الدرس في شرح القواعد الأربع 5، الدرس الخامس ( القاعدة الثالثة ... اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ). ألقاها
يتحدث عن تفاصيل شرك المشركين وعبادتهم لغير الله، حيث اتخذوا وسائط وشفعاء يعبدونهم من دون الله. يبين أن النبي قاتلهم ولم يفرق بينهم لأنهم جميعًا مشركون بالله.
يشرح أن الرسول قاتل المشركين لأنهم مشركون بالله، ويبين أن الشرك بالله لا يغفره الله. يتناول أدلة من القرآن على عبادة المشركين للملائكة والأنبياء والصالحين.
يروي قصة طلب بعض المسلمين وضع سيوفهم في شجرة ليحصل لها بركة مثل اليهود، فوبخهم النبي على ذلك واعتبره تقليدا لفعل اليهود الجاهل.
الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، تقدم معنا في الدرس السابق في القاعدة الثانية أن من شرك المشركين أن اتخذوا من دون الله عز وجل معبودات يقربونهم إلى الله عز وجل، ومعبودات جعلوهم شفعاء بينهم وبين الله عز وجل، وكان هذا الفعل منهم من شرك نفسه، وهو عين الشرك الذي نهى الله عز وجل عنه. والشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يقرر أو أن يهيأ في هذه القاعدة القاعدة التي تليها، وهو أن الشرك ليس معناه عدم الإقرار بالله رب العالمين أو عدم معرفة رب العالمين، ولكنه يكون بشيء آخر، وهو باتخاذ وسائط وشفعاء بينهم وبين الله عز وجل، يعبدونهم ويتقربون إليهم بحجة أن هؤلاء إما أنهم وسائط بينهم وبين الله عز وجل، وكذلك شفعاء بينهم وبين الله عز وجل. وهذا العمل منهم هو عين الشرك الذي كان في أيام الجاهلية، لذا أبطل الله عز وجل هؤلاء، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فهم عبدوا هؤلاء الوسائط، وهكذا في الآية الأخرى قال الله عز وجل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، فهؤلاء عبدوا هؤلاء فكان هذا الفعل منهم شركًا بالله عز وجل. هم يقولون: نعبدهم لأجل أن يقربونا إلى الله، لأجل أن يتخذناهم شفعاء، نعبدهم لأجل أن يقربونا إلى الله، فلو نظر أو تأمل الناظر كأنهم يقول، يقولون: إن مقصدنا أن نتقرب إلى الله عز وجل، ولكن تقربوا إلى الله عز وجل بالشرك بالله عز وجل، بأشد ما يبعد من الله عز وجل، فأشركوا بالله عز وجل لأجل أن يرضى الله عز وجل عنهم، فسخط الله عز وجل عنهم. فالحاصل أن من شرك المشركين اتخاذ الوسائط والشفعاء، يعبدونهم من دون الله عز وجل لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل. إذا تقرر هذا، انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إلى القاعدة الثالثة، فقال: والقاعدة الثالثة أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر على أناس متفرقين في عبادتهم، منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم. وهذا كما قلنا هذا الكلام للشيخ رحمه الله تعالى، أو هذه القاعدة قد وطأ لها الشيخ رحمه الله تعالى، وهيأ لها جعل لها توطئة وتهيئة في القاعدة التي قبلها، أن هؤلاء اتخذوا وسائط الشفعاء، هؤلاء الوسائط الشفعاء اتخذوه لماذا؟ لأنهم يرون أنهم خير منهم، وأنهم على صلاح، وأنهم على طاعة إلى ذلك من المعاني، فعبدوهم لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل. وكما تقدم معنا في دروس مضت أن أول شرك حصل في الأمم ما حصل في زمن نوح عليه السلام، حينما سول لهم الشيطان أن يصوروا التماثيل لأولئك النفر من الصالحين الذين كانوا في زمانهم، لأجل أن يتنشطوا على العبادة، فلما اندرس العلم ومعالم التوحيد، وجاءت أجيال أخرى، أظهر لهم الشيطان أمرًا آخر، فقال لهم: تعبدوا هؤلاء ليقربوكم إلى الله عز وجل، وتنشطوا في عبادة الله عز وجل بأن تعبدوا هؤلاء، وأنتم فيكم ما فيكم من الأخطاء، وعندكم ما عندكم من الأدناس، فتقربوا إلى الله عز وجل بهؤلاء الصالحين. فكان منهم ما كان من الشرك، فبعث الله عز وجل أول رسول إلى الأرض، وهو نوح عليه السلام، ثم تتابع الرسل بعد ذلك إلى أن كان آخر الأنبياء وسيدهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكلهم يدعون إلى هذا الأمر، إلى توحيد الله عز وجل وحده، وإلى عبادته وحده، وإلى نبذ الشرك والبراءة من الشرك. فكما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم ظهر على أناس متفرقين في عبادتهم، ظهر عليهم بالحجة، وعلى كذلك بالنصر الذي نصره الله عز وجل