حلية طالب العلم 18

الدرس في حلية طالب العلم 18، ألقاها

التواضع وازدراء النفس في طلب العلم

يناقش أهمية التواضع وازدراء النفس لطالب العلم، مستشهدًا بقصص الصحابة الكرام. يوصي بالتواضع وعدم الغرور بالعلم أو المناصب.

أمثلة على التواضع وتهذيب النفس

يضرب أمثلة من سيرة عمر بن الخطاب في تواضعه وتهذيبه لنفسه، مثل حمله للحطب وتعمد خوض المخاضة برجليه عند دخول الشام. يشير إلى جواز احتقار الغير إذا كان لله.

احتقار النفس والغير لله وتأثير الكبر

يُناقش مفهوم العزة في الدين وضرورة التواضع وازدراء النفس، ويحذر من الكبر واحتقار عظمة الله. يبين أن الكبر يمنع صاحبه من دخول الجنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى، وهو يتكلم على الأمر الخامس من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، والصفات التي يجب أن يتخلى عنها، ويعتقد عنها طالب العلم من الكبرياء والخيلاء ونحوها. قال رحمه الله تعالى: «فالزم، رحمك الله، اللصوق إلى الأرض»، وهذا كناية عن التواضع؛ أن ينبغي للإنسان أن يكون متواضعاً، ذليلاً للحق، وكذلك متواضعاً للخلق. قال: «والإذراء على نفسك وهضمها»، أي: كذلك ينبغي للإنسان مع نفسه أن يزري نفسه، ومعنى هذا أن يتهم نفسه بالنقص والتقصير، ولا يفرح بما آتاه الله جل وعلا من العلم، أو بما يسره الله جل وعلا له من العمل، بل يكون دائماً ينظر إلى نفسه بهذا المنظار: أنه ما قام لله جل وعلا بالقيام الأتم الأكمل، فيكون دائماً مزدرياً لنفسه، متنقصاً لها، ومن أنا؟ وما أشبه ذلك. ولا يترفع؛ هذه من أسباب التواضع. وتأمل في قصة عمر رضي الله عنه وأرضاه، وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من العشرة، بل هو ثاني أفضل الصحابة مطلقاً، رضي الله عنه وأرضاه، ومن بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة. ومع هذا لما طُعن ودنا أجله، قال لولده عبد الله، وكان قد وضعه على فخذه، قال له: «يا عبد الله، ضع خدي بالأرض»، أو قال: «ضع رأسي على الأرض». فقال له: «يا أبي، وما ضرك إن كان هاهنا؟» فالحاصل أنه قال: «ضع خدي على الأرض»، أو «رأسي على الأرض»، فوضع رأسه على الأرض وخده على الأرض. وحينها، رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه وأرضاه، وهو عمر، وقد بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، فقال: «ليتني كنت نسياً منسياً»، أو كما قال، رضي الله عنه وأرضاه. يتمنى أن لا يكون موجوداً، وهو عمر، رضي الله عنه وأرضاه. وكذلك ما رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في كتابه «الزهد» في قصة احتضار عائشة رضي الله عنها، ودنو أجلها، دخل عليها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهي في آخر أمرها من هذه الدنيا، فقال لها: «أبشر يا أمه، تلقينا غداً الأحبة، تلقينا رسول الله وأبا بكر»، وأخبرها بما أخبر من المناقب، فقالت رضي الله عنها وأرضاها: «دعني من هذا يا ابن عباس، فوالله لو أردت أن أكون نسياً منسياً»، أو كما قالت، رضي الله عنها وأرضاها. وهذا يدل على صدق أهل الجنة، وهذا يدل على ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإزدراء لنفس، مع أنهم بشروا بالجنة، بأعيانهم: «فلان في الجنة، وفلان في الجنة، وفلان في الجنة». ومع هذا هذا حالهم. وإذا نظر الإنسان اليوم إلى حاله، وإلى حال غيره، فيتعجب مما وصل إليه الأمر؛ أولئك قد بشروا بالجنة، وذاك حالهم، يتمنون أن كانوا نسياً منسياً. بل قد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، أنه