الدرس في شرح القواعد الأربع 4، الدرس الرابع ( القاعدة الثانية ... من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه ) . ألقاها
الكفار كانوا مقرين بتوحيد الربوبية ولكنهم أشركوا في توحيد الألوهية، فلم ينفعهم توحيد الربوبية لدخول الإسلام. اتخذوا آلهة أخرى واسطة بينهم وبين الله عز وجل.
المشركون يتقربون إلى أولياءهم لطلب القربة والشفاعة من الله، مستدلاً بآيات قرآنية على ذلك. يُفرق بين الشفاعة المنفية والمثبتة.
الشفاعة هي التقرب أو التوسط للغير في جلب نفع أو دفع ضر، وتنقسم إلى شفاعة منفية ومثبتة. للشفاعة الشرعية ثلاثة شروط: رضى الله عن الشافع والمشفوع له والإذن بالشفاعة.
ابن تيمية يرى أن للشافع من الشفاعة بقدر تعلقه بالمشفوع له. هذا المذهب يبين أهمية العلاقة بين الشافع والمشفوع له في الشفاعة.
فإلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. فقد ذكرنا معًا في الدرس السابق أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وإنما وقع الشرك منهم في توحيد الألوهية، فكان سببًا في عدم دخولهم في الإسلام، وسببًا في كونهم من أهل الكفر وأصحاب النيران يوم القيامة، وسببًا لأن تستحل دماؤهم وأموالهم وأعراضهم. فلم ينفعهم توحيد الربوبية مع عدم وجود توحيد الألوهية، كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى. ثم بيّن الشيخ رحمه الله تعالى في القاعدة الثانية أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فهم يقرون بأن الله عز وجل بيده الأمر وبيده الملك، وأنه سبحانه وتعالى هو الذي يملك النفع والضر، وإنما اتخذوا هذه الآلهة وهذه المعبودات واسطة بينهم وبين الله عز وجل، من أجل أن تقربهم إلى الله عز وجل، أو اتخذوهم شفعاء ليشفعوا لهم عند الله عز وجل. فالشيخ رحمه الله تعالى ما زال يقرر أن شرك المشركين لم يكن ناتجًا عن إنكار للرب سبحانه وتعالى، كما قد يظنه بعض من يظن ذلك، وهو أن المشركين إنما كانوا مشركين لأنهم أنكروا أن الله عز وجل ربهم، أي خالقهم ورازقهم ومدبرهم، وهذا الفهم خطأ، بل الصواب أن الله عز وجل هو خالقهم وهو رازقهم ومدبرهم، وهذا أمر مستقر بالفطر، والمشركون كانوا يقرون به، ومع هذا لم ينفعهم ذلك إقرار، ولذلك لم يدخلهم التوحيد في الإسلام. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «نذكر القاعدة الثانية، نرجع إليها حتى نربط الدرس بالدرس». قال الشيخ رحمه الله تعالى: «القاعدة الثانية أنهم يقولون ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة»، كما تقدم معنى ذلك في الدرس الذي مضى، في أن قوله «ما دعوناهم» دعاء عبادة، «وتوجهنا إليهم» أي توجهنا إليهم كذلك بالطاعات وبالقربات، إلا لطلب القربة والشفاعة ممن هو أقرب إلى الله عز وجل. فهم يتقربون إلى أولئك الذين عبدوهم لأجل أن يقربوهم إلى الله، واتخذوهم شفعاء لأجل أن يشفعوا لهم عند الله عز وجل، فهؤلاء كما هو واضح شركهم هو شرك الوسائط وشرك الشفعاء، واتخذوا هؤلاء الوسائط معبودات مع الله عز وجل، واتخذوهم شركاء مع الله عز وجل، فعبدوهم وأخلصوا الدين لهم لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾»، إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار، وهذه الصيغة صيغة مبالغة، وهي تدل على المبالغة في كفرهم، إذ أنهم يعلمون أن الله عز وجل هو المنعم وهو المالك وهو المتفضل، وبيده الأمر، ومع هذا يصرفون العبادات لغيره سبحانه وتعالى، زعمًا منهم أن هذا الغير يتوسط لهم عند الله عز وجل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾»، يتقربون إليهم بالعبادات، يدعونهم ويستغيثون بهم وينذرون لهم ويذبحون، بل ويسجدون ويركعون إلى غير ذلك من العبادات، ومع هذا يقولون: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى»، أي نعبدهم لأجل أن يرضوا عنا، فإذا رضي أولئك عنا شفعوا لنا عند الله عز وجل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة». الشفاعة لغة هو جعل الوسيط شفعًا أي زوجًا، لأن مادة الشين والفاء والعين تدل على الاقتران. والشفاعة شرعًا لها تعاريف كثيرة، من أحسنها أنها التقرب أو التوسط للغير في جلب نفع أو دفع ضر أو رفعه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله». هذه شفاعة منفية، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، فالشفاعة ملك لله عز وجل، ليست ملكًا لملك مقرب ولا لنبي مرسل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «والشفاعة المثبتة أي الشرعية، لأنها على قسمين: شفاعة شرعية وشفاعة شركية». قالوا: «الشفاعة المثبتة التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة»، بمعنى أن الله عز وجل إن أذن له فقد أكرمه، إن أذن الله عز وجل للشافع بالشفاعة فهذا من كرم الله عز وجل، لا لأن ذلك الشافع له حق الشفاعة، ولكن هو من باب فضل الله عز وجل وكرمه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وللشفاعة الشرعية ثلاثة شروط: الشرط الأول رضى الله عز وجل عن الشافع، والشرط الثاني رضى الله عن المشفوع له، والشرط الثالث الإذن بالشفاعة». فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة، كانت الشفاعة شرعية، وإلا كانت شركية. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى مذاهب الناس في الشفاعة، فمنهم من أثبت الشفاعة الشرعية، ومنهم من نفاها، ومنهم من أثبت الشفاعة الشركية». فالمذاهب في الشفاعة أربعة: الأول مذهب أهل السنة والجماعة، وهو إثبات الشفاعات الشرعية التي جاءت بها السنة المطهرة. المذهب الثاني مذهب الخوارج والمعتزلة، وهو نفي الشفاعة في أهل الكبائر مطلقًا. المذهب الثالث مذهب طوائف من النصارى وكثير من المنتسبين إلى الإسلام من الغلاة في المشاعر، وهؤلاء أثبتوا الشفاعات الشركية. المذهب الرابع قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو أن للشافع من الشفاعة بقدر تعلقه بالمشفوع له. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «وإلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».