الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 14، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يناقش المؤلف إثبات علو الله جل وعلا مستندا إلى النصوص القرآنية والنبوية، ويستشهد بأبيات من منظومته الجوهرة الفريدة. يُثبت المؤلف علو الله باستخدام لفظ 'فوق' في القرآن الكريم.
المقطع يشرح أدلة علو الله جل وعلا من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، مثل سورة الملك وحديث المعراج. يبين أن الله جل وعلا في العلو، وأن الملائكة والروح تعرج إليه.
يشرح المقطع كيفية إثبات علو الله تعالى واستواءه على العرش كما ورد في الكتاب والسنة، ويبين موقف أهل السنة والجماعة من هذه القضية. يُؤكد على تفويض الكيفيات وإثبات المعاني.
المقطع يشير إلى مقولة للإمام مالك رحمه الله تعالى، ويتضمن الدعاء بأن ينفع الله المتحدث بما سمعه. يقدم الحمد لله رب العالمين.
بسم الله الحمد لله الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاهم بعد. قال مؤلف كتابنا هذا -رحمه الله تعالى- في منظومته الجوهرة الفريدة: قالوا لفظ فوق أتى مع الاقتران بمن، ودونها لمريد الحق مستند. في السماء تلاها في الملك واضحة، وكم حديثا بها يعلو به السند. وتعرج الروح والأملاك صاعدة، أما إلى ربهم نحو العلا صاعد. وهكذا يصعد المقبول من عمل، من العباد لمن إياه قد عبد. كذا عروج رسول الله حين سرى، قل لي إلى من له قل لي إلى من له قد كان مصطعدا. وحين خطبته في جمع حجته، أشار برأسه نحو العلا ويد. أليس يشهد رب العرش جل على تبليغه، ثم أهل الجمع قد شهدوا. وسن رفع المصلي في تشهده، سباحة لعلو الله يعتقد. وكل داع إلى من رافع يده، إلا إلى من يجيء من عنده المدد. وكم لهذا براهينا مؤيدة، وحين يسمعها الجهمي يرتعد. ونحن نثبت ما الوحيان نثبته، من أن ذا العرش فوق العرش منفرد. يدنو كما شاء ممن شاء ويفعل ما يشاء، ولا كيف في وصف له يرد. ذكر -رحمه الله تعالى- هذه الأبيات إضافة إلى ما تقدم ذكره من ذكر بعض أسماء الله جل وعلا وصفاته، ومنها إثبات علوه جل وعلا: العلو العام والعلو الخاص، وهو الاستواء على العرش. ثم ذكر هذه الأبيات التي فيها يبين -رحمه الله تعالى- ما دل على علو الله جل وعلا العام والخاص، مما جاء في كتاب الله، وبسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. قال: ولفظ "فوق" أتى مع الاقتران بمن، يعني ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. فأحد دلالة العلو لفظ الفوقية، وأنه جل وعلا فوق عباده سبحانه وتعالى، فيدل على علوه جل وعلا. قال: "ودونها لمريد الحق مستند"، أي: ما دل كذلك من أدلة أخرى تدل على علوه جل وعلا، من أنه يرفع جل وعلا، وأنه كذلك يصعد إليه العمل، وتعرج إليه الملائكة، كما ذكر ذلك في الأبيات التي بعدها. قال: "في السماء تلاها في الملك واضحة"، يريد سورة تبارك، في قوله جل وعلا: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾. ففي سورة الملك -سورة تبارك- ذكر الله جل وعلا علوه، وأنه في السماء، أي: في العلو. قال: "وكم حديثا بها يعلو به السند"، يعني: وكم هي الأحاديث الكثيرة عالية السند، الثابتة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- الدالة على علوه جل وعلا. والأحاديث كثيرة ثبتت عن نبي الله -عليه الصلاة والسلام- قولا وفعلا وإقرارا. قال: "وتعرج الروح والأملاك صاعدة"، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. فالملائكة تعرج إلى الله جل وعلا، وهكذا الروح. قال: "وهكذا يصعد المقبول من عمل، من العباد لمن إياه قد عبد". قال جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. فالله جل وعلا يصعد إليه الكلم الطيب، فذلك الذي يقبله جل وعلا، ويثيب صاحبه، ويضاعف له الأجور. وهكذا العمل الصالح يرفعه إليه سبحانه وتعالى. وذكر من أدلة العلو: عروج رسول الله -عليه الصلاة والسلام- إلى السماء في المعراج الذي عرج به -عليه الصلاة والسلام- إلى رب العلا سبحانه وتعالى، وحصل ما حصل فيه، ووصل إلى موضع سمع فيه صريف الأقلام برأسه حجاب الرب سبحانه وتعالى. قال: "وحين خطبته في جمع حجته، أشار برأسه نحو العلا ويد". كما في حديث «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». وهكذا من فعله -عليه الصلاة والسلام-، فكان يرفع يديه من ذلك، حتى أن سيدنا صالحا حين دخل ذلك الرجل والنبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة، قال له: "يا رسول الله، هلكت المواشي وهلك العيال وهلك الزرع". فرفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه يدعو الله جل وعلا، ويستغيث بالله جل وعلا. فهذا من فعله -عليه الصلاة والسلام- دال على علو الله جل وعلا، وحين يرفع يديه في الدعاء. قال: "وسن رفع المصلي في تشهده، سباحة لعلو الله يعتقد". فالمصلي حين يرفع إصبعه يريد بذلك إثبات الوحدانية وإثبات العلو لله جل وعلا. قال: "وكل داع إلى من رافع يده، إلا إلى من يجيء من عنده المدد". فكل داع يرفع يديه إلى الله جل وعلا؛ لأن الله جل وعلا في العلو سبحانه وتعالى. وهذا قد دلت عليه أدلة الفطرة، كما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. قال: "ونحن نثبت ما الوحيان نثبته، من أن ذا العرش فوق العرش منفرد". أي: صاحب العرش وخالق العرش جل وعلا قد استوى على العرش، كما دلت على ذلك النصوص، على الوجه الذي يليق بجلاله جل وعلا. قال: "يدنو كما شاء ممن شاء ويفعل ما يشاء". فأهل السنة والجماعة يثبتون العلو، ويثبتون كذلك الدنو له جل وعلا، والقرب حيث شاء وكيف شاء جل وعلا، بغير إثبات كيف لذلك. قال: "ولا كيف في وصف له يرد". يعني: الكيف لا نعلم كيف يدنو، الله أعلم كيف يدنو. نحن نثبت أنه يقرب من عباده وأنه يدنو وأنه ينزل، لكن لا نعلم كيف ينزل. والقاعدة العامة في هذا قاعدة الإمام مالك -رحمه الله تعالى- التي هي قاعدة السلف أصلا، قاعدة الصحابة التي كانوا عليها، من إثبات المعاني وتفويض الكيفيات: "الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". قالها الإمام مالك -رحمه الله تعالى-. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.