شرح القواعد الأربع 3

الدرس في شرح القواعد الأربع 3، الدرس الثالث ( القاعدة الأولى ... ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة ). ألقاها

مقدمة في توحيد الربوبية والإقرار به

يشرح الشيخ أن الكفار كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، أي يعترفون بأن الله هو الخالق والمدبر، مستدلين بآيات قرآنية. هذا الإقرار لم يكفي لدخولهم الإسلام.

الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية

يُبين المقطع أن المشركين أقرّوا بتوحيد الربوبية لكنهم لم يوحدوا الله في العبادة، مشيراً إلى أن توحيد الربوبية فطري بينما توحيد الألوهية هو حقيقة التوحيد الذي بُعث به الرسل.

تقسيم التوحيد وتوضيح أقسام التوحيد الثلاثة

يناقش تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية، الألوهية، والأسماء والصفات، ويوضح سبب شرك المشركين في توحيد الألوهية رغم إقرارهم بتوحيد الربوبية.

الوسائط بين العباد والله وخطورة اتخاذها

يذكر ادعاء بعض الناس اتخاذ الوسائط للتقرب إلى الله، ويبين خطورة هذا الفعل في العبادة.

التفريغ النصي الكامل

ثم أما بعد، بعد أن فرغ الشيخ رحمه الله تعالى من ذكر المقدمة في هذا الكتاب، وبيّن في هذه المقدمة أن العباد من أولهم إلى آخرهم أمروا بعبادته وحده سبحانه وتعالى، وكذلك حذروا ونوهوا عن الشرك بالله عز وجل، وأنه أعظم ذنب أُفي به الله عز وجل، وأن الله عز وجل لا يغفره لأحد كائنا من كان، ولو عمل من الأعمال ما عمل. وكما ذكر في الدرس السابق أن الطاعات مهما عمل الإنسان من طاعات مع الشرك فإنها لا تنفع، والعكس المعاصي لو فعل إنسان من المعاصي وعنده التوحيد، فإن توحيده ينفعه، ولكنه يكون داخلاً تحت مشيئة الله عز وجل، أي داخل تحت الوعيد بسبب المعاصي والذنوب التي اقترفها، لكن التوحيد يكون سبباً لدخوله الجنة إما حالاً وإما مآلاً. بخلاف شرك، إذا كان الإنسان مشركاً وعمل ما عمل من الطاعات وترك كل الذنوب والمعاصي عدا الشرك، فإنه لا ينفع ذلك شيئاً. فإنه لا ينفع ذلك بشيء، إذا الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن قرر ذلك وبين أنه من أجل ذلك لا بد للإنسان أن يتعرف وأن يتعلم أربع قواعد، فقال رحمه الله تعالى: وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه. قوله رحمه الله تعالى: وذلك بمعرفة أربع قواعد ذكرها الله تعالى في كتابه، يدل على أن هذه القواعد الأربع منصوص عليها في كتاب الله عز وجل، فهي مستندة إلى كتاب الله عز وجل، مأخوذة من كتاب الله عز وجل، لم يأت بها الشيخ رحمه الله تعالى من عند نفسه، بل هي من عند الله عز وجل. وما كان من عند الله عز وجل فهو حق، وجب الأخذ به. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الأولى: أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر، وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام. قوله رحمه الله تعالى: القاعدة الأولى أن تعلم، أيها الطالب، وأيها السالك إلى الله عز وجل، وأيها الموحد، أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق المدبر. المشركون يقرون بأن الله عز وجل خالقهم ورازقهم ونافعهم وضارهم، هذا أمر عندهم لا شك فيه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأن ذلك لم يدخلهم في الإسلام، أي أن ذلك الإقرار بأن الله عز وجل هو المالك وهو المدبر وهو الذي بيده كل شيء، وهو الذي ينفع ويضر، لم ينفعهم ذلك الإقرار، ولا ذلك التوحيد في ذلك. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فلم يكونوا مسلمين بمجرد الإقرار بهذا الأمر. قال رحمه الله تعالى: والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. الشيخ رحمه الله تعالى يبين أن المشركين الذين بعث الله عز وجل إليهم رسوله يقول الله عز وجل: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: من يرزقكم من السماء والأرض؟ من هو الذي ينزل عليكم الغيث من بعد ما قنطتم؟ ومن الذي يخرج لكم النباتة من الأرض؟ ومن الذي يرزقكم بأنواع من الرزق؟ قال: أم من يملك السمع والأبصار؟ من الذي بيده السمع والبصر يملكه؟ قال: ومن يخرج الحي من الميت؟ من هو الذي يخرج الحي من الميت؟ قال: ويخرج الميت من الحي؟ ومن يدبر الأمر؟ من الذي بيده الأمر يدبره كيف شاء بحكمة بالغة؟ قال: فسيقولون الله، فسيقولون الله، فهم مقرون بهذا الأمر، مقرون بأن الله عز وجل هو الخالق، بأن الله عز وجل هو الرازق، بأن الله عز وجل هو المدبر، وأن الله عز وجل هو المالك، واضح للأمر فسيقولون الله. ثم قال: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تتقونه ما دام أنكم تقرون بأنه ربكم، أنه ربكم ومالككم ومدبركم وبيده الأمر وبيده الملك سبحانه وتعالى، أفلا تتقونه وتخشونه وتنيبون إليه؟ فهذا كما قال علماء رحمهم الله تعالى: استدل الله عز وجل على هؤلاء المشركين لتوحيد الألوهية بتوحيد الربوبية. استدل الله عز وجل على المشركين لتوحيد الألوهية بتوحيد ماذا؟ بتوحيد الربوبية. يقول لهم: إذا كان إذا كنتم تقرون أن الأمر بيد الله عز وجل منه وإليه، أفلا تتقونه؟ أي أفلا تعبدونه وحده وتخشونه وحده وتنيبون إليه وحده؟ أفلا تتقون؟ وهذه الآية التي فيها الاستدلال بالربوبية على الألوهية لها نظائر كثيرة في كتاب الله عز وجل، منها قول الله عز وجل في أول سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فالله عز وجل استدل عليهم بتوحيد الألوهية بماذا؟ بتوحيد الربوبية. يا أيها الناس اعبدوا ربكم، يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم. قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي شركاء وأندادا، وأنتم تعلمون هذا الأمر، أنهم لا يستحقون العبادة، وأنتم تعلمون ذلك، وأنتم تعلمون ذلك العمل. فالحاصل أن لهذه الآية نظائر في كتاب الله عز وجل، وهو أن الله عز وجل يستدل على المشركين بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. والمشركون كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، كما في هذه الآية المذكورة، وكما في قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فهذه الآيات ونظائرها تدل على هذا المعنى الذي هو مقرر من أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية. وتوحيد الربوبية كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أمر فطري، أي فطر الناس على معرفة ربهم عز وجل وعلى الإقرار به. فلا يحتاج في تقرير توحيد الربوبية إلى أدلة ولا إلى نظريات ولا إلى جدليات ولا إلى براهين كما فعل ذلك أهل الكلام. أهل الكلام عندهم التوحيد هو معرفة الرب سبحانه وتعالى. التوحيد الذي بعث الله عز وجل به الرسل عندهم هو معرفة الرب سبحانه وتعالى. ولهم في ذلك عبارات والصلاحات عبارات والصلاحات يقررون هذا الأمر الذي علمه مشرف العرب، بل هو مركوز في كل الفطر. وكل العالم مقر بهذا إلا من جحد، إلا من جحد هذا وهو يعلم أنه جاحد كما حصل من فرعون. فرعون ادعى أنه هو الرب وهو في قرارة نفسه يعلم أنه ليس هو الرب. قال الله عز وجل عن فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فرعون قال: أنا ربكم الأعلى. وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ الألوهية كذبا وإفكا وجحودا لما استقر في نفسه. مبين هذا أي أنه كان كاذبا في هذه الدعوة وأنه في قرارة نفسه على خلاف ذلك. ما جاء في قول الله عز وجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. والجحد كما قال علماء رحمهم الله تعالى هو الإنكار عن شيء معلوم. هو الإنكار لشيء معلوم أي معلوم عند هذا المنكر. يقال جحدا، وهذا من هذا الباب. فهم يعلمون أن الله عز وجل وفرعون يعلم أن الله عز وجل وربه وربه كل شيء، ولكنه جحد ذلك. يدل عليه أيضا قول موسى عليه السلام لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَسْحُورًا﴾. فموسى عليه السلام خاطب فرعون بهذا الخطاب. قال له: إنك وإنك لتعلم أو قال نعم إنك لتعلم ما أنزل هؤلاء إلا ماذا؟ إلا رب السماويد والأرض بصائر. قال له: لتعلم أي في قررة نفسك، وإن أظهرت غير ذلك، وإن أخفيت ذلك الأمر، ولكنك تعلم علما يقينيا أن الله عز وجل هو الخالق وهو المالك وهو المدبر وحده سبحانه وتعالى. فالحاصل أن توحيد الربوبية مركوز في الفطر، وهو مجمع عليه عند جميع الأمم. لا أحد ينكر توحيد الربوبية بمعنى لا أحد يقول أن هناك خالقا مع الله مساويا له. بل كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: لا أحد في العالم يقول أن هناك خالقين متساويين من جميع الجهات. قال: ولا الثنوية من المشركين، ولا الثنوية من المشركين الذين يقولون بماذا؟ بالأصلين، أي الظلمة والنور، الذين يقولون إن العالم خالقين: الظلمة والنور. وذلك قال: لأنهم هم يقولون إن إله الظلمة إله منبوذ ليس بمحبوب، وإله النور هو إله الخير والمحبة إلى غيرها من المعاني. ذكر رحمه الله تعالى هذا معناه. فالعالم كله يقرون بأن هناك خالقا واحدا له الأمر وله الملك وله التدبير وحده سبحانه وتعالى، وهو الله عز وجل. فإذا من ظن أن التوحيد الذي بُعث به الرسل وأنزل به الكتب هو توحيد الربوبية، فهذا لم يعلم حقيقة التوحيد، وهذا لم يعلم حقيقة الإسلام الذي بعث الله عز وجل به الرسل. وهذا للأسف هو حال كثير من المسلمين، أو قل من المنتسبين إلى الإسلام. وأوها هنا للتخويف، أي منهم من ينتسب إلى الإسلام وهو لا يعلم الإسلام. بأن يفعل أنواعا وأصنافا وأشكالا من الشركيات. وإذا سألته عن التوحيد، قال: التوحيد هو أن تفرد الله عز وجل بالخلق والأمر والتدبير، أو بأن الله عز وجل هو الرب وحده، هو الرب وحده، أو هو الخالق وحده، أو ما شابه ذلك من العبارات. وما علم هؤلاء أن الأمر على غير ذلك. وأن مشركي العرب كانوا يقرون بهذا، بل إبليس نعوذ بالله منه مقر بهذا الذي هو أصل الشرك وأصل الشر. مقر بهذا أي مقر بأن الله عز وجل هو الخالق المالك المدبر الذي بيده الأمر. فهو يقسم أقساما بأن الله عز وجل له العزة وله الملك وما شابه ذلك. ما قال الله عز وجل عنه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. قال: ﴿رَبِّ انْظُرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. فهو يقر بماذا؟ بالرب سبحانه وتعالى، ولكنه لا ينفع شيئا. لم ينفع ذلك شيئا، وكذلك غيره، وكذلك غيره. فكما قال الشيخ رحمه الله تعالى: مشركو العرب كانوا يقرون بهذا التوحيد، ومع هذا ما نفعهم؛ لأنهم ماذا؟ لأنهم لم يوحدوا الله عز وجل وحده توحيد العبادة؛ لأن التوحيد كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى من أهل العلم يقسمونه على قسمين: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. ويدخل في توحيد الربوبية توحيد الأسماء والصفات. ومنهم من يجعله على ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. وهذا التقسيم للتوحيد تقسيم استقرائي. ما معنى تقسيم استقرائي؟ بمعنى أن العلماء رحمهم الله تعالى والأئمة استقرأوا نصوص الكتاب والسنة، فرأوا أن التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة. وهذا التقسيم كما ذكر بعض أهل العلم كان معروفا ومنثورا في كلام المتقدمين، كابن جرير الطبري وابن منده ومن نحا نحوهم من أهل العلم. كان منثورا مبتوتا بين كلامهم رحمهم الله تعالى. فالتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد ربوبية، وهذا محل ماذا؟ محل إجماع واتفاق بين الأمم، إلا من جحد عن علم، إلا من جحد وأنكر عن علم. النوع الثاني وهو توحيد الألوهية، وهو الذي وقع الصراع فيه بين الأنبياء والرسل وبين المشركين. فإن المشركين كانوا يقرون بتوحيد ربوبية، كما قال الله عز وجل في الآيات السابقة. وأما توحيد الألوهية فلم يكونوا كذلك. بل حينما قال لهم نبينا صلى الله عليه وسلم: اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره. ماذا كان قول أولئك؟ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب. أي كيف نترك الأصنام والأوثان التي نعبدها ونعبد الله عز وجل وحده؟ مع أنهم يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق وحده، وهو المالك وحده، وهو المدبر وحده، وبيده الأمر وحده. لكن في توحيد الألوهية وفي العبادة أشركوا مع الله عز وجل ماذا؟ أشركوا مع الله عز وجل غيره. فعبدوا الأوثان وعبدوا الأصنام كما هو معلوم. فكان توحيد الربوبية لوحده ليس بكاف في نجاتهم من عذاب الله عز وجل وسخطه، وليس كاف في عصمة دمائهم وأموالهم وذراريهم. بل لم يكن كاف في دخولهم الإسلام. بل لابد في دخول الإسلام من أن يكون الإنسان موحدا توحيدا تاما كاملا. بأن يوحد الله عز وجل توحيدا، توحيد الربوبية، وهذا كما قلنا مستقر بالفطر. النوع الثاني: أن يوحد الله عز وجل توحيد العبادة، بأن لا يشرك مع الله عز وجل غيره في العبادة، بأن يعبد الله عز وجل وحده مخلصا له الدين. وكذلك أن يقر بأسماء الله الحسنى وبصفاته العليا، وأن الله عز وجل هو المنفرد بها وحده سبحانه وتعالى دون ما سواه. وتوحيد الربوبية كما تقدم معنا مرارا وتكرارا هو إفراد الله عز وجل بأفعاله. أو هو إفراد الله عز وجل بالخلق والأمر والتدبير. وتوحيد الألوهية هو إفراد الله عز وجل بأفعال عباده. أو هو إفراد الله عز وجل بالعبادة. وتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله عز وجل بالأسماء الحسنى والصفات العلى. فالحاصل من هذا أن الشيخ رحمه الله تعالى ذكرها هنا أن هذا التوحيد لم ينفعهم، ولم ينجهم من عذاب الله عز وجل وسخطه، ولم يكن مدخلا لهم في الإسلام. فكانوا على الشرط، لذا حصل ما حصل بينهم وبين الرسل وأتباعهم من القتال ومن الأمور العظام. وذلك لأنهم كانوا مشركين بالله عز وجل. فلم ينفعهم توحيد الربوبية وهم مشركون في توحيد الألوهية. قال رحمه الله تعالى: القاعدة الثانية: أنهم يقولون ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة. هذه القاعدة الثانية. الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن بيّن أن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ويشركون بتوحيد العبادة، أي توحيد الألوهية. بيّن الشيخ رحمه الله تعالى أن شركهم لم يكن ناتجا عن عدم معرفتهم بالله عز وجل وعبادته لوحده، بل كان ناتجا عن ماذا؟ ناتجا عن هذا الأمر: أنهم قالوا ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة ممن؟ من الله عز وجل، من الله عز وجل. فاتخذ المشركون هؤلاء الشفعاء من الأصنام ونحوهم شفعاء ووسائط كما بينهم وبين الله عز وجل. فهم يقرون بأن الله عز وجل هو الخالق الآمر المدبر الذي بيده كل شيء. واتخذ أولئك المعبودات مع الله عز وجل لا لأنهم يعلمون أنهم يخلقون أو يرزقون أو ما شابه ذلك. لا، بل لأجل أن يقربوهم إلى الله عز وجل ماذا؟ زلفى، بأن يكونوا وسائط بينهم وبين الله عز وجل. وكما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: والسبب في ذلك أن هؤلاء كانوا يعتقدون أو أن أولئك صوروا الصور، صور الملائكة. جعلوا صورا، فقالوا: هذه هي صور الملائكة. قالوا: والملائكة مطهرون، والملائكة منزهون، والملائكة مقربون إلى الله عز وجل. فلنعبدهم لأجل أن يقربونا إلى الله عز وجل زلفى. ووضح هذا الأمر أم لا؟ فعبدوا هؤلاء أولئك لأجل أن يكونوا وسائط عند الله عز وجل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: أنهم يقولون ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة. ما دعوناهم، والدعاء ها هنا دعاء ماذا؟ دعاء عبادة. أي ما عبدناهم، ما عبدناهم إلا لماذا؟ إلا ليقربونا إلى الله زلفى. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فدليل القربة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون. إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. قال: ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. فقول الشيخ رحمه الله تعالى: إنهم يقولون ما دعوناهم، أي دعاء ماذا؟ دعاء عبادة. ما دعوناهم دعاء عبادة، وتوجهنا إليهم، أي تقربنا إليهم بالقربات والطاعات. قالوا: وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة ممن؟ من الله رب العالمين، من الله رب العالمين. فهم يقرون بأن الله عز وجل بيده الأمر وبيده الملك، وهو المدبر وحده سبحانه وتعالى. ولكن يقولون: إنما اتخذنا أولئك وسائط بيننا وبين الله عز وجل ليقربونا إلى الله زلفى. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على