الدرس في حلية طالب العلم 21، ألقاها
يتحدث الشيخ عن أهمية الأخلاق الحميدة لطالب العلم ويحذر من الأخلاق الذميمة والمظهر الكاذب. يشدد على أن التزين بما ليس فيه مذموم ويعاقب عليه الله.
يفسر ابن القيم كيف أن إظهار صفات ليست في المرء يؤدي إلى الافتضاح والرياء. هذا التصرف يفضح الشخص ويظهر عيوبه أمام الناس.
يورد الكاتب أمثلة على أشخاص ادعوا العلم وتبين كذبهم، مما يدل على خطورة الادعاء الكاذب. هذه الأمثلة تشمل رجلا ادعى العلم ولكنه أخطأ في الفتوى.
يتضمن المقطع دعاء لله بالتوفيق لصلاح الظاهر والباطن، ويعبر عن الحمد والصلاة على النبي وآله وصحابته. يعكس الرغبة في الصلاح والتوفيق الإلهي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي التكلم على الحلية السابعة، وهي التحلي برونق العلم، ووصلنا إلى قوله رحمه الله تعالى: «وقد قيل: من أكثر من شيء عرف به، فمن عرف أو من أكثر من المزاح والهزل والضحك عرف بذلك، وفي المقابل من ظهر عليه السمت والهدي الصالح والسكينة والوقار كذلك عرف به». قال رحمه الله: «فتجنب هاتيك السقطات في مجالستك ومحادستك، أين كثرة المزاح والسخافة والضحك لغير حاجة، فينبغي لطالب العلم أن يتنزه عن هذه الأمور ويترفع عنها». قال رحمه الله تعالى: «وبعض من يجهل يظن أن التبسط في هذا أريحة، الانبساط في هذا الأمر يظنه أنه راحة وأنه سعادة وما شابه ذلك، ما درى المسكين أنه بقدر استجلاب هذه الأخلاق الذميمة ما يزيد إلا تعاسة وإن رآها من السعادة». قال: «وعلي الأحنف بن قيس قال: جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، إني أبغض الرجل يكون وصافًا لفرجه وبطنه». والأحنف قد عرف بالحلم والحكمة، وهذه من الحكم: «جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام»، أي لا ينبغي لمن كان ذا عقل وافر وذا دين كامل أن تكون مجالسه التي يجلسها يتحدث فيها عن النساء أو يتحدث فيها عن الطعام، هذا مما ينبغي أن يترفع عنه طالب العلم. قال رحمه الله: «وفي كتاب المحدث الملهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في القضاء، وهو كتاب مشهور كتبه عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء، وهو أصل كتاب الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى إعلام الموقعين، فكتاب إعلام الموقعين للعلامة ابن القيم هو شرح لهذا الكتاب». قال رحمه الله: «ومن تزين بما ليس فيه شانه الله». الشيخ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما ذكر أنه ينبغي لطالب العلم أن يتخلق بالأخلاق العالية والسمات الحسنة، ثم حذر وأنذر من التخلق بخلافها وبأضدادها، نبه على شيء مهم، فقال: «ومن تزين بما ليس فيه» أي تظاهر بما ليس فيه، قال: «شانه الله». قال: «وانظر شرحه لابن القيم رحمه الله تعالى»، أي انظر شرح هذه الفقرة للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه إعلام الموقعين. وشرحه قال: «قال ابن القيم رحمه الله: لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص، قال: فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه، قال: عامله الله بنقيض قصده، أظهر المحاسن لأجل ماذا؟ لأجل أن يثنى عليه وأن يقدم في المجالس وما شابه ذلك، أي لينال إكرام الناس، فعومل بنقيض قصده، شانه الله». واضح. قال ابن القيم: «قال: هذا ولما كان المتزين للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والنسك والعلم وغير ذلك قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها»، واضح. قال: «فلابد أن تطلب منه، إن كان أظهر العلم لابد أن يطلب منه العلم، إن أظهر الدين لابد في المجالس أن يطلب منه الاستفادة منه في دينه، وكذلك الخشوع، وكذلك ما أظهره من شيء». قال رحمه الله: «قال: وغير ذلك قد نصب نفسه لليوازم هذه الأشياء ومقتضياتها، قال: فلابد أن تطلب منه، فإن لم توجد عنده، فإن لم توجد عنده افتضح». قال: «فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه، من حيث يظن أنه ماذا يزينه؟ وهذا من المعاملة بنقيض القصد، وهذا من المعاملة بنقيض القصد، أراد التزين للناس فكان ذلك العمل سببًا لشينه أمام الناس». قال رحمه الله تعالى: «افتضح فيشينه ذلك من حيث ظن أنه يزينه». قال: «وأيضًا، فإنه أخفى عن الناس ما أظهر لله خلافه». انظر. قال: «فإنه أخفى عن الناس أي من الأمور الباطنة، أظهر الخشوع وهو من الخشوع بعيد، أظهر العلم وهو من العلم بعيد، أظهر الدين وهو من الدين كذلك بعيد، وما شابه ذلك». قال: «فإنه أخفى عن الناس ما أظهره لله، أو قال: ما أظهر الله خلافه، أخفى عن الناس وأظهره لمن؟ لله رب العالمين». ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول﴾. قال رحمه الله: «فأظهر الله من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم، جزاء لهم من جنس عمله». انظر. تظاهر للناس بشيء وأظهر لله جل وعلا شيئًا آخر، لأنه أخفاه عن الناس، أخفى عن الناس العيوب، أخفى عن الناس المخالفات، أخفى عن الناس ما يبعده عن الله جل وعلا، ولكن أظهر الله جل وعلا فيما بينه وبين الله جل وعلا خلاف ما أظهر، فكان عاقبته أن أظهر الله جل وعلا للناس عيوبه، فشانه الله جل وعلا من حيث ظن أنه يتزين به. وما أكثر هؤلاء! نسأل الله جل وعلا أن يعيدنا وإياكم أجمعين من هذا الخلق ومن هذه الصفة الزميمة، وهي كما ترون محض رياء، محض رياء، لأنه إظهار للناس، وحقيقة الرياء أن يري الإنسان لغيره من عمله الصالح أو الذي يثنى عليه لأجله، وهو في الداخل قد يكون خربًا، لذا كما ترون كان هذا سببًا في فضحه. وهذا كما ترون، وكما قال شيخ الإسلام المقيم رحمه الله تعالى: «وهذا الكلام من أمير المؤمنين الملهم المحدث كأنه من مشكات النبوة»، «من تزين بما ليس فيه شانه الله»، شانه الله جل وعلا، وهذا له نظائر كثيرة. بل كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ربما يتظاهر الإنسان أو بعض الناس بالعلم أنه عنده غزارة علمية أو عنده معلومات أو ما شابه ذلك، فإذا طلب منه العلم افتضح. وهذا كثير، بعض الناس إذا رأيته هبته، فإذا جالس وسمع منه فإذا هو وفراغ. ومن جميل ما يذكر وحصل في الواقع لبعض الناس من هذا الصنف: حصل لبعض الناس شيء من هذا النوع لرجل أعرفه ذهب إلى قرية من القرى على أنه طالب علم، فكانوا أول يوم ضيفه، يقول: لا، لا، سنبدأ في دروس ما بعد الآن، محاضرات الآن، سنفعل، سنفعل. اليوم الثاني، وهو ما شاء الله ضيافة اليوم الثالث، فالحاصل يعني من هذا الباب كان يسأله عن بعض الأمور، يقول مثلًا: شيء كذا وكذا، يقول: لا بأس، كذا كذا. يأتي بعض الحاضرين عنده ثقافة، فيقول له: كيف تقول بحديث كذا وكذا؟ يفتي بخلاف الصواب، فيقول له بعض الناس العوام عنده ثقافة: لعله قرأ في بعض الكتب أو استمع لبعض الأشرطة، أيش تقول في حديث كذا وكذا؟ يقول: هذا الحديث ضعيف، هذا الحديث ضعيف، ضعفه شيخنا فلان، وهكذا. مرة أخرى، هذا الحديث يقول: هذا الحديث ضعيف، ضعفه شيخنا فلان. فلما مر من المرات تكلم في مسألة، فقال له واحد: كيف تقول بكذا وكذا؟ أتى له بآية، قال: ضعفه شيخنا فلان. فالحاصل: هذه من الفضيحة، كما يقال. هذا واقع يعني كما يقال في زماننا هذا، وهذا مثال لغيره. والناظر في تراجم بعض الناس ممن ذكر في هذا الوصف ممن تصنع وادعى أنه من أهل الحديث يفضح، يجلس عنده بعض الأئمة رحمهم الله تعالى فيفضحونه. ومما ذكر في مثل هذا الباب قالوا: حضر ذات مرة الإمام أحمد ويحيى بن معين، فإذا برجل يحدث، وفي القوم من يا جماعة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، ثم هذا الرجل ما هو سهل، يحدث عن من؟ يقول: حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قال: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فتعجب أحمد، تعجب أحمد ونظر إلى يحيى بن معين، ويحيى بن معين نظر إلى أحمد، أحمد سكت، ويحيى بن معين قاله: يا رجل، تحدث عن أحمد بن حنبل وعن يحيى بن معين، وها هو أحمد بن حنبل وأنا يحيى بن معين. فذاك الرجل مجادل، ماذا قاله؟ قال: قد سمعت الناس يقولون: إن يحيى بن معين فيه غباء، وقد ظهر لي اليوم كذلك، أليس في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا أنتم؟! انظر يا جماعة، الرجل مصر يعني يقول: يحيى بن معين قد سمعت الناس إنهم يقولون أن يحيى بن معين غبي، واليوم ظهر لي مصداق هذا. قال: أليس في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلا أنتم؟! يعني كأن يقول: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في الدنيا كثير، وأنا حدثت من هؤلاء الكثير. واضحة يا جماعة. وهذا كما يقال من الكذب المفضوح، ولهذا نظائر كثيرة. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لما في صلاح إظواهرنا وباطننا، إنه قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابته أجمعين.