عليهم، فظهر على أناس متفرقين في عباداتهم. وقوله: ظهر على، تذل على المعنى الأول، وهو أن نبينا صلى الله عليه وسلم ظهر عليهم بالحجة والبيان، كما أنه ظهر عليهم بالسيف والسنان. قال: على أناس متفرقين في عبادتهم، منهم من يعبد الملائكة، من أولئك المشركين من كان يعبد الملائكة، ويقولون: إن الملائكة يقربونهم إلى الله عز وجل، وأنهم طاهرون مطهرون، فاتخذناهم وسائط وشفعاء لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل. حتى ذكر بعضهم أن اللات والعزى، قالوا: مؤنث من الله، والعزيز، وقالوا: إن هؤلاء هم بنات الله، فعبدوهم لأنهم بنات الله عز وجل، فأنكر الله عز وجل عليهم تلك العبادة، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، أي أن المشركين لا يرضون بالإناث، ومع هذا رضوا بالإناث لله رب العالمين. قال رحمه الله تعالى: ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، أيضًا من المشركين من عبد الأنبياء، ومنهم من عبد الصالحين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ففي الآية دلالة على أنه قد عبد من الصالحين مثل عزير، وقد عبد الأنبياء أو من الأنبياء مثل ما عبد عيسى عليه السلام. قال رحمه الله تعالى: ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، وهذا كثير، وكثير، بل كما هو معلوم أنه كان حول الكعبة يوم الفتح ثلاثمائة وستون صنمًا، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وفتح الله عز وجل عليه مكة، جعل يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ويطعنهم بخوذة كان معه حتى هدمها جميعًا، صلوات ربي وسلامه عليه. قال رحمه الله تعالى: وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم، أي لم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين من عبد نبيًا مرسلًا أو ملكًا مقربًا أو وليًا صالحًا، وبين من عبد شجرًا أو حجرًا أو شمسًا أو قمرًا، لماذا؟ لأن الكل مشركون بالله عز وجل، وقد أرسل ربنا عز وجل نبيه بالتوحيد، ونبذ الشرك، أن يعبدوا الله ما لهم من إله غيره. ولقد بعثنا في كل أمة الرسول أن يعبدوا الله ما لهم من إله غيره، وكذلك قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال الله عز وجل لنبيه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. وكذلك قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، قوله: لا يغفر أن يشرك به، وهكذا قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وكذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، وهذه الألفاظ كلها ألفاظ عموم، من يشرك بالله أي شرك كان. فالرسل من أولهم إلى آخرهم، والأنبياء كذلك جاءوا لأجل هذا الأمر، لأجل إفراد الله عز وجل بالعبادة وحده، ونبذ الشرك والبراءة من الشرك، وقمع الشرك كائنًا من كان، كائنًا ما كان ذلك الشرك. لذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى: وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفرق بينهم، ولم يفرق بين من كان شركه بالملائكة أو كان شركه بالأنبياء أو كان شركه بالأحجار والأشجار أو القمر والشمس. وهذا يدلنا على أمر واحد، وهو أن كل من عبد من دون الله عز وجل شيئًا، ولو كان في المنزلة العليا عند الله عز وجل، كأن يكون نبيًا مرسلًا أو أن يكون ملكًا مقربًا، فإن هذا من الشرك، وتلك العبادة لا تنفعه عند الله عز وجل، بل تضره وتوبقه في النار والعياذ بالله. والشيخ رحمه الله تعالى أراد بهذه القاعدة تقرير أمر، وهو أن عباد القبور في زمانه وقبل زمانه بزمان، وبعد زمانه إلى زماننا هذا، وإلى الله أعلم متى، أن عباد القبور في تلك الأزمان، وكذلك في هذه الأزمان يقولون: كيف تسووننا بالمشركين؟ نحن لا نعبد الأصنام، والمشركون كانوا يعبدون الأصنام. فالرسل إنما بُعثوا لأجل أولئك المشركين الذين كانوا يعبدون الأصنام من الأحجار والأشجار إلى غير ذلك، أما نحن ما نعبدهم، إنما نحن نتقرب إلى الله عز وجل بأناس صالحين، بأناس أبرار، بأناس أطهار، فكيف تسووننا بأولئك الذين كانوا يعبدون الأحجار والأشجار؟ فالشيخ رحمه الله تعالى أراد أن يقرر هذا الأمر، أن المشركين الذين أرسل إليهم نبينا، بل أرسل إليهم من أرسل من الرسل قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، لم يكونوا عابدين للأشجار أو الأحجار فقط، بل منهم من كان يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من كان يعبد الشمس والقمر، ومنهم من كان يعبد الأنبياء والرسل، ومنهم من كان يعبد الصالحين، ومنهم من كان يعبد غير ذلك. والكل سواء في كونهم مشركين، استحقوا أن يكونوا مشركين بعبادتهم غير الله عز وجل، وحق عليهم العذاب في الدنيا والآخرة، والنكال في الدنيا والآخرة، واستحلوا واستحلوا دماءهم وأعراضهم، وكذلك أموالهم بذلك الشرك الذي وقع منهم، ولو كانوا يعبدون أنبياء مقربين أو ملائكة مقربين. لأن العبرة بأن يفرد الله عز وجل وحده، فإن اتخذ الإنسان شيئًا غير الله عز وجل اتخذه معبودًا مع الله عز وجل، فقد وقع في الشرك، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم من أول دعوته ماذا قال لهم؟ قال: «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا». لذا كان من أبي سفيان كما في الصحيحين في قصته مع هرقل، حينما قال له هرقل: إلى ما يدعوكم؟ قال: يقول: «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وأقيموا الصلاة ويأمرنا بالوالدين إلى آخر ما ذكره في الحديث». وهنا نفي نفر في سيارة، نفر تفيد العموم، فدلنا هذا على أن كل شرك مع الله عز وجل، ولو كان هذا المعبود نبيًا مرسلًا، ولو ملكًا مقربًا، فإن هذا هو من الشرك الذي يمقته الله عز وجل ويأباه، وأرسل لأجله الرسل والأنبياء. فحرم من هذا أن قول أولئك الحلوليِّين في كل زمان ومكان: أن المشركين إنما عبدوا الأصنام، هذه مغالطة وكذب، وفرية أرادوا بالتلبيس والتدليس على أتباعهم، كأنهم يقولون: بيننا وبينهم فرق، أولئك يعبدون الأشجار والحجارة، ونحن نعبد الصالحين، فكيف يسوون بين الأحجار وبين الصالحين؟ فدل هذا على أن أولئك أي أهل التوحيد يرموننا بالكذب والأفك، أننا مشركون، فيكفروننا لأجل هذا، ويقاتلوننا لأجل هذا، وهذا الأمر قد حصل في زمن الإمام رحمه الله تعالى، في زمن الإمام محمد بن عبد الوهاب، ظهرت هذه الشبهة، فقالوا: سبحان الله، أولئك يكفروننا أولًا، ثم يستحلون دماءنا ثانيًا. وما علم أولئك أنهم ما كفرهم الشيخ رحمه الله تعالى ومن كان في زمنه إلا بعد أن أقيمت عليهم الحجة، وظهرت لهم المحجة ظاهرة جلية، وأنهم أصروا على شركهم بالله عز وجل، وعلى عبادة غير الله عز وجل من عبادة الأولياء، دعمه بأنواع العبادة من صلاة، وأداء كذلك الأنساك لها من الذبح، من النذر، من الاستغاثة، من غيرها من أنواع العبادات. وبعد هذا قالوا: نحن لا نعبدهم، وإنما نتخذهم وسائط بيننا وبين الله عز وجل، أو نتخذهم شفعاء فيما بيننا وبين الله عز وجل، لأنهم أناس مطهرون، وأناس محبوبون إلى الله عز وجل، ونحن عندنا ما عندنا من الأدناس والأرجاس، فاتخذناهم وسائط بيننا وبين الله عز وجل. فرجعوا إلى ما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى من أن المشركين على ماذا؟ إما أن يتخذ غير الله عز وجل قربة يتقرب به، أي وساطة يتقربون به إلى الله عز وجل، وإما أن يتخذونهم شفعاء، كذلك يتوسطون بهم إلى الله عز وجل. فكان شركهم من جنس شرك المشركين، إما أن يتخذوا من دون الله عز وجل أناسًا يتقربون بهم إلى الله عز وجل بالعبادة، يعبدونهم لأجل أن يقربوهم إلى الله، أو يتخذونهم شفعاء، يعبدونهم لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل. فكان الشرك كالشرك، فحكمهم كحكمهم سواء، لا فرق. قال رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أي وقاتلوا المشركين، وقاتلوا المشركين بشدة، أنواعهم وجميع طرائقهم. قال: حتى لا تكون فتنة، وقد فسرت الفتنة بالشرك، حتى لا يكون شرك، أي حتى لا يكون شرك في الأرض، بل لا يكون في الأرض إلا التوحيد، كما قال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَيَكُونَ الدِينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، أي خالصًا، أن يكون الدين لله عز وجل خالصًا له سبحانه وتعالى، بأن لا يعبد إلا الله عز وجل وحده لا شريك له. فهذه الآية تدل على ما ذكره الشيخ، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتلهم أجمعين، سواء من كان يعبد الملائكة المقربين أو الأنبياء المرسلين أو من كان يعبد الأشجار والأحجار أو غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: ودليل الشمس والقمر قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، لا تسجدوا للشمس، ولا للقمر، فهذا يدل على أن الشمس والقمر قد سجد لها، وقد عبدت من دون الله عز وجل. قال: ودليل الملائكة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، لا يأمركم أي لا يأمركم الرسول الذي أرسل من عند الله عز وجل، والذي يدعو إلى الله عز وجل، ويدعو إلى التوحيد، وإلى الإيمان بالله عز وجل وحده، لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا. قال رحمه الله تعالى: ودليل الأنبياء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، فكان جواب عيسى عليه السلام: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾، أي أنزهك وأقدسك أن يكون صدر مني هذا المقال. ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، تأدبًا مع ربه عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ودليل الصالحين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، أيضًا هذه الآية فيها دلالة على الصالحين، والآية التي قبلها كذلك فيها دلالة على عبادة الصالحين. فما وجه ذلك؟ عند قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فعيسى عليه السلام ليس بنبي، مريم عليها السلام، الصحيح أنها ليست بنبية، الصحيح أنها ليست بنبية، فهي امرأة صالحة، فهي امرأة صالحة رضي الله عنها ورحمها الله، ومع هذا عبدت. فكان في الآية الثانية كذلك عبادة الأنبياء والصالحين، دليل على أن الأنبياء عبدوا، وعلى أن الصالحين قد عبدوا، أي من الصالحين، ومن الأنبياء. والشيخ رحمه الله تعالى كذلك خص الصالحين بدليل خاص، لأجل أن يزاد الأمر وضوحًا وبيانًا، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: أرى هذه الآية، ثم قال: «كان نفر من الجن يعبدون فأسلموا، وبقي الذين يعبدونهم على عبادتهم». فقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾، أي الذين يدعونهم، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، أي القرب إلى ربهم عز وجل، أيهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، وهذا الأمر أم لا؟ أي أنتم تعبدون أناسًا، هؤلاء الناس هم الذين يتمنون ما تمنيتم، تعبدونهم لأجل أيهم أقرب، أي ترجون أن تكونوا أقرب إلى الله عز وجل. وكذلك ترجون رحمة الله عز وجل، وكذلك تخافون عذاب الله عز وجل، تعبدون أناسًا كذلك من متطلباتهم الحظمى هذه الأمور، فتعبدون الصالحين، والصالحين يبتغون من ربهم عز وجل الوسيلة التي تقربهم إلى الله، وتبعدهم من غضب الله عز وجل وسخطه، وتدخلهم في رحمة الله عز وجل ورضوانه. فأنتم تعبدون أناسًا يفتقرون إلى ما تفتقرون إليه، ولكنهم سلكوا الطريقة الصواب والصحيح، فتقربوا إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، وأنتم تقربتم إلى الله عز وجل بواسطة أولئك بالأعمال القبيحة، بل أقبح عمل هو الشرك بالله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: ودليل الأشجار والأحجار قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، اللات يقولون أنها صخرة، أنها كانت صخرة كبيرة في ثقيف، عبدت، وضع لها البنيان، وعبدت من دون الله عز وجل. والعزى قالوا: كانت شجرة أو من النخيل، وكانت فيها جنيات، ومناة الثالثة الأخرى، وكذلك مناة كانت من المعبودات التي عبدها المشركون. قال رحمه الله تعالى: وحديث أبي واقد الليثي، أي دليل أيضًا من السنة على أن المشركين قد عبدوا الأشجار، قال: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر، إذ أنهم أسلموا يوم الفتح، ثم انطلقوا مباشرة مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد إسلامهم إلى حنين». قال: «ولمشركين سدرة يعكفون عندها، أي كان المشركون سدرة، سدرة وهي الشجرة المعروفة، قال: يعكفون عندها، أي يحتبسون عندها تعبدًا، يتعبدون لها، وهذا هو الشاهد من الحديث». قال: «وينوطون بها أسلحتهم، أي ويضعون أسلحتهم لأجل البركة، لأجل البركة، قال: يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». وهذا الأمر، اجعل لنا سدرة نضع سيوفنا فيها حتى تحصل لها البركة، وحتى يحصل لنا ما يحصل لهم، لأنهم ما زالوا حديثي عهد بكفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن، والذي نفسي بيده، قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون».