الدرس في مقتطفات من فوائد الفوائد 19، الدرس التاسع عشر:( يقين استجابة الدعاء ). ألقاها
يبدأ الدرس بالحديث عن أهمية يقين استجابة الدعاء وأساس كل خير، مشيراً إلى أن كل خير في الدنيا والآخرة متوقف على رضا الله وإنعامه. يُبرز أهمية العلم بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
يشرح هذا الفصل أهمية إدراك العبد أن النعم من الله وتوفيقه، وأن الشر يأتي من الخذلان، ويؤكد على أن التوفيق هو عدم تكليف الله العبد لنفسه. يُظهر أن مفتاح التوفيق هو الدعاء وأن إعانة الله للعبد تكون بحسب نيته وهمته ورغبته.
يُناقش هذا الجزء أهمية الهمة العالية والدعاء بصدق وافتقار في نيل التوفيق من الله، ويبين أن التوفيق يأتي بحسب قوة همة الإنسان ورغبته وخوفه من الله. يشير إلى أن الخذلان يأتي نتيجة لإهمال الدعاء وعدم إظهار الافتقار إلى الله.
يتناول هذا الفصل الأوقات التي يزيد فيها احتمال استجابة الدعاء، مثل الثلث الآخر من الليل ويوم الجمعة وبين الأذان والإقامة وعند نزول المطر، ويشير إلى أن هناك أوقاتاً أخرى ذكرها العلماء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، ثم أما بعد، فدرسنا في هذا اليوم بإذن الله جل وعلا حول أو بعنوان يقين استجابة الدعاء. قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: «أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها ولا يكلك في فعل الحسنات وترك سيئات إلى نفسك». يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «أساس كل خير أي أصله ومنبته ورأسه أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن». وتمرت هذا أن الإنسان إذا علم أن كل شيء إنما هو بمشيئة الله وبإرادة الله وبحول الله وقوة، فلا يكون في الوجود إلا ما شاء، فما شاءه الله جل وعلا كان وقع وحصل، وما لم يشأ لم يكن، أي لم يقع ولم يحصل، ولو اجتمع الأولون والآخرون على حصوله، فإنه لا يقع أبدًا ما دام أن الله جل وعلا لم يشأ. فثمرة هذا كما قال رحمه الله: «أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فتيقن حينئذ أن الحسنات من نعمه فتشكره عليها». إذا علمت هذا فإن النعم التي تتقلب فيها ليلًا ونهارًا وتتمتع بها، فلتعلم أنها واقعة بمشيئة الله وأنها من الله وأنها من فضل الله جل وعلا وحده لا شريك له. فإذا كان كذلك، قال: «فتشكره عليها»، فتشكره عليها إذا علمت أن ما شاء الله كان والنعم قد حصلت وكانت ووقعت، فإذا هي واقعة بمشيئة الله وبفعل الله وبفضل الله وبرحمة الله جل وعلا. فإذا علم الإنسان هذا، فما هو الواجب عليه؟ قال: «فتشكره عليها»، تشكر نعم الله جل وعلا عليك الذي أنزلها عليك وامتن بها عليك وتفضل بها عليك. قال: «وتتضرع إليه ألا يقطعها عنك»، تتضرع إليه بالدعاء تتضرع إليه بالانكسار بين يديه سبحانه وتعالى، بإظهار الافتقار والضعف إليه سبحانه وتعالى، بإظهار الذل له سبحانه وتعالى، وأن الإنسان لا شيء إلا بالله جل وعلا، وأنه ذليل إن لم يعزه الله جل وعلا، وأنه فقير إن لم يغنه الله جل وعلا، وأنه كذلك لا حول له ولا قوة إن لم يجعل الله جل وعلا له حولًا وقوة، فيتضرع إليه بقلب منكسر، يتضرع إلى ربه جل وعلا بدعاء من قلب منكسر، من قلب يعرف عظمة ربه جل وعلا، يعرف إجلال ربه جل وعلا، يعرف ربه جل وعلا فيوقع ربه