الدرس في شرح الأصول الثلاثة 13، الدرس الثالث عشر : ( ودليل الإستعانة ... إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ). ألقاها
الاستعانة بالله تعني الاعتماد عليه في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به، وهي عبادة جليلة يجب أن تصرف لله وحده. الإنسان مفتقر إلى ربه في كل أموره الدينية والدنيوية.
الاستعانة بالله عز وجل ضرورية لتحقيق الطاعات والعبادات، حيث إن الإنسان لا يستطيع القيام بأي عمل دون عون الله وتوفيقه. هذا الفقر الذاتي للإنسان يبرز غنى الله الذاتي.
الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة لها أقسام مختلفة، منها ما هو جائز ومنها ما هو محرم. الاستعانة تكون في طلب النفع أو دفع الضرر، والاستعاذة في طلب دفع الأذى.
الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته والاستغفار والتوبة إليه يعبر عن تواضع العبد واعترافه بذنوبه ورغبته في التوبة. يتضمن تسبيح الله وتنزيهه عن كل نقص.
طيب، وقفنا عند قوله رحمه الله تعالى: ودليل الاستعانة، قال رحمه الله تعالى: ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وفي الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله». قوله: ودليل الاستعانة، الاستعانة طلب العون، الاجتهانة لغة: طلب العود؛ لأن الألف والسين يدلان على هذا المعنى، الألف والسين والسين الغالب بأنها تدل على الطلب. وشرعا: هي الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار مع الثقة به في تحصيل ذلك. طيب، نشرح التعريف حتى يتبين معنا الاستعانة. قوله: هي الاعتماد على الله، الاعتماد على الله معلوم معناه، وهو بمعنى الثقة بالله عز وجل في جلب المنافع، أي أن إنسانا يطمع في فعل بعض المنافع، سواء كانت هذه منافع دينية كإقامة الصلاة والطاعات والحج وما شابه ذلك، فهذه عبادات يحتاج الإنسان لتحقيق القيام بها معونة من الله عز وجل، فإنه فقير لا يستطيع إن اعتمد على قواه وحده، وإن بدل الأسباب ولم ينظر إلى عون الله ولم يعنه الله عز وجل فإنه لا يعمل ذلك العمل، ولو بدل ما بدل من الأسباب، إلا أن يعينه الله عز وجل. إن أعانه الله عز وجل على ذلك العمل أقامه، ولو كان من الطاعات. فكم من إنسان مثلا ينام باكرا، أي ينام سريعا في الليل لأجل أن يقوم لصلاة الليل، ولكنه لم يعنه الله عز وجل على قيام تلك الليلة، وبدل الأسباب ربما عمل الساعة بجانبه، ووقتها على الوقت، ونبه من نبه من الناس أن يقضوا في ذلك الوقت. إن أراد الله عز وجل، وإن لم يعنه الله عز وجل على ذلك القيام، وهي طاعة عظيمة، لم يستطع القيام، لم يستطع القيام. فدل هذا على أن الإنسان مفتقر إلى الله عز وجل في ماذا؟ في عمل الطاعات، في عمل الطاعات، مفتقر إلى الله عز وجل في إعانته وتوفيقه للقيام بتلك الطاعات. وهذا يدلنا على فقر الإنسان الذاتي، وغنى الله عز وجل، وغنى الله الذاتي، فالله الغني، ونحن الفقراء، فقراء في كل أمر، لا نستطيع أن نعمل شيئا، ولا أن نتغير أو نتحول من حال إلى حال إلا بعون، لا يتوفيقه. وهذا معنى «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فالإنسان لا يستطيع أن يتحول من حال إلى حال، وليس له قوة على ذلك التحول إلا بماذا؟ إلا بالله، والباء هنا الاستعانة، إلا بعون الله، إلا بعون الله، وبتوفيق الله عز وجل له. فهذا يدلنا على هذا المعنى أن الإنسان في كل أمر يبدل السبب، ويطلب من ربه عز وجل العون على القيام بذلك العمل؛ لأنه إذا لم يعنه الله عز وجل، ولو عمل ما عمل، فإنه لن يقوم بذلك العمل. ولو أعانه الله عز وجل، ولو أنه ما تهيأ بتلك الأسباب الكبيرة، ربما يوفقه الله عز وجل، إن كان أراد الله عز وجل له العون. فكم من إنسان غير مهيئ مثلا لطلب العلم، ذاك التهيئ، فأراد الله عز وجل به خيرا، فأعانه عليه، فكان من أهله. وكم من إنسان تهيئ، ولم يعنه الله عز وجل، فلم يكن من أهله. وأضرب مثالا بعبادة واضحة جلية، الحج والعمرة. كم من إنسان يريده، بل قد يتهيأ بالمال، وتهيأ ببعض الأسباب الظاهرة للذهاب لأداء هذه الشعيرة، الحج، وربما إذا لم يعنه الله عز وجل لم يوفق، ولم يقم بذلك العمل، يصرف إما بمرض أو بغيرها من الموانع. وضح هذا الأمر أم لا؟ فالإنسان مفتقر إلى ربه عز وجل في جلب المنافع، ودفع المضار. ومن أعظم المضار، مضار المعاصي، مضار المعاصي بشتى أنواعها. فإن الإنسان لا حول له ولا قوة إلا بالله، كما سمعتم. إنسان إذا ما وفقه الله عز وجل، وعانه على البعد عن المعاصي، واجتناب المعاصي، خذل ووقع في تلك المعاصي، واقترفها. فالأمر من الله وإليه، فالأمر من الله وإليه. فقوله: هي الاعتماد على الله في جلب المنافع، كما سمعتم، منافع دينية، وكذا منافع دنيوية، أي من تحصيل المعاش ونحوه. إنسان أيضا مفتقر إلى الله عز وجل في أن يعينه على قيام بأعماله، وتحصيل مراداته الدنيوية كذلك. فهو يبدل السبب، ويعتمد على الله عز وجل في حصول ما أراد. فإن أراد الله عز وجل إعانته، حصل له ما أراد. وإن لم يرد، لم يحصل له المراد في أموره الدنيوية والدينية. وكذلك في المضار، وكذلك في المضار الدينية والدنيوية. لذا قال: هي الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك. الثقة بالله عز وجل، أي أن يعلق القلب بالله عز وجل في تحصيل تلك المرادات، سواء كانت دنيوية أو أخروية. وفي دفع ذلك المضار، سواء كانت مضار في الدين أو مضار في الدنيا. وهذا يبين لنا عظمة استعانة، وأنها عبادة جليلة عظيمة، يوفق إليها الموفقون الخلص، ويصرف عنها المخذولون. لذا قال الله عز وجل إشارة إلى هذا المعنى، قال الله عز وجل في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، إياك مفعول به مقدم لنعبد، وكذلك إياك نستعين، مفعول به مقدم لنستعين. والعلماء، علماء المعاني والبلاغة، يقولون: تقديم حقه التأخير يفيد الحصر. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يدل على هذا المعنى. فالإنسان لا يعبد إلا الله عز وجل، وهو مفتقر إلى عون الله عز وجل للقيام بهذه العبادة. لذا انظروا إلى قول الله عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، أي لا نعبد إلا إياك. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أي لا نستعين إلا بك. فلو أعانه الله عز وجل، العب قام بهذه العبادة حق القيام. ولو منع عنه العون والتوفيق، ما استطاع أن يقوم بتلك العبادة. فإذا الإنسان محتاج، مفتقر إلى ربه عز وجل، وإلى عونه سبحانه وتعالى وتوفيقه في حصول النافع أو المنافع، ودفع المضار. قالوا: في الحديث: «إذا استعنت فاستعن بالله». وجاء في الحديث أيضا: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لا ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لا يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وفعت الأقلام، وجفت الصحف». فالأمر من الله وإليه، فالأمر من الله وإليه سبحانه وتعالى. والاستعانة حكم الاستعانة، ذكّر العلماء رحمهم الله تعالى أن لها أقسامًا. استعانة بالله، وهي المتضمنة للذل والفضوع واللجوء والثقة والاعتماد بالله عز وجل. وهذه عبادة جليلة، وهي التي ذكرناها الآن، وهي الذي أرادها الشيخ رحمه الله تعالى في قوله: والدليل والاستعانة، أي أنها عبادة من العبادات. فهذه العبادة إن كانت لله عز وجل فهي توحيد وإخلاص، وإن صرفت إلى غيره كانت شركا أكبر. وهذا هو القسم الثاني. القسم الأول: أن تكون عبادة، وهي ما كانت لله خالصة. الثانية: أن تصرف لغير الله عز وجل، فهذا من الشرك بالله عز وجل. وهي قسم الثاني. ومنها أيضا الاستعانة بالأموات مطلقا، أو بالأحياء الغير قادرين أو حاضرين، أو بالأحياء الغير حاضرين أو غير قادرين، مع اعتقادهم مع اعتقاد أن لهم القدرة والقوة على ذلك، بأن يعتقد أن لهم تصرفا خفيا في الكون ونحوه، فهذا كذلك من الشرك. وأيضا يدخل في هذا، أي في هذا النوع الثالث، الاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله. وأيضا من أنواع الاستعانة، وهو القسم الرابع، الاستعانة بمخلوق على شيء يقدر عليه، فهذا جائز. لعموم قول الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ فيما يقدر عليه، لا سيما من أمور الطاعة، أو أقل أحوال الأمور مباحة، فهذا جائز، وقد يكون المستحب؛ لأن فيه فعل الخير. أما أن يستعين به على فعل معصية، فهذه استعانة محرمة، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وذكّر العلماء أيضا من أقسامها، الاستعانة بمخلوق حي حاضر غير قادر، مع اعتقاد أنه لا ينفع ولا يضر، وأنه غير قادر، فهذا من باب اللغو والعبث، وربما يكون من باب السخرية لذلك العاجز. ومن أنواع الاستعانة أيضا، الاستعانة بالعمل الصالح، وذليله قول الله عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، فهذه استعانة بالأعمال الصالحة. وهذا أقل أحوالي أنه مستحب، أي مشروع، بل وهو مستحب من المستحبات. قال رحمه الله تعالى: ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وقوله: دليل الاستعاذة، كذلك الألف والسين والتاء، مرة معنى الطلب، بمعنى الطلب. والاستعاذة من العود، وهو اللجوء. وشرعا: هي استدفاع الأذى بالأعلى، من وجه الخضوع والتذلل. هي استدفاع الأذى بالأعلى، على وجه الخضوع والتذلل. طيب، وهي استدفاع الأذى، بمعنى دفع الأذى، طلب دفع الأذى بالأعلى، أن يحصل له أذى فيستعين بمن هو أعلى وأجل لدفع هذا الضرر، فيزفعه على وجه الخضوع والتذلل. لذا هو من العبادات الشريفة. إذا قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، أي أعوذ برب الفلق، وكذلك قل أعوذ برب الناس، فيستعيد الإنسان بربه عز وجل، وخالقه ومولاه ومالكه ومدبر شأنه. ومن اجتهاذ بالله عز وجل، كفاه الله عز وجل أمره، لا سيما إن كان صادقا في هذه الاستعاذة. والأقسام في الاستعاذة كالأقسام في الاستعانة. قال: ودليل استغاثة، قول تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾. الاستغاثة: طالب الإغاثة، والتخلص من الكربة والشدة. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ يدل على أن هذه العبادة شريفة، وهي مقامات الأنبياء والصالحين. في هذه الآية إخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته أنهم يستغيثون ربهم عز وجل، كما في هذه الآية: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، فهي عبادة جليلة. فهي كما ذكر طلب الإغاثة، والتخلص من الكربة والشدة. بعض أهل العلم يفرق بين الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة، مع أن معانيهم لو عند التفرق متقاربة، لكن إذا ضم بعضها إلى بعض يكون لكل واحد معنا يدل عليه. فالاستعانة تكون في قلب دفع أو قلب نفع أو دفع ضرر، عند الحصول أو قبل الحصول. والاستعاذة تكون كذلك فيها معنى هذا المعنى، لاسيما ما عند الحصول، أي عند حصول ونزول الأذى. لخلال استعانة تكون قبل ظهور، القبلية أظهر فيها. وأما الاستغاثة فتدل على أنها الإغاثة والتخلص من الكرب والشدة، أي بعد وقوعها وبعد حصولها. وأقسامها كذلك، استغاثة هي أقسام ما تقدم في الاستعانة والاستعاذة. والله أعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.