شرح لامية شيخ الإسلام 4

الدرس في شرح لامية شيخ الإسلام 4، الدرس الرابع : ( وَلِكُلِّهِمْ قَـدْرٌ عَلاَ وَفَضَائلٌ ) إلى ( آياتُـهُ فَهْوَ الْكَرِيمُ الْـمُنزَلُ ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

منزلة الصحابة وموقف المسلم منهم

يتناول فضل الصحابة ومنزلتهم، ويبين تفاوت درجاتهم في الفضائل مع ذكر أفضلهم. يحذر من سبهم أو تكفيرهم أو الغلو فيهم، ويعتبر ذلك كفرًا أو فسقًا حسب الحالة.

حكم سب الصحابة وأزواج النبي محمد

يتناول حكم سب الصحابة وأزواج النبي، حيث يعتبر سب أبي بكر أو عائشة كفرًا لما في ذلك من الطعن في الدين. كما يذكر أن من طعن في أزواج النبي يعتبر كافرا لاتهامه النبي بالطعن فيهن.

صفات القرآن ومراتب نزوله

يصف القرآن بأنه كلام الله حقيقة، غير مخلوق، ومنزل من عنده، مع توضيح مراتب إنزاله الثلاث: كتابته في اللوح المحفوظ، ثم إلى بيت العزة، وأخيراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم منجما.

