شرح الأصول الثلاثة 11

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 11، الدرس الحادي عشر : ( ودليل الرجاء ... ومن يتوكل على الله فهو حسبه ). ألقاها

مفهوم الرجاء وشرط قبول العمل

المقطع يشرح مفهوم الرجاء المحمود وارتباطه بالعمل الصالح والتوبة الصادقة. كما يبين شرط قبول العمل عند الله وهو الإخلاص في العبادة.

التوازن بين الرجاء والخوف والتوكل

يشرح المقطع أهمية التوازن بين الرجاء والخوف كعبادتين قلبية ضروريتين للإيمان. كما يبين حقيقة التوكل على الله وتفويض الأمر إليه مع الأخذ بالأسباب.

حقيقة التوكل على الله وأثره

المقطع يوضح حقيقة التوكل على الله وأنه عبادة جليلة تكفي صاحبها شر كل شيء وتجلب له الخير. كما يشير إلى أهمية التوكل في جلب الرزق.

التوكل والرزق وفق الحديث النبوي

يشرح المقطع الحديث النبوي الذي يبين أهمية التوكل الصحيح في جلب الرزق الوفير، مستشهداً برزق الطير التي تغدو خماصاً وتروح بطاناً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، قال رحمه الله تعالى: ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قوله رحمه الله تعالى: ودليل الرجاء، أي ما يدل على الرجاء. والرجاء: تعريف الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله، هكذا عرفه بعضهم. وعرفه بعضهم بأنه الطمع بما عند الله عز وجل مع بذل العمل، قالوا: فإن لم يبذل العمل كان طمعًا ولا يقال إنه رجاء. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن الرجاء ثلاثة أنواع، أن الرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع مذموم. فأما المحمودان، فهو رجاء الرجل الذي عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه. والنوع الثاني: رجل أذنب فتاب وصدق في توبته، فهو كذلك يرجو ثوابه. ورجل، وهذا النوع الثالث، رجل متماد في المعاصي، مفرط في الطاعات، ومع هذا يرجو ثواب الله، فهذا متلاعب. قال رحمه الله: ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وقوله رحمه الله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يرجو لقاء ربه ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، وهذا فيه إشارة إلى أن مجرد الرجاء بالتمني لا ينفع، بل لا بد من بذل الأسباب والأعمال وبدل الطاعات حتى ينال ثواب الله عز وجل. لذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. وقوله: ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي موافقًا لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أن يكون ذلك العمل خالصًا لله عز وجل. فهذه الآية كما قال جماعة من أهل العلم جمعت شرطين للعبادة، فإن للعبادة شرطين: الأول إخلاص العمل لله عز وجل، والثاني أن يكون موافقًا لشرع الله، أي موافقًا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشرع. فلا يقبل الله عملًا من عامل إلا أن يجمع في عمله هذين الشرطين: إخلاص العمل لله، وليكون العمل موافقًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لذا قال العلماء رحمهم الله: وقال بعض العلماء حينما عرف الرجاء، فقال: الرجاء هو الطمع فيما عند الله عز وجل مع بذل العمل. قال: فمن لم يبذل العمل فهو مغرور. وهذا هو معنى النوع الثالث الذي تمادى في المعاصي وفرط في الطاعات ومع هذا يطلب ثواب الله عز وجل، فهذا مفرط مغرور. والرجاء عبادة من العبادات القلبية، والرجاء وكذا الخوف من العبادات القلبية الجليلة التي لا يصح إيمان إلا بهما، ولا عمل صالح إلا بهما. فلابد للمؤمن من خوف ورجاء، فمن لم يكن عنده خوف من الله عز وجل أصلا فليس بمؤمن. ويدل عليه قول الله عز وجل في الآية السابقة: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. فأصل الخوف مطلوب أن يكون عند المؤمن، وزيادته محبوبة. وكذلك أصل الرجاء لا بد من وجوده في المؤمن، وزيادة ذلك الرجاء والتقرب إلى الله عز وجل بذلك الرجاء مع الخوف عبادة جليلة. كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، قالوا: ينبغي بل يجب على المؤمن أن لا يغلب جانب الخوف على الرجاء، ولا الرجاء على الخوف، بل يكون حاله كحال الطائر بجناحيه، جناح الرجاء وجناح الخوف. يقولون: إذا زاد أحدهما وقصر في الآخر لم يطر ذلك الطائر، وكذلك يحصل في إيمان العبد، يحصل خلل إذا غلب الخوف على الرجاء أو العكس، حصل خلل في إيمانه. قال رحمه الله تعالى: ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. التوكل عرفه بعض أهل العلم، فقالوا: هو اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب. وبعض العلماء رحمهم الله تعالى عرفه بتعريف مقارب، فقالوا: أن التوكل هو اللجوء إلى الله والثقة به والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه. ولابد من بذل الأسباب والعمل بالأسباب. فالتوكل حقيقته هو الاعتماد على الله والثقة به وتفويض الأمر إلى الله مع بذل الأسباب. لذا قال العلماء رحمهم الله تعالى: يشترط في التوكل حتى يكون توكلًا صحيحًا الأمران: اللجوء إليه والاعتصام به وتفويض الأمر إليه مع بذل السبب. قال الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى: الاعتماد على الأسباب وحدها شرك، وترك الأسباب طعن في الشريعة. قوله رحمه الله تعالى: ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن «إن» هنا شرطية، فلا يتحقق المشروط إلا بالمجيء بالشرط، فلابد للمؤمن من أن يكون متوكلا. ومن يتوكل على الله فهو حسبه، أي من عمل بالأسباب الظاهرة وتوكل على الله عز وجل وفوض أمره إلى الله عز وجل ووثق بما عند الله عز وجل، فهو حسبه. ومعنى هو حسبه، أي هو كافيه. وإذا كان ربك عز وجل قد وعدك بهذا، فنعمة عظيمة وكرامة جليلة لمن وفق إلى ذلك. وهذا يدلنا على أن التوكل عبادة عظيمة وجليلة لا يقوم بها إلا الخواص من عباد الله عز وجل المؤمنين وخالص أوليائه الصالحين. وأن من وفق لهذا التوكل حقيقة، قام بالتوكل حق التوكل، فإن الله عز وجل كافيه أمره كله، يكفيك أمر الأعداء، ويكفيك أمر الرزق، ويكفيك أمر كل شيء. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. انظروا إلى الآية التي قبلها: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ يجعل له مخرجًا من كل ضيق ومن كل كرب. ثم قال: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أي من حيث لا يدري ولا يشعر. ثم قال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. فمن جمع بين هذه الآية وهذه الآية، ظهر له بوضوح عظمة التوكل. ولا يقوم بالتوكل إلا تقي، يكفيه الله عز وجل أمر الرزق وأمر الشر، يدفع عنه المضار ويجلب له المنافع. فانظروا إلى إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار، ماذا قال؟ قال: «حسبي الله ونعم الوكيل». قال الله عز وجل للنار: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، حينما حصل من المسلمين ما حصل، ثم في اليوم الثاني جهز النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقد أنهكتهم الجراحة، فقال لهم: «ندرك قريشًا ونقاتلهم». فقال بعض الناس: «إن القوم قد جمعوا لكم». فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: «حسبنا الله ونعم الوكيل». قال الله عز وجل: ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. فهي عبادة عظيمة، من قام بها كفاه الله عز وجل شر كل شيء، وجلب له الله عز وجل من النعم والخير والصلاح للقلب والبدن. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خماصًا وتروح بطانًا». سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على