الدرس في قبس من السيرة النبوية 35، المرحلة الأولى من مراحل الدعوة الإسلامية[الدعوة السرية] . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بدأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم دعوته سرًا بعد نزول الوحي، واستمرت ثلاث سنوات. أول من آمن به كانت زوجته خديجة.
كان علي بن أبي طالب و زيد بن حارثة من أوائل من أسلم، حيث تربى علي عند النبي و كان زيد مولى للنبي.
اختلف العلماء في أول من أسلم من الرجال بين علي بن أبي طالب و زيد بن حارثة و أبي بكر الصديق.
يختتم الكاتب بحثه بالإشارة إلى مراجعتهم لبعض أبحاث شيخ الإسلام و يطلب من الله أن ينفعهم بما قاله.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، كَانَ الْكَلَامُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ فِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ عَنْ مَبْدَأِ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالْمَرَّةُ الْأُولَى لَمَّا كَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، ثُمَّ الْمَرَّةُ الثَّانِيَةُ عِنْدَمَا انْتَهَى مِنْ مُجَاوَرَةِ الْحِرَاءِ فَاسْتَوْطَنَ الْوَادِيَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَنَزَلَ وَأَنْزَلَ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا قَوْلَهُ جَلّ فِي عُلَاهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ الْآيَاتِ. وَذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْمُعَاصِرِينَ بِذِكْرِ التَّارِيخِ مَا سَوَاءٌ كَانَ الْهِجْرِيُّ أَوْ الْمِيلَادِيُّ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ صَاحِبُ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ، ثُمَّ اسْتَنْتَجَ تِلْكَ النَّتِيجَةَ حَوْلَ مَشْرُوعِيَةِ الْاعْتِكَافِ وَمَشْرُوعِيَةِ الْفَرَحِ بِالْعِيدِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، بَعْدَمَا بُشِّرَ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ، أَخَذَ عَلَى كَاهِلِهِ الْقِيَامَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ جَلّ وَعَلَا بِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، أَمَرَهُ رَبُّنَا جَلّ وَعَلَا بِالنُّذَارَةِ، فَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَشَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، وَحَمَلَ عَلَى عَاتِقِهِ وَعَلَى كَاهِلِهِ هَذَا الدِّينَ، وَقَامَ بِنَشْرِهِ بِكُلِّ قُوَّةٍ، بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طَرِيقٍ وَسَبِيلٍ. وَأَكَّدَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَ الدَّعْوَةَ ابْتَدَأَهَا سِرًّا، يَبْحَثُ وَكَانَ فِي دَعْوَتِهِ السِّرِّيَةِ يَنْظُرُ أَوَّلَ مَنْ يَنْظُرُ إلَى مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَيُؤْمِنُ بِهِ، مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْبِلُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ الَّذِي بُعِثَ فِيهِمْ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا عَلَى كُفْرٍ وَعَلَى شِرْكٍ وَعَلَى ضَلَالٍ وَعَلَى خَلَلٍ. كَانَ قَانُونُ الْغَابِ هُوَ السَّائِدَ فِي أَزْمَانِهِمْ، الْقَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، وَالْغَنِيُّ يَسْتَعْلِي عَلَى الْفَقِيرِ، فَشَا فِيهِمُ الْفُجُورُ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا وَشُرْبُ الْخُمُورِ، مَا كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَمًّا وَلَا عَهْدًا، كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ وَاسْتَحْكَمَتْ اِسْتِحْكَامًا الدِّمَاءُ وَانْتَهَاكُ الْحُرُمَاتِ، كَانُوا عَلَى ظُلْمٍ وَعَلَى ظُلُمَاتٍ. فَمِثْلُ رِسَالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَتُلَاقِي بِالرَّفْضِ؛ لِأَنَّ فِيهَا الْكَبْتَ لِشَهَوَاتِهِمْ وَنَزَوَاتِهِمْ، فَبَدَأَ نَبِيُّنَا أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَ بِمَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَيُؤْمِنُ بِهِ، وَأَيْضًا مَنْ سَيَكْتُمُ أَمْرَهُ، مَنْ سَيَكْتُمُ أَمْرَهُ وَلَا يُفْشِيهِ لِغَيْرِهِ. فَبَدَأَ بِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ، وَقَدْ جَاءَتْ الْكُتُبُ السِّيرَ وَهَكَذَا كُتُبُ الصِّحَاحِ وَالسُّنَّةِ بِتَحْدِيدِ أَوَّلِ النَّاسِ إيمَانًا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَأَوَّلِ مَنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ. وَطَبْعًا سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ السِّرِّيَةَ اسْتَمَرَّتْ لِمُدَّةِ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ كَرَّسَهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو النَّاسَ سِرًّا، يَدْعُوهُمْ فِي السِّرِّ. وَأَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ خَدِيجَةُ زَوْجَتُهُ أَوْ زَوْجُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَدْ مَرَّ مَعَنَا فِي بِدَايَةِ الْحَدِيثِ فِي بِدَايَةِ الْوَحْيِ كَيْفَ أَنَّ نَبِيَّنَا، كَيْفَ أَنَّ عَائِشَةَ، كَيْفَ أَنَّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَدْ عَاصَرَتْ هَذِهِ الْوَقَائِعَ، فَرَأَتْ تَبَاشِيرَ النُّبُوَّةِ، وَسَمِعَتْ بِنُزُولِ جِبْرِيلَ، وَسَمِعَتْ بِبِشَارَةِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ لِنُبُوَّةِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَسَمِعَتْ مِنْ فَمِ نَبِيِّنَا الْوَحْيَ يَتْلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا، فَآمَنَتْ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. وَكَانَتْ تُعْتَبَرُ دُرْعًا وَحِصْنًا حَصِينًا دَاخِلِيًّا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي دَعْوَتِهِ، كَانَ إذَا خَرَجَ وَوَجَدَ الْعَنَتَ وَوَجَدَ الْإِبَاءَ وَالِاسْتِكْبَارَ وَالِاسْتِهْزَاءَ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَدْ آلَمُوهُ بِمَا يُلْقُونَهُ مِنْ الْقَبَائِحِ، يَذْهَبُ وَيَدْخُلُ عَلَى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَتَرْفَعُ مِنْ هِمَّتِهِ وَتَرْفَعُ مِنْ قَلَقِهِ وَمِنْ خَوْفِهِ، فَكَانَتْ تُطَمْئِنُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. وَكَانَ هَذَا حَالُهَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَكَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إيمَانًا بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ آمَنَ بِهِ عَلَى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ، مَنْ قَالَ إنَّ عُمْرَهُ آنَذَاكَ كَانَ ثَمَانِيَ سَنَوَاتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ كَانَ عَشْرَ سَنَوَاتٍ، أَيْ عُمُرُهُ يَتَراوَحُ بَيْنَ هَذِهِ السِّنِينَ، أَيْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ. وَجَاءَتْ الرِّوَايَاتُ الْكَثِيرَةُ الدَّالَةُ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إيمَانًا، فَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ نَبِيَّنَا بُعِثَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَأَنَّ عَلِيًّا آمَنَ بِهِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَكَذَلِكَ تِلْكَ الْقِصَّةُ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ، وَابْنُ إسْحَاقَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا، لَكِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُحَسِّنُهُ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ. فِي قِصَّةِ ذَاكَ الرَّجُلِ اسْمُهُ الْعَاصِفُ، وَكَانَ مِنْ الْجَاهِلِيِّينَ، دَخَلَ مَكَّةَ فَنَظَرَ إلَى الْكَعْبَةِ، فَوَجَدَ شَابًّا، نَظَرَ أَوَّلَ مَا نَظَرَ إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ، ثُمَّ قَامَ، وَقَامَ عَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَقَامَ مِنْ خَلْفِهِمَا امْرَأَةٌ، فَقَامَ، فَيَقُولُ الْعَاصِفُ: فَرَأَيْتُ فَإِذَا هَذَا الشَّابُّ رَكَعَ، فَرَكَعَ الْغُلَامُ، وَرَكَعَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ خَلْفِهِمَا. قَالَ: فَقَامَ الشَّابُّ، فَقَامَ الْغُلَامُ، وَقَامَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ خَلْفِهِمَا، قَالَ: فَسَجَدَ الشَّابُّ، فَخَرَّ أَيْ الْغُلَامُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ بَعْدِهِمَا، فَقَالَ عَاصِفٌ لِمَنْ مَعَهُ: قَالَ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ، أَوَّلَ مَرَّةٍ أَرَى هَذَا الْمَنْظَرَ، وَهَذَا الْعِبَادَ وَالتَّدَيُّنَ فِي الْحَرَمِ، قَالَ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ الْقَائِلُ، وَهُوَ الْمُطَّلِبُ: أَمْرٌ عَظِيمٌ أَلَا تَدْرِي مَنْ هَذَا أَيْ هَذَا الشَّابُّ؟ قُلْت لَا، قَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَتَدْرِي مَنْ الْغُلَامُ؟ قُلْت لَا، قَالَ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قُلْت أَتَدْرِي الْمَرْأَةُ الَّتِي مِنْ خَلْفِهِمَا؟ قُلْت لَا، قَالَ: هَذِهِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ. فَالْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ وَبِطُولِهِ لَهُ قِصَّةٌ، لَكِنَّهُ يَنْفَعُنَا وَيُفِيدُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ مِنْ السَّابِقِينَ، وَكَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إيمَانًا بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَكَانَ عَلِيٌّ فِي آنِ إيمَانِهِ ذَاكَ قَدْ تَرَبَّى عِنْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يَذْكُرُ الْعُلَمَاءُ أَهْلُ السِّيرِ وَالتَّوَارِيخِ تِلْكَ الْقِصَّةَ الَّتِي مُفَادُهَا أَنَّ قُرَيْشًا أُصِيبَتْ بِمَجَاعَةٍ شَدِيدَةٍ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ رَجُلًا كَثِيرَ الْعِيَالِ، قَلِيلَ الْمَالِ، ضَعِيفَ الْحَالِ، وَالْمَجَاعَةُ كَانَتْ تُؤَثِّرُ عَلَيْهِ وَعَلَى نَفَقَتِهِ، وَعَلَى عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِ فِي ظِلِّ هَذِهِ الْمَجَاعَةِ وَالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ الَّذِي دَبَّ فِي قُرَيْشٍ. فَقَامَ إخْوَانُهُ فَعَاوَنُوهُ، قَالُوا: سَنُعِينُك فِي كَفَالَةِ أَبْنَائِكَ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ وَأَخَذَ جَعْفَرًا، قَالَ: سَأَخْذُهُ عِنْدِي وَأَنَا أُرَبِّيهِ كَأَوْلَادِي حَتَّى أُخَفِّفَ عَنْكَ مُؤْنَةَ التَّرْبِيَةِ، وَقَامَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَأَخَذَ عَلِيًّا مِنْ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَنَا أَكْفُلُهُ. فَأَصْبَحَ عَلِيٌّ يَتَرَبَّى فِي كَنَفِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَانَ نَبِيُّنَا يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ، وَيَكُونُ مَعَهُ فِي مَدْخَلِهِ وَفِي مَخْرَجِهِ وَفِي مَمْشَاهُ، فَلَمَّا جَاءَتْ النُّبُوَّةُ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُبَاشَرَةً، عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَكَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إسْلَامًا زَيْتُ بْنُ حَارِثَةَ، وَكَانَ مَوْلًى مِنْ مَوَالِي نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَهُ كَذَلِكَ قِصَّةٌ فِي بَقَائِهِ وَكَوْنِهِ مَوْلًى لِنَبِيِّنَا، وَذَلِكَ مَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيرِ مِنْ أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ أُسِرَ فِي الْجَاهِلِيَةِ، أُسِرَ فِي الْجَاهِلِيَةِ، ثُمَّ بِيعَ وَاشْتَرَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَقَامَ حَكِيمٌ فِي جَاهِلِيَتِهِ اشْتَرَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، اعْتَبَرَتْهُ عَمَّةً لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَأَعْطَتْ عَمَّتَهَا، قَالَتْ: خُذِي هَذِهِ هَدِيَّةً مِنْ لِي لَكِ. فَكَانَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلًى لِخَدِيجَةَ، فَلَمَّا تَزَوَّجَتْ خَدِيجَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَدْ مَرَّ هَذِهِ الْقِصَّةُ مَعَنَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ خَدِيجَةُ مِنْ نَبِيِّنَا، قَامَتْ خَدِيجَةُ وَوَهَبَتْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَأَصْبَحَ زَيْدٌ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. طَبْعًا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ كَانَ هُوَ يُعْتَبَرُ يُسَمَّى بِحِبِّ رَسُولِ اللَّهِ، كَانَ نَبِيُّنَا يُحِبُّهُ حُبًّا عَظِيمًا، وَجَاءَتْ الرِّوَايَاتُ أَنَّ أَهْلَ زَيْدٍ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ زَيْدًا فِي مَكَّةَ وَأَنَّهُ عِنْدَ الْقُرَشِيِّينَ وَأَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَامَ أَهْلُهُ وَطَالَبُوا بِهِ وَأَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوا زَيْدًا، إلَّا أَنَّ زَيْدًا رَفَضَ وَأَحَبَّ أَنْ يَبْقَى عِنْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَآثَرَهُ عَلَى أَبِيهِ وَعَلَى أُمِّهِ وَعَلَى عَمِّهِ وَعَلَى أَهْلِهِ جَمِيعًا، فَآثَرَهُ وَأَحَبَّ الْبَقَاءَ عِنْدَ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَبَلَغَ نَبِيَّنَا قَدْ تَبَنَّى زَيْدًا وَجَعَلَهُ ابْنًا مِنْ أَبْنَائِهِ، بَلْ كَانَ يُسَمَّى زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، يُسَمَّى زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَلْغَى التَّبَنِّيَ، أَدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَخْصَمُ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَمَّى بِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. فَالْشَاهِدُ أَنَّ زَيْدًا تَرَبَّى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، سُرْعَانَ مَا عَرَضَ نَبِيُّنَا الْإِسْلَامَ عَلَى زَيْدٍ، فَمَاتَ لِعَثْمٍ وَمَاتَ لِكُلِّهِ، وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ فِي دِينِ اللَّهِ مُبَاشَرَةً، فَكَانَ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إيمَانًا بِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَكَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إسْلَامًا أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَكَانَ بَيْنَ الصِّدِّيقِ وَبَيْنَ نَبِيِّنَا فِي الْجَاهِلِيَةِ صَدَاقَةٌ، بَلْ يَقُولُ الْعُلَمَاءُ صَدَاقَةُ حَمِيمَةٌ، كَانَ بَيْنَهُمَا صُحْبَةٌ وَبَيْنَهُمَا صَدَاقَةٌ، فَكَانَ يَعْرِفَانِ بَعْضًا جَيِّدًا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُمَاشِي نَبِيَّنَا دَائِمًا وَأَبَدًا، وَكَانُوا عَلَى مَعْرِفَةٍ بِبَعْضِهِمَا بَعْضًا. فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُبَاشَرَةً، قَامَ نَبِيُّنَا وَعَرَضَ الْإِسْلَامَ عَلَى صَدِيقِهِ عَلَى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، فَسُرْعَانَ مَا آمَنَ وَأَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ هُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ يَدْخُلُونَ فِي الْإِسْلَامِ، خَدِيجَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّحْدِيدِ فِي تَحْدِيدِ الْأَوْلَوِيَةِ، مَنْ هُمَا أَسْبَقُ؟ وَتَأْتِينَا الرِّوَايَاتُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَوَّلًا كَأَوْلَوِيَةِ الْأَوْلَوِيَةِ، لَا إشْكَالَ وَلَا شَكَّ وَلَا رَيْبَ فِي تَقَدُّمِ خَدِيجَةَ، خَدِيجَةُ هِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ مُطْلَقًا، قَبْلَ الرِّجَالِ وَقَبْلَ النِّسَاءِ، لَمْ يَسْبِقْهَا أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ. بَلْ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَيْثُ قَالَ: خَدِيجَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَسْلَمَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَتَقَدَّمْهَا رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُحَقِّقِينَ، فَإِذَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ وَثَارَعَ بِالْإِيمَانِ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا. ثُمَّ دَبَّ الْخِلَافُ فِيمَا بَعْدُ، هَلْ عَلِيٌّ بَعْدَهَا؟ أَمْ هَلْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بَعْدَهَا؟ أَمْ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ بَعْدَهَا؟ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إنَّ بَعْدَ خَدِيجَةَ أَسْلَمَ الصِّدِّيقُ، قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ، جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ. أَمَّا الْمُعَلِّمُونَ مِمَّنْ صَرَّحَ أَنَّ الصِّدِّيقَ بَعْدَ خَدِيجَةَ مُبَاشَرَةً، وَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، بَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَذَكَرَ فِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا إمَامُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ عُمَرُ بْنُ مُرَّةَ، فَذَكَرْت لِلنُّخَعِيِّ أَيْ قُلْت وَنَقَلْت هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِلنُّخَعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَنْكَرَه أَيْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَهَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ، أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ. وَقَالَ شَيْخُ الْأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْيِيِذِ ذَلِكَ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ السَّهْلُ، بَلْ إنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ مَنْ ذَهَبَ وَقَالَ: إنَّ الْأَرْبَعَةَ قَدْ أَسْلَمُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، الْأَرْبَعَةُ أَسْلَمُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِهَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. أَنَّ الْجَمِيعَ قَدْ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى نَبِيِّنَا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، كَانَ خَارِجًا فِي بَيْتِهِ، أَخْبَرَهَا فَآمَنَتْ، زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فِي بَيْتِهِ أَخْبَرَهُ فَأَسْلَمَ، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي بَيْتِهِ أَخْبَرَهُ فَأَسْلَمَ، خَرَجَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ الصِّدِّيقُ، فَأَخْبَرَهُ فَأَسْلَمَ، فَالْجَمِيعُ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ. أَشْهَدُ إخْوَانِي فِي اللَّهِ أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَدَأَ بِالدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ جَلّ وَعَلَا، وَكَمَا تَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ سَارَعَ فِي ذَلِكَ سَيْرًا حَثِيثًا، وَسَيَأْتِي مَعَنَا مَا كَانَ مِنْ جَرَاءِ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مِنْ أَنْفَعِ الْأَرْبَعَةِ الصِّدِّيقُ، مِنْ أَنْفَعِ الْأَرْبَعَةِ الصِّدِّيقُ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ: قَالَ إنَّ الصِّدِّيقَ يُعْتَبَرُ كَنْزًا، كَنْزًا ادَّخَرَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ، سَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ الصِّدِّيقَ لَمَّا أَسْلَمَ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْكَثِيرَ مِنْ الْخَيْرِ، أَسْلَمَ الْكَثِيرُ وَالْكَثِيرُ، لَا أَقُولُ مِنْ ضِعَافِ النَّاسِ، بَلْ مِنْ تُجَّارِهِمْ وَمِنْ وَجَهَائِهِمْ، مَنْ تَأَثَّرَ بِالصِّدِّيقِ آمَنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِالْعَشَرَاتِ، دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَمِنْ تَأَثَّرَ بِالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَيُرَاجَعُ فِي ذَلِكَ مَا بَحَثْنَا مُتِيعًا وَمَاتِعًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَوْلَ إسْلَامِ الصِّدِّيقِ فِي مِنْهَاجِ السُّنَّةِ. فَأَشْهَدُ إخْوَانِي وَأَسْأَلُ مُولَى جَلّ وَعَلَا أَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا قُلْنَا، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.