ود أن يكون لا شيء، وأنه أن يكون شعره في جبين امرئ مؤمن. وهو من أبي بكر، وقصصهم -الصحابة- في هذا الباب كثيرة وكثيرة. قال رحمه الله تعالى: «فلزم رحمك الله اللصوق إلى الأرض، والإزدراء على نفسك وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء أو غطرسة أو حب ظهور أو عجب ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، المذهبة لهيبته، المطفئة لنوره». قال: «وكلما ازددت علماً أو رفعة في ولاية، فلزم ذلك تحرز سعادة عظمى، ومقاماً يغبطك عليه الناس». يقول الشيخ رحمه الله تعالى: إلى جانب ما ذكر، قال: «فلزم رحمك الله اللصوق إلى الأرض، والإزدراء على نفسك وهضمها، ومراغمتها عند الاستشراف لكبرياء أو غطرسة». معنى أن الإنسان إذا وجد من نفسه شيء من هذا الأمر، رأى في نفسه عجباً، أعجبته نفسه، أعجبه حاله، رأى أنه في شيء من الكبرياء والغطرسة، فعليه في هذه الحالة أن يذل هذه النفس، وأن يستسخرها، وأن يكرهها إكراهاً على التواضع. ومما ذكر من ذكر من أهل التواريخ والسير: أن بعض الصحابة رأى يوماً عمر، وعلى ظهره الحطب، رأوا عمر وهو أمير المؤمنين، وعلى ظهره الحطب، فقالوا: «ما هذا يا أمير المؤمنين؟» يعني: ماذا تصنع يا أمير المؤمنين وأنت أمير المؤمنين؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه: «معلماً ومؤدباً»، قال: «أعجبتني نفسي، فأردت أن أهينها». أراد رضي الله عنه وأرضاه أن يكسر تلك النفس الأمارة بالسوء، الداعية إلى الشر والكبرياء والرفعة. وهذا من باب ترويض النفس، وتهذيبها على التواضع، وعلى السكينة، وعلى الوقار، وعلى الخير والبر. وكذلك قصته معروفة رضي الله عنه وأرضاه، حينما فُتحت الشام، فذهب رضي الله عنه وأرضاه إلى الشام، فلما دنا منها، كان بينهم مخاضة -مكان فيه ماء وطين-، فماذا صنع رضي الله عنه وأرضاه، وهو عمر أمير المؤمنين، والناس في الشام قد فتحت الشام، الناس ينتظرون البطارقة وكبراء الشام ينتظرون من هذا أمير المؤمنين، ومن هذا عمر بن الخطاب الذي فتح الله جل وعلا على يديه الفتوح؟ رأى المخاضة، فنزل من على البعير، وأخذ نعله، فوضعها في عود، وحملها على ظهره، ورفع ثوبه، وجعل يجره ناقته، وخاض المخاضة برجليه، رضي الله عنه وأرضاه. فلما رآه أبو عبيدة بن الجراح، فقال: «ما هذا يا أمير المؤمنين؟» قال: «إن الأشراف أشراف أهل الشام ينتظرونك، وأكره أن يراك أولئك وأنت على هذه الحال». أي: أن الناس ينتظرون أمير المؤمنين، وانظروا ماذا يصنع عمر؛ نعله علقها على عاتقه، ودخل في ماذا؟ في تلك المخاضة، يمشي على قدميه، ويجر معه البعير. فلما قال أبو عبيدة هذا، ماذا قال عمر رضي الله عنه وأرضاه؟ هل قال: «صدقت يا أبا عبيدة، سأذهب وأتهيأ وأتزين وأدخل لهم بمظهر الملوك والأمراء حتى تكون الهيبة»؟ لا، قال رضي الله عنه وأرضاه: «أوه، لو أن غيرك قالها يا أبا عبيدة، لجعلته نكالاً للمسلمين». أي: لو أن أحداً غير أبي عبيدة -لأن أبا عبيدة يعد من أكابر الصحابة، وعمر كان يجل أبا عبيدة إجلالاً عظيماً، حتى قال: «لو كان أبو عبيدة حياً لجعلته الخليفة بعدي؛ لأني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة»-. الشاهد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما سمع هذه الكلمات من أبي عبيدة، ماذا قال؟ «أوه، لو أن غيرك قالها يا أبا عبيدة، لجعلته نكالاً للمسلمين». قال: «أما إنا كنا قوماً أذلة قبل الإسلام، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العزة في غيره أذلنا الله». انظر: العزة ليست في الملابس، وليست في المظاهر، وليست في الكبرياء والغطرسة، من أراد العزة فالعزة في دين الله جل وعلا، العزة في دين الله جل وعلا، هكذا فهم الصحابة، وهكذا فهم الأخيار، وهكذا فهم الصالحون. معنى العزة: العزة بالله، والعزة لله جل وعلا، والتمسك بهذا الدين. قال رحمه الله تعالى: «ونحو ذلك من آفات العلم القاتلة له، من أعظم آفات العلم التكبر والتجبر». قال: «المذهب لهيبته، المطفئ لنوره؛ لأن العلم نور وخير، والنور لا يؤتاه عاصٍ، النور لا يؤتاه عاصٍ». قال: «وكلما ازددت علماً أو رفعة في ولاية، فلزم ذلك تحرز سعادة عظمى، ومقاماً يغبطك عليه الناس». أي: يغبطك عليه الناس أن يتمنوا أن يصلوا إليه، آتاك الله جل وعلا هذه الرفعة والخير، وأنت متبرئ من حولك وقدرتك، وتقول: «إنما ذلك بفضل الله وبرحمته، لا بحولي ولا بقوتي». قال رحمه الله تعالى: «وعن عبد الله بن الإمام أحمد، والحجة، والراوية في الكتب الستة، بكر بن عبد الله المزني، رحمهم الله تعالى، قال: سمعت أنساً -أو سمعت إنساناً يحدث عن أبي- أنه كان واقفاً بعرفة، فرق قلبه، فقال: «لولا أني فيهم لقلت قد غفر لهم»». تأمل إلى هذا المعنى؛ هذا الإمام رحمه الله تعالى يقول: وقف بعرفة، فرق قلبه لذلك الموقف، فماذا قال؟ نظر إلى الحجيج، وقد قال: تأمل كذلك في الفضائل في يوم عرفة: أن الله جل وعلا يعتق من الرقاب ما يعتق، فرق لهذا المعنى، ثم قال: «لولا أني فيهم لقلت قد غفر لهم». أي: بسبب وجوده قد لا يغفر لهم. قال الذهبي رحمه الله تعالى: «خرجه الذهبي»، ثم قال: «قلت: أي الذهبي، كذلك ينبغي للعبد أن يزري على نفسه ويهضمها»، يعني: يقول هذا الإمام: إنما قال ما قال على سبيل ماذا؟ ازدراء النفس، وهضمها، وعلى سبيل كذلك الانكسار بين يدي الله جل وعلا، واستغفار نفسه، بين عظيم فضل الله جل وعلا. وكذلك في هذا الباب، أو من هذا الباب، ما ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى، قال: «أن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أخبره: أن الفضيل بن عياض أخذ بيد سفيان بن عيينة، فقال له: «إن كنت تظن أنه بقي على وجه الأرض شر مني ومنك، فبئس ما تظن»». وهذا كذلك من هذا الباب. لكن ينبغي هاهنا أن ينبه على أمر، وهو ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: «ولا بأس بهذا -أي: الاحتقار للغير- إذا كان لله». واضح: جماعة، أي: كما تقدم معنى: لا يجوز للإنسان أن يحتقِر إلى غيره، لكن يجوز إن كان لله، مثل ماذا؟ مثل ما حصل من الأئمة رحمهم الله تعالى في احتقارهم وإهانتهم لأهل الأهواء والبدع؛ الأئمة رحمهم الله تعالى أهانوا أهل الأهواء والبدع، وذمّوهم، وشنّعوا عليهم. سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى يقول على بشر المريسي: «ذاك الدويبة، ذاك الدويبة»، هذا على سبيل ماذا؟ الاحتقار. الإمام أحمد رحمه الله تعالى يذكر أنه قيل له: «إن رجلا يسب أهل الحديث»، فجعل ينفض ثوبه، الإمام أحمد، فجعل ينفض ثوبه، ويقول: «زنديق، زنديق، زنديق». واضح: جماعة. فالحاصل أن من هذا الباب، كما ذكر رحمه الله تعالى، قال ابن القيم: «ولا بأس بهذا -أي: احتقار الغير- إذا كان لله». قال: «وعلامته أن يكون لنفسه أشد إذراء واستصغار منه لهم». واضح: جماعة، يذم الغير، ويحتقر لسبب ما هم عليه من الشر، ومع هذا يرى في نفسه أنه كذلك ماذا؟ مقصراً. واضح. قال رحمه الله: «فأما احتقارهم لعظمة نفسه عنده، فهو الذي لا يدخل صاحبه الجنة». أي: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على