الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 2، الدرس الثاني:( شروط الانتفاع بالقرآن ). ألقاها
يُشدد على أهمية جمع القلب عند تلاوة القرآن وسماعه لتحقيق الانتفاع به، حيث يشير إلى أن استحضار مخاطبة الله للعبد بكلامه هو أحد شروط هذا الانتفاع. يُبرز أن الكثير من الناس يقرأون القرآن دون أن ينتفعوا به.
ينبغي لمن يقرأ القرآن أن يستحضر أن هذا الكتاب من الله رب العالمين، وأن التأثير الكامل للقرآن يعتمد على المؤثر وهو كلام الله، والمحل القابل وهو القلب الحي، وانتفاء الموانع مثل الغفلة.
يشرح شروط تأثير القرآن في القلب، حيث يشترط أن يكون القلب حيا وقابلا للتأثر، وأن يلقي السمع ويكون القلب شاهدا حاضرا غير غائب، ويبين أن المانع من حصول التأثير هو غياب أو غفلة القلب عن تدبر القرآن.
مدار الانتفاع بالقرآن يكون بوجود المؤثر وهو القرآن، والمحل وهو القلب الحي، ووجود شرط الإصغاء وانتفاء المانع وهو ذهول القلب. هذه الأمور الأربعة هي أساس التأثر والاتعاض والتذكر بكتاب الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، فكما هو معلوم أننا في هذا الشهر المبارك، كما أنه شهر الصيام، فهو كذلك شهر القرآن. قال ربنا جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فلأجل هذا المعنى أيضاً أحببنا أن يكون الدرس في هذا اليوم على شروط الانتفاع بالقرآن، أي ما هي الشروط التي إذا توفرت في الشخص كان أو كانت تلك الشروط مع بقية الأمور سبباً لانتفاع قارئ القرآن بالقرآن. فكما هو معلوم كثير من الناس في هذه الأيام أقبلوا على قراءة القرآن وعلى تلاوة القرآن، وهذا فضل من الله جل وعلا عليهم أن يقرأ العبد القرآن ويتلو القرآن ويطيب فاه بقراءة كتاب الله جل وعلا. ولكن الكثير كذلك من لا ينتفع بالقرآن. فما هو السبب؟ أي أن القرآن لا يؤثر في قلب ذلك القارئ، القرآن لماذا لا يؤثر القرآن على القلب فيكون القرآن سبباً لخشوعه وسبباً لين قلبه وسبباً كذلك لتفقهه في دين الله جل وعلا، وسبباً لمعرفته لعظيم ربه جل وعلا ولعظيم فضله وعطائه، وكذلك لمعرفة أسماء الله جل وعلا وصفاته، إلى غير ذلك من المعاني. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه». يقول العلامة ابن القيم رحمه الله: «إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه»، أي من الله سبحانه وتعالى إلى المخاطب بكلامه. وفي هذا إشارة إلى أن من أسباب الاستفادة من كتاب الله جل وعلا أن يكون القارئ مستحضراً لهذا المعنى، أي أن يكون مستحضراً عند قراءته القرآن أو عند سماعه للقرآن أن الله جل وعلا يخاطب ذلك العبد. تأمل يا عبد الله لو أن ملكاً أو مسؤولاً أرسل إليك بكتاب أو برسالة بخط يده، أرسل إليك بكتاب أو برسالة، قيل لك: هذا الكتاب من فلان المسؤول أو فلان الملك الفلاني، فقرأ هذا الكتاب، كيف سيكون حالك؟ كيف سيكون حالك في قراءة ذلك الكتاب؟ فينبغي لمن قرأ القرآن أن يستحضر هذا المعنى، أن هذا الكتاب الذي نقرأه هو من الله رب العالمين، من الله جل وعلى من ملك الملوك، من أكرم الأكرمين، من الكبير المتعال سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه». قال: «فإنه خطاب منه -أي من الله- لك على لسان رسوله». قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. قال ابن القيم رحمه الله: «وذلك أن تمام التأثير -أي تأثير القرآن على العبد- لما كان موقوفا على مؤثر -وهو هنا كتاب الله جل وعلا- ومحل قابل -وهو القلب المتقبل لما يلقى عليه من كتاب الله ولما يسمع من كتاب الله جل وعلا- وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع». وسيأتي الكلام على هذه الأمور مفصلة من كلام العلامة ابن القيم. إذن ينبغي أو تمام التأثير يكون بماذا؟ يقول: موقوفا على مؤثر، وكذلك على ماذا؟ على محل الذي هو القلب، وكذلك على شروط، ومن الشروط ما تقدم ذكره، وانتفاء مانع. ومن الموانع الغفلة، ومن الموانع الغفلة كما سيأتي بيانه بإذن الله جل وعلا. قال رحمه الله: «تضمنت الآية -أي الأولى- ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد». قال: «فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر، أي كلام الله جل وعلا هو المؤثر الذي يؤثر على القلوب». قال: «وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، فهذا هو المحل القابل، القابل للتأثر». قال: «والمراد به القلب الحي، الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾، أي حيا القلب». إذن المحل أن يكون القلب حيا، أن يكون القلب حيا قابلا للتأثر بالقرآن. قال رحمه الله: «وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، أي وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له». قال: «إذا سمع القرآن انتبه وتيقظ، وكانت همته في تدبره وفي تعقله وفي الانتفاع به». قال رحمه الله: «وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، أي شاهد القلب، حاضر غير غائب». تأمل إلى هذه المعاني. يقول في قول الله جل وعلا: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، قال: «وهو شهيد، أي شاهد القلب». ما معنى شاهد القلب؟ قال: «حاضر القلب، حاضر إذا سمع القرآن، كان القلب حاضرا يسمع ويعي، غير غائب، غير مشغول، غير غافل». قال رحمه الله: قال ابن قتيبة: «استمع كتاب الله -أي هذا العبد- استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه». إذن الشرط ما هو؟ حضور القلب. والمانع ما هو؟ غياب أو غفلة القلب عن تدبر القرآن. قال رحمه الله: «وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير». قال: «وهو ما هو المانع؟ قال: وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله». بمعنى أنه يقرأ القرآن ولكنه غافل، تارة يفكر هاهنا وأخرى هاهنا، فلا ينتفع بالقرآن. بخلاف من أقبل بقلبه وببصره وبسمعه على كتاب الله جل وعلا، وكان قلبه مهيئا للاستفادة من كتاب الله جل وعلا والانتفاع بكتاب الله جل وعلا، فإنه يجد الأثر، يجد الأثر من الخشوع والإنابة، وكذلك يجد القوة، قوة اليقين وقوة الاعتماد على الله جل وعلا، حينما يسمع كلام الله جل وعلا. قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «إذا حصل المؤثر -وهو القرآن- والمحل القابل -وهو القلب الحي- ووجد الشرط -وهو الإصغاء- وانتفى المانع -وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيء آخر- قال: حصل الأثر، أثر القرآن، وهو الانتفاع والتذكر». إذن مدار الانتفاع والتأثر والاتعاض والتذكر بكتاب الله جل وعلا مداره على هذه الأمور الأربعة: الأول المؤثر، وهو القرآن، الثاني المحل، وهو القلب الحي، الثالث وجود الشرط، وهو الإصغاء، أن يكون مصغيا وأن يكون كذلك حاضر القلب، وانتفاء المانع، وهو ذهول القلب وغيابه عن تدبر كتاب الله جل وعلا. فنسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.