلَاثِينَ مِنْ السِّنِينَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَعَلَيْهِ الْكِبَارُ مِنْ أَهْلِ التَوَارِيخِ وَالسِّيَرِ كَابْنِ سِحَاقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرِهِ. مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَأْتِي مَسْأَلَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهِيَ: هَذِهِ الْفَتْرَةُ الَّتِي سَاهَمَ فِيهَا نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، هَلْ كَانَ مُتَزَوِّجًا أَمْ لَا؟ الْجُمْهُورُ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَجُمْهُورُ الْمُؤَرِّخِينَ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي ذَكَرُوا أَنَّ الزَوَاجَ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، الزَوَاجَ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، أَيْ أَنَّ نَبِيَّنَا مَا شَارَكَ فِي الْبِنَاءِ إلَّا وَقَدْ تَزَوَّجَ، إلَّا وَقَدْ تَزَوَّجَ. وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ. وَلِهَذَا مَنْ تَتَبَّعَ وَمَنْ قَرَأَ فِي السِّيَرِ يَرَاهُمْ يَذْكُرُونَ أَوَّلًا الزَوَاجَ، ثُمَّ بَعْدَهُ يَتْبَعُونَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ الْبَعْثَةَ، فَيَجْعَلُونَ الْكَعْبَةَ بَعْدَ الزَوَاجِ. وَهَذَا مِنْهُمْ إضَاحٌ وَبَيَانٌ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ كَانَ بِنَاؤُهَا بَعْدَ زَوَاجِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالْمُقَابِلُ: ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ الزَوَاجَ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ. وَهَذَا الَّذِي أَلْمَحَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ. وَمِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ: أَنَّ نَظَرَ إلَى حَالِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ الْبِنَاءِ. فِي الدُّرُوسِ السَّابِقَةِ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْبُنْيَانَ الْعَامَّ لِلْكَعْبَةِ كَانَ عَلَى ضَعْفٍ، لِكَثْرَةِ الْعَوَامِلِ الَّتِي أَثَّرَتْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْبِنَاءِ، فَكَانَ عِبَارَةً عَنْ حِجَارَةٍ مُرَصَّصَةٍ، وَكَانَ بِلَا سَقْفٍ. وَلِهَذَا كَانَ عُرْضَهُ لِدُخُولِ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ أَيْدِي أَثِيمَةٍ. وَكَذَلِكَ كَانَ قَامَتُهُ لَيْسَتْ بِتِلْكَ الْقَامَةِ الطَّوِيلَةِ، أَيْ: ارْتِفَاعُهُ كَانَ ضُعَيْفًا. فَكَانَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ الْعَامَةُ لِلْكَعْبَةِ عِنْدَمَا كُسِرَتْ وَهُدِمَتْ مِنْ أَجْلِ التَّعْمِيرِ، عُدِلَتْ بِمَا هُوَ أَوْثَقُ وَبِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ. وَمِنْ أَهَمِّ التَّغَيُّرَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْكَعْبَةِ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ حَيْثُ الْارْتِفَاعِ. فَقَدْ تَغَيَّرَ الْارْتِفَاعُ مِمَّا كَانَ ذَكَرَ فِي كُتُبِ السِّيَرِ أَنَّهُ كَانَ الْكَعْبَةَ لَرُبَّمَا إلَى قَامَةٍ أَوْ قَامَةٍ وَشَيْءٍ، أَوْ ثَمَانِيَةِ أَذْرُعٍ مَنْ يَطَالُ. لَكِنَّهَا بَعْدَ الْبِنَاءِ فَقَدْ قَامَ أَهْلُ قُرَيْشٍ بِالتَّشْيِيدِ الْكَعْبَةِ وَالْإِطَالَةِ فِي