جل وعلا حق التوقير، ويعظمه حق التعظيم، فيرفع إليه أكف التضرع، وهو موقن بأنه ضعيف وأنه مذنب وأنه مقصر وأنه محتاج إلى ربه جل وعلا في كل لحظة وفي كل نفس من أنفاسه. قال رحمه الله: «وتتضرع إليه أن لا يقطعها عنك». وأن السيئات، وتعلم أن السيئات من خذلانه وعقوبته، إذا رأيت السيئات قد حلت بساحتك، فاعلم أن الله جل وعلا قد رفع عنك يد العون ورفع عنك يد التوفيق ووكلك إلى نفسك. فإذا وكل الله جل وعلا العبد إلى نفسه، وقع في الخذلان، وإذا وقع في الخذلان، فإنه يتخبط في ظلمات المعاصي والسيئات. لذا يقول رحمه الله: «وأن السيئات من خذلانه وعقوبته»، من خذلانه وعقوبته. وتأمل إلى قوله: «وعقوبته»، ومعنى هذا أن الله جل وعلا إذا أصاب الإنسان بهذه البلايا وبهذه المصائب، بالسيئات، بالمعاصي، إنما هي عقوبة من الله جل وعلا. لماذا عقوبة؟ بسبب عمل أو قول أو اعتقاد أو حال صدر من ذلكم العبد، صدر من ذلكم العبد، فيكون جراء ذلك أن تكون العقوبة بأن تحل عليه السيئات، وأن يرفع عنه التوفيق والعون، ويكل ويوكل العبد إلى نفسه. قال رحمه الله: «وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فماذا تصنع؟» قال: «فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها وأن لا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك». أن تعرف أن النعمة من الله فتتضرع، فتشكره وتتضرع إليه بأن لا يقطعها، بأن تستمر عليك تلكم الحسنات، وأن يبصرك كذلك بالسيئات، وأنها عقوبة من الله جل وعلا، وأنه خذلان من الله جل وعلا لذلك العبد. فإذا بصرك الله جل وعلا بهذا وهذا، قال رحمه الله: «فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها»، تبتهل إليه بالدعاء والتضرع، وكذلك بالإلحاح عليه سبحانه وتعالى بأن يحول بينك وبين ذلك، أن يحول الله جل وعلا بينك وبين معاصيه، بينك وبين أن يكلك إلى نفسه ولو طرفة عين. قال رحمه الله: «فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها وأن لا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك». لا يكلك في فعل الحسنات إلى نفسك، تظن أن فعل الحسنات إنما فعلته عن ذكاء وعن علم وعن خبرة وعن فكر وعن تجربة، أو أنك بعدت عن السيئات أن جاك الله جل وعلا من الشبهات، أن جاك الله جل وعلا من الشهوات، أن جاك الله جل وعلا من الأهواء، إنما هو على علم عندك وعلى ذكاء أو عن ذكاء وعن خبرة، لا، إن رأيت في نفسك هذا، فهذه علامة من علامات الخذلان. قال رحمه الله: «وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله توفيق الله للعبد». أجمع العارفون، أي العارفون بالله جل وعلا، العالمون بالله جل وعلا، أن كل خير، كل خير، سواء كان في فعل الطاعات أو كان في اجتناب المنهيات، كل خير هو بفضل الله وتوفيقه. كل خير أن كل خير فأصله توفيق الله وتوفيق الله جل وعلا للعبد، توفيق الله جل وعلا للعبد. قال: «وكل شر فأصله خذلانهم لعبده». خذلانهم لعبده. فإذا العبد إذا أفصر هذه الحقيقة ونظر إلى هذا المعنى، فهذا أولًا من توفيق الله جل وعلا له، أن يعلم أن أصل كل خير إنما هو بتوفيق الله جل وعلا، وأن أصل كل شر إنما هو من خذلان الله جل وعلا لذلك العبد، هذا توفيق من الله أن يبصرك بهذين الأمرين وبهذين السبيلين. وهذا سبب لأن تكون شاكرًا لربك جل وعلا، مبتهلًا إليه، داعيًا له سبحانه وتعالى بأن يوفقك ليلًا ونهارًا وسرًا وجهارًا، وأن لا يخذلك، وأن لا يكيلك إلى نفسك طرفة عين. قال رحمه الله: «وأجمعوا أن التوفيق أن لا يكيلك الله إلى نفسك». أجمعوا على أن التوفيق، أي حقيقة التوفيق ومعنى التوفيق، أن لا يكيلك الله إلى نفسك، هذا هو حقيقة التوفيق. قال: «فإذا كان كل خير فأصله التوفيق وهو بيد الله، فمفتاحه الدعاء». ما هو مفتاح التوفيق؟ ما هو الطريق الموصل لك أيها العبد حتى تكون موفقًا، حتى تكون مسددًا، حتى تكون مهديًا، حتى تكون معونًا من الله جل وعلا؟ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «فإذا كان كل خير فأصله التوفيق»، قال: «وهو بيد الله لا بيد العبد»، «فمفتاحه الدعاء»، فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجء والرغبة والرهبة إليه. فمتى أعطي العبد هذا المفتاح، فقد أراد أن يفتح له، أي أراد الله جل وعلا أن يفتح عليه من واسع فضله وكريم عطائه سبحانه وتعالى. قال: «ومتى أضلهم عن المفتاح، بقي باب الخير مرتجًا دونه». بقي باب الخير مرتجًا دونه، أي مغلقًا دونه. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: «إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه». هذا من دقيق فقه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن غزارة علمهم، ومن غور علمهم وغوصهم في معرفة المعاني ومعرفة الشريعة ومعرفة أسرار هذا الدين الحنيف العظيم، ومن معرفة أسرار الرب الكريم سبحانه وتعالى. فيقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الفاروق الملهم: «إني لا أحمل هم الإجابة»، أي لا يهمني الإجابة كما يهمني أن أوفق للدعاء، أن أوفق للدعاء. يقول: «ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه». يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: «وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك يكون توفيقه سبحانه وإعانته». كيف تكون إعانة الله جل وعلا للعبد؟ يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: «وعلى قدر نية العبد»، أي إذا كانت نية العبد صادقة صالحة خالصة لله رب العالمين. قال: «وهمته ومراده ورغبته في ذلك»، كلما كانت همته عالية في طلب التوفيق من الله، كلما كان مراده ملحًا على نيل التوفيق من الله، كلما كانت رغبته فيما عند الله جل وعلا عالية، قال: «يكون توفيقه سبحانه وإعانته». فمعنى هذا أن الإنسان يستطيع أن يقيس توفيق الله جل وعلا له بحسب ما جعل الله جل وعلا في قلبه. فمتى رأيت في قلبك عند الدعاء أولًا، في ابتداء الدعاء، إذا وفقك الله جل وعلا للدعاء، فاعلم أنها توفيق من الله. ثانيًا، انظر إلى حالك عند ذلك الدعاء، هل ترى نفسك مستحضر القلب؟ هل أنت في دعائك ذلك منكسر القلب؟ هل أنت في ذلك الدعاء متضرعًا إلى ربه مظهرًا للذل مظهرًا لذل العبودية لربك جل وعلا، مظهرًا بأنك لا شيء إلا موفقك الله جل وعلا، مظهرًا بأنك محتاج إلى الله جل وعلا الغني الكريم سبحانه وتعالى؟ فمتى رأى الإنسان في نفسه هذه الأمور، يستطيع أن يقيس توفيق الله جل وعلا عليه بحسب ما وقع في قلبه. فإن كان قويا فليعلم أن الله جل وعلا قد وفقهم بتوفيق عظيم، وإن كان دون ذلك فدون ذلك. قال رحمه الله: «فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم». على قدر خوفك من الله وعلى قدر محبتك لله وعلى قدر خشيتك من الله وعلى قدر لجوءك إلى الله جل وعلا، تكون تلك المعونة ويكون ذلك التوفيق لك من الله جل وعلا. فانظر أيها العبد كيف حالك، فانظر أيها العبد كيف أنت مع الدعاء، وكيف أنت مع العبادة، وكيف أنت مع ربك جل وعلا. قال رحمه الله: «والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك». أي كلما كان الإنسان بعيدًا عن الدعاء، فليعلم أن الله جل وعلا ما وفقه، رفع عنه التوفيق ووكله إلى نفسه. ثم إن أمده بشيء من التوفيق فدعى ربه جل وعلا، يكون داعيًا لربه جل وعلا بلسانه دون قلبه، داعيًا لربه جل وعلا بلسانه دون قلبه، وما ينفع ذلك، أن يكون الدعاء باللسان والقلب مشغول، أو يدعو باللسان والقلب لا يظهر الافتقار والاضطرار والاحتياج إلى ربه جل وعلا، لا يكون هذا، وثمرة هذا الدعاء إن وجدت فإنها ضئيلة وإنها ضعيفة. قال رحمه الله: «فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم». فلا يعمل شيئًا إلا بعلم، ولا يعمل شيئًا إلا بحكمة عظيمة جليلة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. قال رحمه الله: «وما أوتي من أوتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء». تأمل إلى هذه العبارات، يقول رحمه الله: «وما أوتي من أوتي»، أي ما أوتي من الذنوب، وما أوتي من الخذلان، قال: «إلا من قبل إضاعة الشكر»، من قبل إضاعة الشكر. الله جل وعلا ينعم عليك أيها العبد، ينعم عليك أيها العبد، ولا تقابل ذلك الإنعام بالشكر، بل تقابله بالكفر، فيكون سببًا لسلب تلك النعم، ولخذلانك، ولأن يكيلك ربك جل وعلا إلى نفسك. قال رحمه الله: «وما أوتي من أوتي إلا من قبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء». وإهمال الافتقار، فلابد من الدعاء، فلابد في الدعاء من إظهار الافتقار، من إظهار الحاجة، من إظهار الذل، من إظهار أنك ذليل، أنك حقير، أنك لا شيء إن لم يوفقك الله جل وعلا. فتكثر من الدعاء وأنت مظهر الافتقار، وأنت منكسر القلب، وأنت متضرع إلى ربك جل وعلا. قال رحمه الله: «ولا ظفر من ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء». فلابد في الدعاء من صدق، لابد أن يكون الإنسان صادقًا مع ربه جل وعلا في الدعاء، وأن يكون مستحضرًا لعظيم فضل ربه جل وعلا، ولعظيم من يدعو، ولعظيم من يدعو. قال رحمه الله: «وملاك ذلك الصبر». أي لا يكون هذا الأمر، الشكر واستمرار الشكر، والدعاء والافتقار واستمرار ذلك، إلا بصبر، صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله جل وعلا المؤلمة. لذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «أن منزلة الصبر منزلة الرأس من الجسد، إذا انقطع الرأس فلا بقاء للجسد». يقول: «فإذا هذه الأمور تحتاج إلى صبر، وتحتاج في ذلك الصبر إلى دعاء وافتقار ولجوء إلى الله سبحانه وتعالى». والله تعالى أعلم، وسبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. الدعاء في الوقت في أوقات استجابة الدعاء كثيرة، منها في الثلث الآخر من الليل، ومنها في الساعة الأخيرة من يوم الجمعة، ومنها في أوقات الصلوات، ومنها بين الأذان والإقامة، ومنها عند نزول المطر، وأشياء كثيرة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، والله أعلم.