الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 1، الدرس الأول:( فوائد التقوى ). ألقاها
يتناول هذا الفصل أهمية التقوى وفضلها مستشهدًا بالقرآن الكريم وأقوال العلماء، مشيرًا إلى أنها أفضل ما يتحلى به الإنسان وتكفيه شر الناس وتكفل له الرزق. يُبرز الحاجة إلى معرفة حقيقة التقوى خاصة في شهر رمضان.
يفصل هذا الفصل فوائد تقوى الله، حيث يبين أن المتقي لا يكون في وحشة أبدًا ويكون محبوبًا من الناس، وأن تقوى الله تكفي العبد من الناس وتجعله غير محتاج إليهم، مشيرًا إلى أن التقوى الحقيقية هي تقوى القلوب.
يركز هذا الفصل على أهمية القلب في السير إلى الله من خلال العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد، موضحًا أن صحة النية مع العمل القليل يمكن أن تكون أكثر فائدة من التعب الكثير مع النية غير الصحيحة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ففي هذا الوقت اخترنا أن يكون الدرس قراءة في كتاب الإمام العلامة الشيخ إسلام رحمه الله تعالى ابن القيم، والكتاب هو كتاب الفوائد. وقد رتبه وهذبه علي حسن الحلب وفقه الله بترتيب جيد، فنقرأ ما تيسر بإذن الله جل وعلا. وكان هذا الاختيار لهذا الكتاب لأن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، كما هو معروف، من أطباء القلوب، وما أحوج الناس إلى مثل هؤلاء العلماء وإلى توجيهاتهم وإلى تنبيهاتهم وإلى تعليماتهم. والعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى إذا تناول مسألة أحاط بها من جميع نواحيها، فغالبًا ما يذكر الداء وأسبابه، ويذكر كذلك الدواء وأسبابه. فالحاصل أننا جميعًا محتاجون إلى مثل هذا الأمر، إلى معرفة الداء الذي قد يحصل ويدخل على الإنسان شعر أم لم يشعر، وكذلك بحاجة إلى معرفة ما هو الدواء المناسب لذلك الداء. كما سمعتم، سيكون الدرس هو عبارة عن اختيار وانتخاب ما تيسر من هذه الفوائد بحسب المقام، فإن لكل مقام مقال. وأول هذه الفوائد التي سنتكلم عليها بإذن الله جل وعلا الكلام على فوائد التقوى. وكان هذا الاختيار لهذا الموضوع في أول يوم لأنه المناسب لمقصد الصيام، فإن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فنحن نحتاج إلى معرفة شيء من فوائد التقوى، وكذلك إلى معرفة شيء من حقيقة التقوى التي أرادها الله جل وعلا منا، ولا سيما في هذا الشهر المبارك الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم جميعًا ممن يستثمرون هذا الشهر ويخرجون منه بالأجور والفضائل، وأن نكون من عتقاء الله جل وعلا من النار في هذا الشهر الكريم. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: قال ودعى ابن عون، ابن عون أحد التابعين عبد الله ابن عون، قال: ودعى ابن عون رجلًا فقال: «عليك بتقوى الله، فإن المتقية ليست عليه وحشة». هذه أحد فوائد التقوى. يقول الإمام عبد الله ابن عون رحمه الله وقد ودع رجلًا فأوصاه فقال له: «عليك بتقوى الله». وهذا مأخوذ من وصية الله جل وعلا للأولين والآخرين في كتابه في قوله: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾. فعبد الله ابن عون رحمه الله قال لهذا الرجل: «عليك بتقوى الله»، ثم قال: «فإن المتقية، أي من كان متقيا لله جل وعلا بامتثال أوامر الله جل وعلا وباجتناب نواهيه على نور من الله جل وعلا يرجو بفعله ذات أو بتركه يرجو ثواب الله جل وعلا، يقول الإمام عبد الله ابن عون: فإن المتقية ليست عليه وحشة». ليست عليه وحشة فلا يكون هو مستوحشًا ما دام أنه مع الله، ما دام أنه مع الله جل وعلا مطيعًا لله منيبًا لله مرتبطًا بالله جل وعلا، فليس عليه وحشة ولو كان وحده في وسط الصحراء، ما دام أنه محقق لتقوى الله جل وعلا، فإنه ليست عليه وحشة أبدًا. من اتقى الله جل وعلا فهذه فائدة من فوائد تقوى الله جل وعلا، بأن من اتقى الله جل وعلا فإنه لا يكون في وحشة أبدًا ولو كان وحيدًا فريدًا. قال رحمه الله: وقال زيد بن أسلم، وهو كذلك من طبقة تابعي تابعين، قال: «كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا». وهذه فائدة أخرى من فوائد التقوى. يقول هذا الإمام: كان يقال، أي في عهد من سبقه من التابعين وربما كان من قبلهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: «من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا»، أي لا بد أن تقع له المحبة من الله، وإذا أحبه الله جل وعلا جعل له القبول في الأرض والمحبة في الأرض، كما روى الإمام البخاري وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: يا جبريل إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء في الملائكة فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فتحبه الملائكة، ثم يوضع له القبول في الأرض». فمن حقق تقوى الله كان سببًا لمحبة الله جل وعلا له، وإذا أحبك الله جل وعلا أحبك الناس شاء أم كرهوا، فهذه فائدة أخرى من فوائد تقوى الله جل وعلا. قال رحمه الله: وقال الثوري، وهو سفيان الإمام المعروف، لابن أبي ذئب، وهو كذلك من أئمة المدينة وكان قرينًا للإمام مالك رحمه الله تعالى، قال الثوري رحمه الله لابن أبي ذئب: «إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا». هذه كذلك فائدة ثالثة في هذا المقام. «إن اتقيت الله كفاك الله الناس»، الله جل وعلا حسب العبد وكافي العبد غيره إن اعتصم به العبد وتوكل عليه ولجأ إليه وفوض أمره إليه واتق الله جل وعلا ظاهرا وباطنا، كفاه الله جل وعلا الناس. ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتق الله يجعل له فرقانًا، إلى غير ذلك من الفضائل التي جعلها الله جل وعلا لمن اتقاه. فإذا من اتق الله كفاه الناس، لا يخاف الناس لأنه مع الله سبحانه وتعالى معتصمًا بربه جل وعلا ملتجئًا إليه متوكلا عليه خائفا من ربه جل وعلا طامعًا فيما عند الله جل وعلا. قال: «وإن اتقيت الناس، أي على حساب ماذا؟ على حساب دينك»، قال: «لن يغنوا عنك من الله شيئًا». لماذا؟ لأن الإنسان لا يغني عن نفسه شيئًا، فضلا عن أن يغني عن غيره شيئًا، فهو لا يغني عن نفسه من الناس، ولا يستطيع كذلك أن يغني عن ذلك الذي اتقاه عند الله جل وعلا، لأن الإنسان من حيثه فقير محتاج إلى ربه جل وعلا في أمره كله. إذن العبد بين أمرين: بين أن يتقي الله جل وعلا فيكفيه الله جل وعلا الناس، وبين أن يتقي غير الله جل وعلا فلا يغنوا عنه من الله شيئًا. قال رحمه الله: وذكر ذلك فائدة من فوائد التقوى، قال: وقال سليمان ابن داود: «أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا، وعلمنا مما علم الناس ومما لم يعلموا»، قال: «فلم نجد شيئًا أفضل من تقوى الله في السر والعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغناء». إذن هذا كذلك فضل من فضائل التقوى ومن فوائد التقوى، وهو أن هذا الإمام يحكي أنه خالط الناس، وقال: «أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا»، سواء كان من أمر الدنيا أو كان من أمر الدين، قال: «وعلمنا، أي عنده علم مما علم الناس، وكذلك مما لم يعلموا». إذن الرجل خبير بأمور الدنيا وخبير كذلك بأمور الدين، ومع هذا يقول: «فلم نجد شيئًا، لم نجد شيئًا أفضل من تقوى الله»، هل في الظاهر فقط؟ قال: «في السر والعلانية»، والعدل في الغضب والرضا، قال: «والقصد في الفقر والغناء». قال الإمام ابن القيم رحمه الله: وفي الزهد للإمام أحمد أثر إلهي قال: «ما من مخلوق اعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات والأرض دونه». أثر إلهي، أي أنه مما روي من مما سبق من أصحاب الأمم السالفة، وكذلك مما تقدم هذه الأمة. ففي هذا الأثر: «ما من مخلوق اعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماوات والأرض دونه، فإن سألني لم أعطه، وإن دعاني لم أجبه، وإن استغفرني لم أغفر له». قال: «وما من مخلوق اعتصم بي دون خلق إلا ضمنت السماوات والأرض رزقه، فإن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، وإن استغفرني غفرت له». والمعنى كما ترون ظاهر في معنى أو المقصود من هذا: أن من اتقى الله جل وعلا كفاه الله جل وعلا دنياه وأخرى، ومن نظر إلى غير الله جل وعلا وكلهم إلى غيره، فلم يأته شيء مما طمع، فلم يأته شيء مما طمع من ذلك الغير. قال: قال أبو الدرداء رضي الله عنهم: «يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون به قيام الحمق وصومهم؟!». قال: «والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين». قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الأثر: «وهذا من جواهر الكلام وأدلة على كمال فقه الصحابة وتقدمهم على من بعدهم في كل خير رضي الله عنهم». قال: «فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه». يقول العلامة ابن القيم: العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله، يسير إلى الله جل وعلا، هل يسيره بعمل ظاهر أجوف لا حقيقة وراءه ولا باطن تحته؟ يقول ابن القيم رحمه الله: «إنما يقطع منازل السير إلى الله بماذا؟ قال: بقلبه وهمته وبدنه». إذن القلب هو المقدم، ثم كذلك يكون البدن، عمل البدن والهمة. قال: «والتقوى في الحقيقة تقوى القلوب لا تقوى الجوارح». قال تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، وقال: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التقوى هاهنا»، وأشار إلى صدره. قال العلامة ابن القيم: «فالكيس، أي الحازم العاقل، يقطع من المسافة، أي إلى الله جل وعلا في سيره، يقطع من المسافة بصحة العزيمة، والعزيمة أين محلها؟ القلب». قال: «وعلو الهمة، وعلو الهمة أين محله كذلك؟ القلب». قال: «وتجريد القصد، وتجريد القصد أين محله أيضًا؟ القلب». تجريد القصد، أي لا يريد بعمله إلا الله جل وعلا. قال: «وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطع الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق». فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير. والله تعالى أعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.