ارْتِفَاعِهَا حَتَّى بَلَغَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا بَلَغَتْ عِشْرِينَ ذِرَاعًا. وَسَوَاءٌ قُلْنَا هَذَا أَوْ ذَاكَ، فَالْعَدَدُ مُتَقَارِبٌ، أَيْ أَنَّهَا مَاذَا بَلَغَتْ ارْتِفَاعًا عَظِيمًا مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ. وَذَلِكَ مَا قُلْنَا لِحِمَايَتِهَا وَحِرَاسَتِهَا وَتَحْصِينِهَا حَتَّى لَا يَتَسَلَّقَ بِهَا مَنْ يَتَسَلَّقُ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّقْفِ: كَانَتْ فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا سَقْفٌ. لَكِنْ مَعَ الْبِنَاءِ الْجَدِيدِ مَعَ الْبِنَاءِ الْجَدِيدِ، فَقَدْ قَامَ أَهْلُ قُرَيْشٍ وَجَعَلُوا سَقْفًا، سُقِفَتْ، سُقِفَتْ، وَأُسْنِدَ هَذَا السَّقْفُ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ مِنْ خَشَبٍ، سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ مِنْ خَشَبٍ مِثْلَ الرُّكَيْزَةِ، أَعْمِدَةٍ جُعِلَتْ وَسَطَ الْكَعْبَةِ، بِهَا مَاذَا؟ أُخِمَ هَذَا السَّقْفُ الْعَالِي، مَاذَا الَّذِي أَحَاطَ بِالْكَعْبَةِ أَحَاطَ بِالْكَعْبَةِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَعْمِدَةُ مِنْ خَشَبٍ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ قَالَ: أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرُونَ فِي الدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ فِي رِتَبِ الطُّفَيْلِ فِي قِصَّةِ تِلْكَ السَّفِينَةِ الَّتِي تَكَسَّرَتْ، فَهُمْ اسْتَغْلُوا بَعْضَ أَخْشَابِهَا فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْأَعْمِدَةُ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ: فَقَدْ رُفِعَ بَابُ الْكَعْبَةِ عَنْ مُسْتَوَى الْأَرْضِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ ارْتِفَاعَهُ كَانَ عَلَى مِقْدَارِ قَامَةٍ. انْظُرْ بِنَاءَ بَيْتٍ، وَيُجْعَلُ بَابُ هَذَا الْبَيْتِ يَرْتَفِعُ عَنْ مُسْتَوَى الْأَرْضِ إلَى مُسْتَوَى قَامَةٍ. وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمِتْرَيْنِ، ارْتِفَاعُ الْبَابِ عَنْ مُسْتَوَى الْأَرْضِ، أَيْ ارْتِفَاعٌ عَظِيمٌ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ لِلدَّاخِلِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى هَذَا الْبَابِ أَوْ مِنْ وَسَطِ هَذَا الْبَابِ إلَّا عَنْ طَرِيقِ دَرَجٍ، يَأْتِي بِدَرَجٍ يَصْعَدُ حَتَّى يَدْخُلَ إلَى دَاخِلِ الْكَعْبَةِ. وَمَا هُوَ الْعِلَّةُ الْمُسَوِّغَةُ فِي جَعْلِ أَهْلِ قُرَيْشٍ يَتَّخِذُونَ هَذَا الْارْتِفَاعَ لِلْبَابِ؟ هُنَاكَ عُذْرٌ، قَالُوا: وَنُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ حِمَايَةٌ لِلْبَيْتِ مِنْ انْجِرَافِ بَعْضِ الْمِيَاهِ فِيهِ. قَالُوا: الْبَيْتُ مُعَرَّضٌ لِلسُّيُولِ وَالْأَمْطَارِ الشَّدِيدَةِ، فَلَوْ جَعَلْنَا الْبَابَ مُنْخَفِضًا سَتَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمِيَاهُ، وَتَكُونُ هُنَاكَ إشْكَالِيَّةٌ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَسَاسِ الْبَيْتِ. لَكِنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ وَبَيَّنَتْ السَّبَبَ وَالسِّرَّ فِي ارْتِفَاعِ هَذَا الْبَيْتِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: مَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ عَائِشَةُ كَانَتْ تَسْأَلُ أَسْئِلَةً عَنْ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، لَهَا عِلْمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مِمَّنْ شَارَكَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَنَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا هِيَ الْخَصَائِصُ وَمَا هِيَ الْقَرَائِنُ الْمُحِيطَةُ لَدَى الْكُفَّارِ عِنْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ. فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَشْيَاءَ خَاصَّةٍ بِالْبَيْتِ. فَمِنْ سُؤَالِهَا قَالَتْ عَلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: مَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَعَلَ ذَلِكَ قَوْمُك لِيَدْخُلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا». هَذَا هُوَ السِّرُّ، السِّرُّ مَاذَا؟ التَّمْيِيزُ، التَّفْضِيلُ، الْمَفْخَرَةُ، الشَّرَفُ. يَعْنِي مَا أَرَادُوا الْبَيْتَ يَكُونُ هَذَا مُتَنَاوَلًا لِكُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مِنْ الزُّوَّارِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مِنْ الْخَارِجِ، أَفْتَحُ الْبَابَ وَأَدْخُلُ، وَذَلِكَ يَفْتَحُ وَيَدْخُلُ، لَا، مَا أَرَادُوا ذَلِكَ. أَرَادُوا أَنْ هَذَا الْبَابَ بَابُ شَرَفٍ، لَا يَدْخُلُ إلَّا شُرَفَاءُ، وَلَا يَكَ إلَّا عَنْ طَرِيقِهِمْ. يَدْخُلُونَ مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُونَ مَنْ شَاءُوا، لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ. فَأَرَادُوا بِهَذَا الْفِعْلِ الْمَفْخَرَةَ لَهُمْ، بَلْ مَاذَا؟ بَلْ يُحْصِرُوا دُخُولَ الْبَيْتِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَلَا يَدْخُلُ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ. قَالُوا: فُلَانٌ يَدْخُلُ، يَعْنِي الْبَيْتَ، فَإِذَا أَذِنُوا لَهُ جَاءُوا لَهُ بِالدَّرَجِ فَصَعِدَ. وَأَمَّا مَنْ رَضُوا عَنْهُ تَرَكُوهُ، أَهْمَلُوهُ، وَمَا أَعْطَوْهُ شَيْئًا، وَمَا سَمَحُوا لَهُ بِالدُّخُولِ. فَهَذِهِ الْعِلَّةُ الَّتِي جَاءَتْ السُّنَّةُ فِي بَيَانِ السِّرِّ فِي جَعْلِ هَذَا الْبَيْتِ الْبَابُ مُرْتَفِعًا عَنْ مُسْتَوَى الْأَرْضِ. وَكَذَلِكَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ فِي الْكَعْبَةِ: أَنَّ الْكَعْبَةَ لَمْ تُقَمْ عَلَى الْبُنْيَانِ الْعَامِّ أَوْ عَلَى الْهَيْئَةِ الْعَامَّةِ، بَلْ هُنَاكَ جُزْءٌ مِنْ الْكَعْبَةِ لَمْ يُتِمَّ بِنَاؤُهُ، لَمْ يُتِمَّ بِنَاؤُهُ. لِمَاذَا؟ قَدْ ذَكَرْنَا فِي الدُّرُوسِ الْمَاضِيَةِ أَنَّ الْعَرَبَ وَأَهْلَ قُرَيْشٍ عِنْدَمَا أَرَادُوا بِنَاءَ الْكَعْبَةِ الْتَزَمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَاشْتَرَطُوا عَلَى غَيْرِهِمْ: أَنَّ الْأَمْوَالَ الَّتِي تُدْفَعُ لِبِنَاءِ هَذَا الْبَيْتِ الْمُعَظَّمِ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ حَلَالِ أَمْوَالِهِمْ، مَا كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمُشْتَبَهَةِ، لَيْسَ لَهَا مَقَامٌ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ. فَتَدَافَعَتْ الْأَمْوَالُ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ أَبْوَابٍ حَلَالٍ، وَتِمَّ فِيهَا الْبِنَاءُ. إلَّا أَنَّ النَفَقَةَ قَصُرَتْ، النَفَقَةُ قَصُرَتْ، مَا اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُوَفِيَ بِالْمُخَطَّطِ الْعَامِّ، الْمُخَطَّطُ الْعَامُّ مَا كَانَ، وَلَا أُمْكِنَ مَاذَا؟ أَنْ تَفِيَ الْأَمْوَالُ بِهَذَا الْبِنَاءِ. فَمَاذَا فَعَلُوا حِينَهَا؟ جُزْءٌ مِنْ الْكَعْبَةِ تُرِكَ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى إكْمَالِهِ. وَهَذَا الْمَكَانُ كَانَ مَا يُقَارِبُ سِتَّةَ أَذْرُعٍ، سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنْ الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنْ الْكَعْبَةِ، سِتَّةُ أَذْرُعٍ مِنْ الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ. هَذِهِ مِنْ الْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ. وَلِهَذَا حَتَّى يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ هَذِهِ قِطْعَةٌ مِنْ الْكَعْبَةِ، جُعِلَتْ حُدُودًا، جُعِلَتْ الْحُدُودُ، وَهُوَ ذَاكَ الْجِدَارُ، الْجِدَارُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُبْنَى هَكَذَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ مِنْ الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ. هَذَا الْجِدَارُ الْغَرَضُ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ حُدُودُ الْكَعْبَةِ، أَنَّ هَذَا مِنْ حُدُودِ الْكَعْبَةِ. وَهَذَا الَّذِي يُسَهِّلُ مَعْرِفَةَ الْآنَ بِالْحَجَرِ الْمُسَمَّى بِالْحَجَرِ. وَلِهَذَا قَدْ بَيَّنَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قِصَّةَ هَذَا الْحَجَرِ وَالسِّرَّ فِي عَدَمِ اسْتِكْمَالِ قُرَيْشٍ لِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ. فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْجِدْرِ - أَوْ عَنْ الْجَدْرِ - وَهُوَ الْجِدَارُ الَّذِي بُنِيَ وَكَانَ فِي زَمَنِهِمْ. سَأَتْعَرَفُ عَنْ النَّبِيِّ عَنْ الْجِدْرِ: أَمِنَ الْبَيْتِ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «نَعَمْ»، أَيْ أَنَّ هَذَا الْجِدْرَ هُوَ الْجِدَارُ، هَذَا مِنْ الْبَيْتِ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إنَّ قَوْمَك قَصُرَتْ بِهِمْ النَفَقَةُ»، قَصُرَتْ بِهِمْ النَفَقَةُ. فَهَذَا شَاهِدٌ لِمَا قُلْنَا: أَنَّ النَفَقَةَ قَصُرَتْ، فَأَخْرَجُوا هَذَا الْجُزْءَ مِنْ الْكَعْبَةِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ الْحَجَرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْكَعْبَةِ، الْحَجَرُ حُكْمُهُ حُكْمُ الْكَعْبَةِ، يُعَامَلُ كَأَنَّكَ دَاخِلٌ الْكَعْبَةَ. وَفِي السُّنَنِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ. كَانَتْ عَائِشَةُ تُرِيدُ وَتَتَمَنَّى أَنْ تُوفَقَ فِي دُخُولِ دَاخِلِ الْبَيْتِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ. قَالَتْ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الْحَجَرَ، فَقَالَ: «إنْ أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ فَصَلِي هَاهُنَا»، «إنْ أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ فَصَلِي هَاهُنَا». «فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ»، قِطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ. «لَكِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حَيْثُ بَنَوْهُ»، اقْتَصَرُوا حَيْثُ بَنَوْهُ. وَالْحَدِيثُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِرْوَاءِ. إِذَنْ هَذَا مِنْ التَّغَيُّرَاتِ: أَنَّ الْكَعْبَةَ لَمْ تُسْتَكْمَلْ عَلَى الْهَيْكَلِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ أُخْرِجَتْ لِلْعِلَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الْمَسْمُوعَةِ، وَهِيَ مَاذَا؟ أَنَّ النَفَقَةَ قَصُرَتْ بِالْقَوْمِ، فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَسْتَكْمِلُوا. وَكَذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي فَعَلَتْهَا قُرَيْشٌ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ: أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا التَّصَاوِيرَ، أَدْخَلُوا التَّصَاوِيرَ إلَى دَاخِلِ الْكَعْبَةِ، عَلَّقُوا التَّصَاوِيرَ وَرَسَمُوا، عَلَّقُوا وَرَسَمُوا تَصَاوِيرَ، زَعَمُوا أَنَّهَا لِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ كَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهَكَذَا. وَذُكِرَتْ قِصَّةُ صُورَةِ مَرْيَمَ. وَنُقِلَ كَذَلِكَ وَجَاءَ فِي بَعْضِ السُّنَنِ: بَعْضُ الصُّوَرِ الْمَلَائِكَةِ، تَخَيَّلُوهَا ثُمَّ جَسَّمُوهَا وَصَوَّرُوهَا فِي دَاخِلِ الْكَعْبَةِ. وَأَيْضًا كَذَلِكَ مِمَّا فَعَلَتْهُ قُرَيْشٌ وَتَتَابَعَتْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّائِلُ: الْكِسْوَةُ. فَمَاذَا جَعَلُوا عَلَيْهَا؟ كِسْوَةً تُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ، تُحِيطُ بِالْكَعْبَةِ. وَاتَّخَذَتْ الْعَرَبُ هَذِهِ السُّنَّةَ إلَى ثَمَانِينَ هَذَا. وَكَانَ الْعَرَبُ قَدِيمًا فِي كُلِّ عَامٍ فِي كُلِّ عَامٍ يَجْعَلُونَ لِلْكَعْبَةِ كِسْوَةً خَاصَّةً بِهَا. وَبَعْضُهُمْ قَالَ: أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. فَهَذِهِ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ فِي اللَّهِ أَهَمُّ التَّغَيُّرَاتِ وَأَهَمُّ الْمَظَاهِرِ، الْمَظَاهِرِ الْمُتَغَيِّرَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِلْكَعْبَةِ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى يَدِ قُرَيْشٍ. بَقِيَ مَسْأَلَةٌ: هَلْ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتُ كَانَتْ مَحَلَّ رِضًا مِنْ شَرْعِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا؟ هَلْ كَانَ الشَّرْعُ يُوَافِقُ عَلَى هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ؟ أَمْ أَنَّ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ مِنْهَا مَا كَانَ مُوجِبًا لِلتَّغْيِيرِ، وَفِي بَعْضِهَا الْأَوْلَى وَالْأَجْدَرُ يُكْتَفَى فِيهَا بِمَا هِيَ عَلَيْهِ؟ وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ سَيَأْتِي مَعَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي دَرَسٍ قَادِمٍ، وَذَلِكَ بِذِكْرِ هَذِهِ التَّغَيُّرَاتِ مَعَ حُكْمِ الشَّرْعِ، مُوَافَقَةً لِذَلِكَ أَمْ مُغَيِّرَةً أَوْ مُعَدِّلَةً أَوْ مُوجِبَةً لِلتَّغْيِيرِ. وَكَذَلِكَ سَيَكُونُ الْكَلَامُ كَذَلِكَ عَلَى الْخَطِّ التَّارِيخِيِّ فِي تَكْسِيرِ الْكَعْبَةِ، مِنْ أَوَّلِ مَرَاحِلِهَا إلَى هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ. إلَى هُنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.