الدرس في حلية طالب العلم 50، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية الكتابة في حفظ العلم وتجنب ضياعه، مشيرًا إلى أن ضبط الكتاب أضبط من حفظ الصدر. جميع مراحل طلب العلم تحتاج إلى الكتابة لضمان حفظ المعلومات بدقة.
ينصح الشيخ الطلاب بتقييد الفوائد والمسائل الهامة أثناء القراءة والبحث، مع تدوين التفاصيل مثل اسم الكتاب ورقم الصفحة. هذه الطريقة تسهل الرجوع إلى المعلومات فيما بعد وتساعد في تنظيم المعرفة.
يشرح الشيخ كيفية تدوين وتنظيم الفوائد العلمية المستفادة من الكتب، حيث يتم ترتيبها في دفتر خاص حسب الموضوعات. هذه الطريقة تساعد في حفظ العلم واسترجاعه بسهولة عند الحاجة.
ينتهي المقطع بدعاء للتوفيق في طلب العلم والاعتراف بعلم الله تعالى، متضمنًا الصلاة على النبي وآله وصحبه. يعبر الختام عن الرغبة في نيل رضا الله والاعتراف بفضله في العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فما زلنا في القراءة في الفصل الخامس من هذه الحلية -حلية طالب العلم- وهذا الفصل الخامس في آداب الطالب في حياته العلمية. قال رحمه الله تعالى، وهو يذكر الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها الطالب، وأن يتصف بها: «حفظ العلم كتابة»، أي: بأن يقيد العلم بالكتابة. قال رحمه الله: «أبذل الجهد في حفظ العلم حفظ كتاب؛ لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع». هذا تعليل لما ذكر. قال: «وقصر لمسافة البحث عند الاحتياج». وهذا كذلك تعليل آخر. قال: «لا سيما مساء العلم التي تكون في غير مضانها». ومن أجل فوائده: أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها -أي: تستخلص منها- مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي. يقول الشيخ رحمه الله تعالى: مما ينبغي أن يعتني به الطالب في طلبه، سواء كان الطالب المبتدي أو كان المنتهي؛ فإن الكتابة يحتاج لها كل طالب، سواء كان في بداية طلبه للعلم أو قد صار عالما من كبار علماء الأمة؛ يحتاج أن يقيد العلم؛ لأن العلم كما قيل: كالصيد، والصيد إما أن يقيد وإما أن ينفلت من يد من أمسكه. وكذلك العلم. وقد دلت عمومات الشريعة على حفظ العلم، سواء كان حفظ صدر أو حفظ كتاب. إلا أن العلماء رحمهم الله تعالى -لا سيما المتقدمين ممن كان يحفظ حفظا قويا تاما- اختلفوا في هذه المسألة: أيهما يقدم: حفظ الصدر أو حفظ الكتاب؟ منهم من قدم هذا، ومنهم من قدم هذا. والذي عليه جماعة من المحققين: التفصيل. وهو أن ضبط الكتاب أتقن وأضبط، وضبط الصدر أشرف. ضبط الصدر أشرف من حيث الشرف؛ أن يكون إنسان حافظا. لكن من حيث الإتقان، فإن ضبط الكتاب مقدم؛ لأن الحفظ كما قيل: خوان. الحفظ خوان. مهما كان الإنسان من الحفظ وقوة الحفظ، ولكن الغالب أنه عند الكبر، عند الكبر والضعف يحصل له الضعف في حواسه الظاهرة: من السمع والبصر وغير ذلك، ويحصل له كذلك الضعف في حفظه. لذا ثبت عن الإمام الشعبي رحمه الله تعالى أنه قال: «ما كتبت سوداء على بيضاء -أي: الحبر على الورق- قال: وما نسيته من العلم». يعني: على قوة حفظه ما كتب سوداء على بيضاء، مع هذا يقول: «وما نسيته من العلم». ما لو أن حفظه إنسان لكان به عالما. أي: أنه نسي الشيء الكثير. وهذا يدلنا على المقصود الذي لأجله ذكر الشيخ هذا الأمر. وقد سئل كذلك أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه: من أحفظ -أو أكثر حفظا- لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منك؟ فقال: «لا أحد إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب». هذا يقول: حفظ الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم -الذي هو رأس الحفاظ- كما ذكر ذلك الإمام الذهبي رحمه الله في كتاب «الموقظة»: الحفاظ طبقات، ورأس هؤلاء الحفاظ أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. قال الشيخ رحمه الله: «أبذل الجهد في حفظ العلم حفظ كتاب». قد يقول قائل: لماذا الشيخ قال حفظ كتاب؟ وما حتى على الحفظ حفظ الصدر أرجى؟ ومن هذا قد تقدم الحرص على حفظ الصدر. هذا قد تقدم. ولا يكون العالم عالما إلا أن يكون في صدره علما. لابد أن يكون في صدر هذا العالم علما، وإلا كيف يكون عالما يفتي بغير علم؟ يحتاج إلى أن ينظر في كتابه إذا جاءت الفتوى أو جاءت المسألة. لابد من حفظ. وكما تقدم معنى في دروس مضت: أنه يبتدأ بحفظ كتاب الله، وما تيسر من كتب السنة، وما تيسر من كتب السنة. وكذلك يحفظ المسائل العلمية، ما تيسر من المسائل العلمية؛ لأنه يحتاج إليها يحتاج إليها. لا محالة إذا سافر، إذا جلس للإفتاء، إذا احتاج الناس إلى علمه. لابد أن يكون عندهم العلم في صدره ما تندفع به الحاجة. وحفظ الكتاب هو التقييد لهذا العلم، أي: أن يقيد الطالب المسائل والفوائد والشوارد التي تمر به، يقيدها، ويقرأ ويطالعها بين فترة وأخرى، وينظر فيها ويتأمل فيها، وإن استطاع يحفظها حفظها؛ فإن هذا مما يعيد. وقد سئل الإمام البخاري -جبل الحفظ وإمام الدنيا- رحمه الله: كيف يصير الإنسان -أو كيف يستطيع الإنسان أن يحفظ أو أن يتقوى حفظه؟ فقال رحمه الله تعالى: «كثرة النظر -أو قال: إدامة النظر في الكتاب- إدامة النظر في الكتاب»، أي: أن يقيد -أن يكتب- ثم ينظر في الكتاب، يقرأ في الكتاب، يحفظ في الكتاب بين مرة وأخرى. وهكذا لا يقيد المسألة ثم يتركها ويهمل ما كتب. بل المقصود أن يقيد الشوارد والفوائد والمسائل، ثم يطالع هذه الفوائد وهذه المسائل بين فترة وأخرى. قال رحمه الله تعالى: «أن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع». وهذا كما يقال معلوم ومجرب. كم من مسألة تمر بالإنسان في أثناء مطالعة، في أثناء بحث، فيقول: هذه المسألة جيدة، وفائدة عظيمة. إن شاء الله تعالى تستقر في الذهن ولا تذهب. فما تمر الأيام حتى تحتاج إلى هذه الفائدة، فتقلب الكتب وتنظر وتبحث وتقول: «يا ليتني كتبتها». تقول: «يا ليتني كتبتها». وهذا كثير. وهذا كثير. فالحاصل: أنه ينبغي للطالب إن مرت به فائدة شاردة، مسألة مهمة، يقيدها، يكتب، يجعل دفترا للفوائد والمسائل والشوارد، يقيد فيها ما تيسر من الفوائد. أنت مثلا تبحث في مسألة فقهية، مثلا على سبيل المثال تبحث في مسألة من مسائل -مثلا- الحج، تمر بقاعدة فقهية، ليس ما ظننتها ها هنا، ما ظننتها -مثلا- في كتاب الزكاة، مثلا في كتاب الصلاة. قيد هذه القاعدة: قاعدة في باب كذا وكذا، معناها كذا وكذا، دليلها كذا وكذا. قيد قاعدة الكتاب المجلد: كتاب كذا وكذا، في المجلد كذا وكذا، في صفحة كذا وكذا. الحمد لله قيدت هذه الفائدة وهذه المسألة. تبحث مثلا في مسائل عقائد، تمر بك أحيانا تكون تبحث في مسألة، وتمر بك في أثناء البحث مسألة أخرى، فائدة عظيمة جليلة، أنت كنت في غفلة عنها، أو كنت تبحث عن قائل بها. ماذا تصنع؟ تقول: «أنا أبحث في مسألة أخرى». لا، قيد هذه المسألة. قيد هذه المسألة، وأذكر المجلد والصفحة والكتاب. وهكذا. وإن كان عندك طبعات، اكتب الطبعات: طبعة كذا وكذا، الذي في سنة كذا وكذا. وما شابه ذلك. تفيدك يوما من الدهر. تفيدك يوما من الدهر. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «لا سيما مساء العلم التي تكون في غير مضانها». ومن أجل فوائد التقييد: قال: «أنه عند كبر السن وضعف القوى يكون لديك مادة تستجر منها -أي: تستخلص منها- مادة تكتب فيها بلا عناء في البحث والتقصي». الإنسان قد يكون في مرحلة الشباب قويا، لكن إذا مد الله في عمره وكبر سنه قد يضعف عن البحث والنظر والتقصي. لكن إن كان في مرحلة الشباب والقوة قد قيد المسائل عنده، كتاب ذكر فيه -مثلا- المسائل الفقهية، لا سيما الفوائد على الأبواب. ذكر فيه -مثلا- المسائل العقدية التي يحتاجها كذلك على ترتيب كتاب ما، على ترتيب كتاب ما. مثلا على ترتيب كتاب «الواسطية» في مسائل -مثلا- توحيد الألوهية، على ترتيب -مثلا- كتاب «التوحيد» في مسائل. وصول الفقه على ترتيب «الورقات». وهكذا يجعل لهم دفترا يقيد فيه الفوائد مرتبة، ثم يجعل بعد ذلك فهرسا في آخر الكتاب، في آخر الدفتر: فهرس. مسألة كذا صفحة كذا، مسألة كذا صفحة كذا. فيحتاجها يوما من الدهر، يحتاجها يوما من الدهر. أثناء تدريس، أثناء تأليف، أثناء موعظة، أثناء فائدة، مسألة جاءت فجأة. تكون في ذهنك أن هذه المسألة قد مرت به مباشرة. تأخذ مسألة فقهية، ترجع إلى دفترك الفقهي الذي فيه الفوائد. تنظف الفهرس: مسألة كذا صفحة كذا. فتفتح الدفتر في كتاب كذا صفحة كذا، تقرأ الفائدة. الحمد لله. وصلت إليها بأسرع طريق. وهكذا قل في بقية مسائل العلم. قال رحمه الله تعالى: «ولذا فاجعل لك كناشا». الكناش ذكر في الحاشية: قال: «بضم الكاف وتخفيف النون وشين معجمة، على وزن الغراب، لفظ سرياني بمعنى المجموعة -بمعنى المجموعة-». وهو كما ذكر بعضهم: أن الكتاب: أنه أوراق تجمعها، الدفتر تقيد فيها الفوائد والشوارد. ولكنها -يعني- هذه اللفظة صارت غير مستعملة، ولا معروفة، ولا مشهورة. قال: «أو مذكرة». مذكرة معروفة لتقييد الفوائد والفرائد. انظر إلى قوله: «الفوائد والفرائد» بمعنى الأشياء التي في غير مضانها. أما الأشياء التي في مضانتها لا يحتاج إنسان يكتب كل ما يقف عليه. يمر على كتاب فقهي، مسائل الطهارة مسائلها فيما لا في كتاب الطهارة، مسائل الصلاة مسائلها إن تكون في كتاب الصلاة. لكن إذا وجدت مسألة في غير مضانتها، في غير مضانتها هنا قيد هذه فائدة، أو تقييد لمطلق، أو إطلاق لمقيد، أو تخصيص لعام، أو تعميم لخاص، أو ما شابه ذلك. هذه تقيد. هذه