حقيقة كلام الله المنزل على النبي

يؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ كلام الله عز وجل حقيقة، وليس كما يزعم البعض أنه من اللوح المحفوظ أو بيت العزة، مستنداً إلى الحديث النبوي الذي يؤكد أن ما يبلغه النبي هو كلام الله الحقيقي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فيما مضى معنا من اللامية: ولكلهم قدر على وفضائل، لكنما الصديق منهم أفضل. ذكى رحمه الله تعالى وأجمل أن حب الصحابة كلهم له مذهب، أي معتقد يعتقده وقول يقول به. وكذا قال: ومودة القربى بها أتوسل. وقد تقدم الكلام على هذا البيت مستوفى. ثم قال: ولكلهم قدر على وفضائل، لكنما الصديق منهم أفضل. أي: ولكل واحد من الصحابة قدر ومنزلة عالية وفضائل، وهم في الفضائل متفاوتون ومتفاضلون. لذا كان من حيث العموم، كما ذكر بعض أهل العلم، أن المهاجرين أفضل من الأنصار من حيث العموم. وأيضا من حيث العموم، من جهة أخرى، قالوا: أفضل الصحابة أهل بدر، ثم أهل العقبة. هذا كذلك من حيث العموم. وكذلك من حيث الفضل، الصحابة -أي باعتبار الأفراد- الصحابة الذين جاء التنصيص بفضائلهم، هؤلاء أفضل كذلك من غيرهم. وأفضل هؤلاء مطلقا العشرة الذين بشروا بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وطلحة وزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح. وأفضل هؤلاء العشرة الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وأفضل هؤلاء الأربعة أبو بكر الصديق، رضي الله عنهم أجمعين. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولكلهم قدر على وفضائل، لكنما الصديق منهم أفضل. فالصديق -كما مر معنا أمس- أفضل الصحابة مطلقا، بل أفضل الناس مطلقا بعد الأنبياء والرسل، رضي الله عنهم وأرضاهم. وتقدم معنا في الدرس الماضي أن طائفتين في هذا الباب منحرفتين في الصحابة: الخوارج يكفرون الصحابة أو كثيرا من الصحابة، والرافضة كذلك يكفرون كثيرا من الصحابة أو أكثر الصحابة، ويغلون في بعضهم. وهذا الغلو زائف، يغلون في علي وآل بيته. وبعضهم -كالناصبة- يبغضون أهل البيت ويسبونهم ويتنقصونهم. وهذه كلها فرق ضالة، منحرفة عن الطريق القويم. ولا يجوز لأحد أن يسب مسلما، فضلا أن يسب صحابيا جليلا. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «قتال المسلم كفر، سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وذروة المسلمين هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. بل يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هؤلاء الصحابة: «لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي». وهذا نهي، والنهي الأصل فيه التحريم. فهذا نهي عن سب أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن سب الصحابة، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، فكفرهم كلهم أو أكثرهم، أو فسقهم كلهم أو أكثرهم، فهو كافر. بل يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ومن لم يكفرهم فهو كافر؛ لأنه أنكر أو كذب بشيء معلوم من الدين بالضرورة، وهو عدالة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. وكذا ثناء الله عز وجل على هؤلاء الصحابة، فهو مكذب لثناء الله عز وجل ولرضوان الله عز وجل عنهم، رضي الله عنهم وأرضاهم. ومن سبهم بغير التكفير والتفسيق، كأن يسبهم باللعن وما شابه ذلك، جماعة من أهل العلم أيضا حكموا عليه بأنه يكفر. وصف ثالث، أو قسم ثالث، أن يسب الصحابة بأن يتنقصهم بشيء من أمور الدنيا، كأن يصفهم بالبخل والجبن ونحوه، فهو فاسق وهو على خطر عظيم. هذا بالنسبة للصحابة من حيث العموم. وإلا فإن بعض أهل العلم نص تنصيصا على أن من سب أبا بكر خاصة فإنه يكفر؛ لأنه ذروة المؤمنين ورأس الصحابة، رضي الله عنه وأرضاهم. فمن طعن فيه فهو لمن وراءه ولمن بعده من باب أولى. وكذا بعضهم نص كذلك في عمار، رضي الله عنهم أجمعين؛ لأنهما ذروة الصحابة، وهما خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيراه وصاحباه. وكذلك ذكر العلماء رحمهم الله تعالى هنا أيضا من مسائل السب، سب أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وذكروا في المسألة تفصيلا، فقالوا: فيمن سب عائشة رضي الله عنها وأرضاها فيما برأها الله عز وجل منه، فإنه كافر بإجماع؛ لأنه مكذب للقرآن. لأن الله عز وجل قد نص على تبرئتها في القرآن العظيم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إلى آخر الآيات المذكورة في تبرئة عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها وأرضاها. وهذا كما سمعتم محل إجماع. ومن طعن في غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كذلك اختلف، أو ذكر في المسألة قولان. وأرجحهما أن حكمهم كحكم عائشة؛ لقول الله عز وجل: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ فمن قذف واحدة منهم فهو قاذف للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وطاعن في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لهذه الآية: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾. لذا نص غير واحد من أهل العلم بأن من طعن في واحدة منهم فإنه يكون كافرا بالله العظيم. قال رحمه الله تعالى: وأقول في القرآن ما جاءت به آياته، فهو الكريم المنزل. جاءت في بعض النسخ: فهو القديم المنزل. قوله رحمه الله تعالى: وأقول، أي: وأذهب وأعتقد في القرآن؛ لأن القول -كما مر معنا- يطلق ويراد به هذه المعاني. قال: وأقول في القرآن، والقرآن هو كلام الله عز وجل المنزل الذي أنزله الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو المجموع في المصحف. وصار هذا اللفظ علما على كلام الله عز وجل المجموع في المصحف. فقوله رحمه الله تعالى: وأقول في القرآن ما جاءت به آياته، أي: يقول في القرآن ما جاءت به الآيات والنصوص الدالة على أن القرآن من كلام الله عز وجل. والآيات في ذلك كثيرة، منها قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وهذا نص في أن القرآن كلام الله عز وجل. قوله رحمه الله تعالى: فهو الكريم المنزل. القرآن كريم؛ لأنه من صفات الله عز وجل، فهو من صفات الله عز وجل. وهو كذلك المنزل، القرآن منزل من عند الله عز وجل. نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين. فالكتاب منزل من عند الله عز وجل. وقد دل القرآن في آيات كثيرة على هذا المعنى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾. وما شابه ذلك من الآيات تدل على أن القرآن منزل من عند الله عز وجل. وإذا كان منزل من عند الله عز وجل فهو غير مخلوق؛ بمعنى أن الله عز وجل تكلم به حقيقة، تكلم به جبريل، وكلم به جبريل محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهو من الله عز وجل حقيقة، منزل من عند الله عز وجل، تكلم به ربنا عز وجل حقيقة. لا كما يقول المخالفون لطريقة أهل السنة والجماعة: من أن القرآن ليس من كلام الله عز وجل، ولكنه مخلوق. وقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهو الكريم المنزل، كذلك -كما سمعتم- فيه تقرير لمذهب أهل السنة والجماعة: من أن القرآن كلام الله عز وجل، منزل غير مخلوق. منه بدأ وإليه يعود. ومعنى منه بدأ: أي أن الله عز وجل ابتدأ بالكلام به، فلم يقل الكلام من عند غير الله عز وجل، بل هو من عند الله عز وجل، هو الذي ابتدأ به. وإليه يعود: بمعنى أن الكلام يعود إلى من تكلم به ابتداء، فمنه بدأ وإليه يعود سبحانه وتعالى. وقال بعض أهل العلم: إن قولهم: منه بدأ وإليه يعود، البدو هنا بمعنى الظهور؛ أي: من الله عز وجل ظهر الكلام، فالله عز وجل هو المتكلم به حقيقة، ومن عند الله عز وجل ظهر الكلام، لم يصدر من غير الله عز وجل. وإليه يعود: قالوا: وذلك قرب الساعة، حينما ينزع من صدور الرجال، كما جاء في السنة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، هذا المعنى. وقد تكلم العلماء رحمهم الله تعالى على مسائل من هذه المسائل: أن القرآن أنزل على ثلاث مراتب. المرتبة الأولى: مرتبة كتابته في اللوح المحفوظ. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. فذكر غير واحد من أهل العلم أن الكتاب -أي القرآن- مكتوب في اللوح المحفوظ. وهذه أول مراتب القرآن الكريم. المرتبة الثانية: مرتبة إنزال القرآن إلى بيت العزة في سماء الدنيا، وذلك في ليلة القدر في شهر رمضان. كما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. فيدل على أن القرآن أنزل في ليلة القدر وفي شهر رمضان. وهذه هي المنزلة أو المرتبة الثانية من مراتب إنزال القرآن. المرتبة الثالثة: مرتبة إنزال القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم منجما بحسب الوقائع والحوادث. ومعنى هذا: أن الله عز وجل يكلم به جبريل عليه السلام، فينزله جبريل على نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم من كان حاضرا من الصحابة، يبلغهم كلام الله عز وجل. فهذه مراتب ثلاث، والمرتبة الثالثة زل فيها بعض المبتدعة كالأشاعرة، فيقولون: إن جبريل عليه السلام أنزل القرآن من بيت العزة. وبعضهم يقول: إنه أنزله من اللوح المحفوظ، ولم ينزله من عند الله عز وجل. ومعنى هذا: أن القرآن الذي أنزل ليس من كلام الله عز وجل، ولا أن الله عز وجل تكلم به حقيقة. وهذا باطل، مناف مخالف لأدلة القرآن والسنة الدالة على أن القرآن من عند الله عز وجل. تقدم قول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره كان يذهب إلى الناس فيقول: «من يؤويني حتى أبلغ كلام ربي؟» وكلام ربه ما هو القرآن؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حتى أبلغ كلام ربي عز وجل». فهو كلام الله عز وجل حقيقة، لا كما يقول هؤلاء: إنه من اللوح المحفوظ أو إنه من بيت العزة. نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى في درس قادم.