الدرس في شرح العقيدة التدمرية 27، ألقاها
شيخ الإسلام يذكر إنكار الأئمة على الجهمية وتحريفهم للقرآن وتأويلهم المتشابه. كما يتناول صحة نسبة كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد. يشرح الفرق بين التأويل الحق والتأويل الفاسد.
يشرح شيخ الإسلام الفرق بين التأويل الحق والتأويل الفاسد، وينتقد من ينفي التأويل مطلقًا مستدلًا بآية ﴿ما يعلم تأويله إلا الله﴾. يبين أن الآية تشير إلى تأويل لا يعلمه إلا الله.
يناقش المقطع تناقض الكثير من الناس في مسألة تأويل الألفاظ الدينية سواء من نفاة الصفات أو مثبتيها. يوضح أن التأويل المذموم هو تأويل أهل التحريف والبدع.
بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرفون الكلمة عن مواضعها تأويل متشابه، تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شككوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ويتكلم أيضًا على مسألة الاجتباء وأنه قد يكون باعتبار دون اعتبار، وذكر أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره أنكر على هؤلاء الذين يحرفون الكلمة عن مواضعها، فأدخلوا باب الأسماء والصفات من المتشابه، ثم حاولوا أن يضربوا القرآن بعضه ببعض، فرد عليهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية، وهو المشهور الآن بكتاب الرد على الجهمية. وهذا الكتاب من أهل العلم من يصحح نسبته إلى الإمام أحمد رحمه الله كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وطائفة، ومنهم من يشكك في ثبوته إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى لوجود بعض الألفاظ التي قالوا إنها لم تكن معروفة في زمن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. ولكن جماعة من المحققين في مسائل العقيدة وكذلك من العارفين بأقوال الإمام أحمد رحمه الله تعالى يصححون هذه النسبة إلى الإمام أحمد، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، صلى الله عليه وسلم. وإنما ذمهم لكونهم تأولوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينفوا مطلق لفظ التأويل، كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله به، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد به الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو. وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، وهذه طريقة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتبه يتكلم ويحقق وينبه، وكذلك يشير ثم يحيد رحمه الله تعالى على كلام أوسع من الكلام الذي نحن فيه. قال رحمه الله تعالى: ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون إن التأويل باطل وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ما يعلم تأويله إلا الله﴾، ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل، وهذا تناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلًا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقًا. وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو، وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك. وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقًا ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قد يظنون أن خطابنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء. قال رحمه الله تعالى: ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله؛ أي: من لم يميز بين التأويل الحق وبين التأويل الفاسد اضطربت أقواله. ثم قال: مثل طائفة يقولون إن التأويل باطل، فيدخل في لفظ التأويل كل تأويل بالمعاني الثلاثة، وقالوا: وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره. قال شيخ الإسلام: وهذا تناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلًا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقًا. وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا الله، وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع. قال رحمه الله تعالى: وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقًا ويحتجون بقول الله جل وعلا: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ قد يظنون أن خطابنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يفهم منه شيء. قال: أو بما لا معنى له أطلقا، أو بما لا يفهم منه شيء وإن كان له معنى. فهم بهذا النفي نفوا الحق والباطل، ثم استدلوا على النفي بقول الله جل وعلا: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، وهذه الآية فيها دلالة على إثبات التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. قال: فإن تلك المعاني التي دل عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأن إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلأن لا نعرف المعاني التي يدل عليها اللفظ أو لا. قال: ولأن إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله، المراد ومدلوله، فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أو لا؛ بمعنى أننا إذا ما كنا نعلم منطوق اللفظ ومفهومه الظاهر منه، فمن باب أولى أن لا نعرف مفهومه بالمعنى المعاكس المخالف. قال: لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني، ولا يفهم منه معنى أصلا، لم يكن مشعرًا بما أريد به، فلألا يكون مشعرًا بما لم يرد به. قال: فلا يجوز أن يقال إن هذا اللفظ متأول بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح؛ لأن من أثبت تأويلًا أو نفاه فقد فهم معنى من المعاني. قال: وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب. والله تعالى أعلم، سبحانه الله، والحمد لله، ولا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.