تقيد. أو مثلا: نقض قاعدة مشهورة، أو ذكر قاعدة في باب ما، وما شابه ذلك. قيد. أو تقسيمات، تقسيمات -مثلا- هذا المثال على ثلاثة أقسام: القسم الأول كذا، القسم الثاني كذا، القسم الثالث كذا. قيد هذه التقسيمات تحتاج إليها. وهذه من أعظم العلوم. وهذه من أعظم العلوم: الضبط. الضبط: أي معرفة الحدود والتعريفات، معرفة التقسيمات والأنواع، وما شابه ذلك. بها تنضبط العلوم. قال رحمه الله تعالى: «وإن استعملت غلاف الكتاب تقييد ما فيه من ذلك فحسن». ثم تنقل ما يجتمع لك بعد في مذكرة مرتبا له على الموضوعات، مقيدا رأس المسألة واسم الكتاب ورقم الصفحة والمجلد. ثم اكتب ما قيدته نقلا. ثم اكتب على ما قيدته نقلا؛ حتى لا يختلط بما لم ينقل. كما تكتب: «بلغ صفحة كذا» فيما وصلت إليه من قراءة الكتاب؛ حتى لا يفوتك ما لم تبلغه. قراءة الشيخ يرشدك -أيها الطالب- إلى كيفية الاستفادة من الكتاب. أنت تقرأ كتابا، سواء كان من المطولات ذات المجلدات الكثيرة، أو كتاب من المختصرات صغير. تمر على الكتاب، تمر بكفائدة، تمر بكفائدة. ما تصنع؟ يقول: خذ القلب، سجل في ماذا؟ في مقدمة الكتاب: مسألة كذا وكذا صفحة كذا وكذا، مسألة كذا صفحة كذا، مسألة كذا صفحة كذا؛ حتى تنتهي من ماذا؟ من الكتاب. وحين -مثلا- قرأت إلى صفحة خمسين، عن صفحة خمسين. إما أن تضع ورقة، أو تقول كما قال الشيخ: «بلغ -أي: وصلت إليها- هنا». أو تفعل في مقدمة الكتاب: «بلغ إلى صفحة كذا»؛ حتى ماذا؟ حتى إذا جئت في اليوم الثاني، أو وصلت القراءة تعلم إلى أين توقفت. يقول: بعد أن تفرغ من هذا، خذ دفترا، وقيد ما سجلته، وانقل ما سجلته في أول الكتاب. ورتب: المسألة الفقهية في الفقه، العقدية في مسائل العقيدة، علم الحديث في الحديث، الأصول في الأصول، والنحو في النحو. وهكذا تكون عندك ماذا؟ مادة علمية في هذه الفنون من ذلك الكتاب، من ذلك الكتاب. قال رحمه الله تعالى: «وللعلماء مؤلفات عدة في هذا». منها: «بدائع الفوائد» لابن القيم، و«خبايا الزوايا» للزركشي، ومنها: كتاب «الإغفال وبقايا الخبايا»، وغيرها. وأشهر هذه الكتب: كتاب «بدائع الفوائد». وهو كما قيل: كسمه الكتاب. كتاب «بدائع الفوائد» للإذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: هو كسمه. ليست فوائد فحسب، بل «بدائع الفوائد» في الفقه، في مسائل العقائد، في مسائل أصول الفقه، في اللغة، في بعض المباحث الأصولية التي لا تجدها إلا في ذلك الكتاب. سواء كانت مسائل لغوية، أو عقدية، أو فقهية، أو اشتقاقية -في الاشتقاق- أحيانا لا تجدها إلا في ذلك الكتاب. محررا، محققا، منقحا. من هذا الإمام رحمه الله تعالى -الذي قد عرفه من عرفه من العلماء- رحمه الله تعالى بالتحقيق والتدقيق. فالحاصل: أن هذه طريقة من طرق أهل العلم. وقد ذكر العلماء: أن العلماء المتقدمين كانت لهم كتب في هذا تسمى: «الفوائد». وذكروا عن إمام البخاري رحمه الله تعالى: أن له كتابا كان يجمع فيه الفوائد. وذكروا عن غيره كذلك: كانت لهم كتب يقيدون بها الفوائد التي تلقى على أسماع من الأشياخ، أو التي يقفون عليها. إما استنباطا أحيانا. إنسان يكون مستحضر الذهن في غير وقت درس، أو ما شابه ذلك. ينظر -مثلا- في آية، فيستنبط منها حكما، أو في حديث، فيستنبط منه حكما، أو ما شابه ذلك. يقول العلماء: قيد. قيد ماذا؟ هذه الفائدة. وتعلمون كتاب ابن الجوزي رحمه الله تعالى سماه ماذا؟ «صيد الخاطر». صيد الخاطر: يخطر على البال شيء، قيد. وهكذا. قال: «وعليه فقيد العلم بالكتاب -لا سيما بدائع الفوائد- في غير مضانها -أي: طرد المسائل العلمية- ولا سيما ما كان من هذا النوع: مسائل علمية، فوائد علمية يحتاجها الإنسان، ووقف عليها الإنسان في غير مظنتها. فمثل هذا ينبغي أن يعتنى به، وأن يحرص عليه الطالب. وإلا كان مفوتا، مضيعا لما يحتاجه، ولم يكن قناصا للفوائد، ولم يكن قناصا للفوائد حريصا عليها». وكذلك كما سمعتم: ما يكون في أثناء الدروس العلمية. أنت في حلقة علم، اجعل لك دفتر فوائد. أحيانا ربما تسمع من معلمك -من معلمك- مسألة قد لا تخطر لك على بال، قد لا تخطر لك على ماذا؟ على بال. لكن تحتاجها يوما من الدهر. سواء كانت في مسائل العلم -أي: مسائل علمية- أو المسائل العملية، أو في باب الآداب، أو في باب الأخلاق، أو مسائل السلوكية، أو المنهاج، أو ما شابه ذلك. قيد. العلم. الإنسان ينبغي له أن يكون حريصا على العلم غاية الحرص. إن أراد التقدم في العلم، وإلا فليبكي على نفسه. قال رحمه الله تعالى: «وعليه فقيد العلم بالكتاب -لا سيما بدائع الفوائد- في غير مظانها، وخبايا الزوايا في غير مساقها، ودررا منثورة تراها وتسمعها تخشى فواتها». ودررا منثورة: أي تسمع وتلقى من أفواه المشائخ. قال: «تخشى فواتها». وهكذا. فإن الحفظ يضعف، والنسيان يعرض. قال الشعبي: «إذا سمعت شيئا فاكتبه ولو في الحائط». هذا يدل على ماذا؟ جماعة على غاية الحرص في تدوين العلم وحفظه. إذا سمعت شيئا، اكتبه ولو في الحائط. يذكرون عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: حينما سجن آخر مرة في السجن -القلعة- ومنع من الكتابة، منعا من الأقلام والأوراق. منعا من الأقلام والأوراق. جعل يكتب في جدار السجن بماذا؟ بالفحم الذي كان يوقد له. فحم. يا جماعة. يأخذ الفحم، ويسجل. ويقولون: أنه كتب كتاب «الرد الباهر على زوار المقابر». كتبه في السجن على هذه الطريقة. كتاب إلى يومنا هذا موجود مصطر. والعلماء يختلفون منه. «الرد الباهر» لشيخ الإسلام. كتبوا بهذه الطريقة: بفحم، في ماذا؟ جدران السجن. جاء من بعده، دخلوا السجن، وكتبوا، ونقلوا. فخرج هذا الكتاب نافعا بإذن الله جل وعلى. فالحاصل: أن الإنسان يقيد العلم في أي شيء، في أي شيء؛ حتى يحفظ ذلك العلم. قال رحمه الله تعالى: رواه خيثمة. قالوا: «وإذا اجتمع لديك ما شاء الله أن يجتمع، فرتبه في تذكرة أو كناش على الموضوعات؛ فإنه يسعفك في أضيق الأوقات التي قد يعجز عن الإدراك فيها كبار الأثبات». بمعنى: أن الإنسان إذا قيد العلم، وفهرس، ورتب، وهيئ. تأتيك المسألة بغته، فتخرج الكتاب، وتنظر إلى المسألة بأسرع وقت. فينفعك كتابك. ينفعك كتابك بإذن الله جل وعلا في أصعب المواقف وأشدها. نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما فيه رضاه. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أعلم.