الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 19، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
النص يبين أن بناء القباب على القبور هو من وسائل الشرك بالله، وهو من سنن اليهود والنصارى وليس من سنة الإسلام. النبي لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد.
النبي أمر بتسوية القبور ونهى عن رفعها وعن تخصيصها بالدعاء أو الذبح، وسد كل الوسائل التي تؤدي إلى الشرك بالله جل وعلا.
النص يشرح خطورة تخصيص القبور للدعاء وبناء القباب عليها، ويستدل بمنع النبي تخصيص قبره للدعاء ويستشهد بأمثلة من الشعراء الذين يلجأون للأضرحة.
المقطع يتضمن دعاء لتنقية المجتمعات الإسلامية وهداية المسلمين الضالين، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم. ما بعد، قد ذكرنا في الدرس الماضي قول الناظم رحمه الله تعالى: «وكم نذورا وقربانا لها صرفوا ظلما ومن أنفس المنقوش كم نقجوا»، ثم قال رحمه الله تعالى: «وكم قبابا عليها زخرفة... وكم قبابا عليها زخرفة ولها أعلم نسيج كساء ليس يفتقدوا». أي أنهم مع ما نذروا من النذور بنوا القباب والمشاهد والسقف على أصحاب هذه القبور، ومن نذورهم كان بناء القباب. فهناك من الناس من ينذر ببناء القبة، يقول: إذا شفيت من مرضي أو شفي ولدي من مرضه أو غير ذلك، أو ولدت امرأة فهل الولي الفلاني علي أن أبني له قبة، أبني له قبة على قبره. فإذا حصل له ما أراد بنى القبة على قبر ذلك الولي. فذكر رحمه الله تعالى هذا الفعل منهم، وأنهم نذروا لغير الله جل وعلا، وبنوا ضمن نذورهم القباب على هؤلاء الأموات من يسمونهم الأولياء. وهذا من الشرك بالله جل وعلا، أي النذر لغير الله جل وعلا وبناء القباب على المقابر، فهذا من كبائر الذنوب ومن وسائل الشرك، وهو من صنيع اليهود والنصارى. ومن سنة اليهود والنصارى، ليس من سنة أهل الإسلام بناء القباب على القبور أو بناء المساجد على القبور، وإنما هي من سنن اليهود والنصارى. كما جاء في الصحيحين في حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها وأم سلمة رضي الله تعالى عنها، حين كانا في أرض الحبشة في تلك الهجرة المباركة، فرأتا ما يصنع النصارى مع الأموات، كانوا يبنون المساجد - أي أماكن العبادة - على القبور، يبنون الكنائس التي يعبدون فيها لله جل وعلا على القبور. فلما ذكرنا ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أولئك شرار الخلق عند الله جل وعلا، إذا مات الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا عليه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله جل وعلا». وفي سياق الموت، كما في الصحيحين، كان ما قال عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: «محذرة ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، ولكنه خشي أن يتخذ مسجدا». فالنبي عليه الصلاة والسلام أبان أن هذه الأفعال - بناء المساجد على القبور وبناء المشاهد وبناء القباب - كل ذلك إنما هو من سنن اليهود والنصارى الذين لعنهم الله جل وعلا. وجاءت الأحاديث كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام في ذمهم وفي ذم فعلهم. فالذين يبنون القباب على قبور الأموات ويبنون كذلك المشاهد والأضرحة، كل هذا من سنن الجاهلية ومن سنن اليهود والنصارى ومن وسائل الشرك، فأدى ذلك الأمر بهم إلى أن أشركوا بالله جل وعلا. ربما في أول أمرهم لم يدعوهم من دون الله ولم يستغيثوا بهم ولم يذبحوا لهم تقربا وتعظيما، وإنما كان في أول أمرهم أنهم بنوا المساجد على قبورهم أو بنوا هذه القباب أو الأضرحة أو المشاهد، ثم عكفوا عند هذه القبور، وبعد ذلك صرفوا لها العبادة. كما فعل قوم نوح في أول أمرهم، إنما صوروا تماثيلهم ثم عكفوا عند تلك القبور، فكان ذلك من وسائل الشرك. وهذه محادة واضحة لدين الله جل وعلا ومحاربة واضحة لدين الله جل وعلا. ففي صحيح مسلم رحمه الله، قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لأبي الهياج الأسدي: «ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ألا تدع قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته». فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بتسوية القبور، أي بأن تجعل القبور سواء كلها، سواء لا يرتفع بعضها عن البعض الآخر. هذا معنى التسوية، ليس معنى التسوية أن لا يكون للقبور أثر، لا، بل لابد أن يكون للقبور أثر يعلم أنه قبر، لكن ليس معنى أن ترفع ذلك القبر أو تخص بعض القبور برفعها على غيرها، وإنما تسوى كلها على ارتفاع واحد، بمقدار ما يعلم أنها قبور. فمن رأى ذلك قال: هذه قبور. لكن لا يجوز أن يكون هناك قبر قد ارتفع على غيره من القبور. لا، الأمر بتسوية القبور تكون سواء كلها، لا يرتفع بعضها على بعض، ولو كان قبرا لنبي من أنبياء الله جل وعلا. فالأمر لا بد أن يكون سواء في القبور. ولذلك من كان في الصحابة خارج بلاد الإسلام، لما مات بعض الصحابة ودفنوهم حصل شيء من الرفع، سوى ذلك القبر. قال: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور، كما جاء في صحيح مسلم. فهذه سنة أهل الإسلام، تبعا لما جاء من أحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. لكن الأمة خالفت هذه الأحاديث الصريحة الصحيحة الواضحة، صاروا يرفعون القبور بل ويجعلون القباب عليها، بل ويبنون المشاهد، بل ويجسسونها، وهكذا من هذه التجاوزات. وكل ذلك من وسائل الغلو في القبور التي يصيروها بعد ذلك أو ثانيا تعبد من دون الله جل وعلا. وكم يصرفون عليها من الأموال، وكم كذلك تبذل من الأوقات في بنائها، وكل ذلك دعوة إلى ماذا؟ إنما هي دعوة للشرك بالله جل وعلا، لأن هذه الوسائل من وسائل الشرك التي جاء الشرع بسدها والأمر بسدها. والنبي عليه الصلاة والسلام سد كل الوسائل الموصلة إلى الشرك، فما من وسيلة توصل للشرك إلا وسدها عليه الصلاة والسلام. حتى إنه منع عليه الصلاة والسلام أن يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، إذا كان هناك من الأمكنة يذبح فيها لغير الله، ولو انتهى ذلك الأمر، كان في السابق يذبحون لغير الله في هذا الموضع، وقد زال هذا. مع هذا، النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يذبح في ذلك المكان، وإن كان الأمر قد انتهى. لكن ما دام أنه كان في السابق يذبح في هذا المكان لغير الله، فإنه لا يجوز أن يذبح لله جل وعلا في هذا المكان. كما في حديث ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه وأرضاه عند أحمد وغيره، حين نذر أن يذبح إبلا ببوانه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا. قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. فقال: «أوفي بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». فالشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام سأل هذا الذي نذر أن يذبح إبلا ببوانه: هل هذا الموضع - بوانه - كان فيها يذبح لغير الله؟ ولو كان في السابق، معناه أنه إذا كان يذبح في هذا المكان، ولو كان هذا الأمر قد انتهى وزال، فإنه لا يجوز أن يذبح في هذا المكان، ولو كان يذبح لله. والسؤال: لماذا؟ الجواب: سدا لوسائل الشرك، حتى لا يذبح في هذا المكان، فتحيا هذه السنة الجاهلية التي قد عفي عنها الزمن والتي قد انتهت. وكل ذلك من حماية التوحيد، وذلك من سد كل الوسائل الموصلة إلى الشرك بالله جل وعلا. وهي كثيرة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. حتى الدعاء عند القبر، حتى الدعاء عند القبر، مع أن الشخص سيدعو الله جل وعلا عند القبر، فمنع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «لا تتخذوا قبري عيدا»، أي مكانا تعتدون المجيء إليه، ولو أن تدعوا ربكم جل وعلا. فتخصيص موضع من المواضع - من قبور الصالحين، من قبور الأنبياء - ولو سيدعى في هذا الموضع لله جل وعلا، فإنه لا يجوز. لماذا؟ لأنه من وسائل الشرك. ولذلك، علي بن حسين بن علي رضي الله تعالى عنه، لما رأى رجلا يجيء إلى فرجة عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، كان يأتي يدعو الله جل وعلا - يأتي يدعو الله، ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو الله - نهاه علي بن حسين بن علي. لماذا نهاه؟ نهاه لأن هذا يخالف شرع الإسلام ويخالف دين الإسلام. وذكره حديث النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، قال: «ألا أحدثك حديثا سمعته عن أبي، سمعته عن أبي عن جدي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؟» أي سمع هذا الحديث عن أبيه، وأبوه روى هذا الحديث عن جده، وهو علي بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب سمع هذا الحديث من رسول الله عليه الصلاة والسلام: «لا تدعوا قبري عيدا، ولا تتخذوا قبري عيدا». فهذا نهي واضح عن اتخاذ قبر النبي عليه الصلاة والسلام عيدا، وكانوا يعتادون المجيء إليه، ولو كان بدعاء الله جل وعلا. كل ذلك من سد وسائل الشرك. فكيف ببناء القباب على القبور؟ وكيف ببناء المشاهد على القبور؟ وكيف ببناء الأضرحة على القبور؟ أليس كل هذا من وسائل الشرك بالله جل وعلا؟ لا شك ولا ريب أن هذا أعظم وأعظم من أن يخص أحد الدعاء عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، يخص هذا الموضع بدعاء الرب جل وعلا عنده. فبناء هذه الوثنيات وهذه الأمور أعظم وأعظم ذريعة للوقوع في الشرك بالله جل وعلا. وذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك قوله: «فهم يلدون في دفع الشرور بها كما لها في قضى الحاجات قد قصدوا». نكمل هذا البيت ثم نختم إن شاء الله. فمراد رحمه الله تعالى أنهم مع ما فعلوا صاروا يلدون بها في طلب الحاجات. واللياد هو طلب ما يؤمل. عندنا عياذ وعندنا لياد، فالعياذ طلب لدفع ما يحذر منه، واللياد هو طلب ما يرجى وما يؤمل. وذلك قال القائل: «يا من ألجأ به فيما أؤمله، ويا من أعوذ به مما أحاذره». فالعياذ يطلب لدفع ما يحذر، واللياد يطلب لحصول ما يرجى ويؤمل. وكم سنسمع في أبياتهم من هذا اللياد ومن هذه الدعوات الشركية والاستغاثات الشركية. هذا البصري يقول: «يا أكرم الخلق، ما لمن ألجأ به السواك عند حل حادث العممين؟ لم تكن آخذ يوم معادي يدي فضلا، وإلا فقل يا زلة القدم، فإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». وهذا يقول: «غارة غارة يا عيدروس»، وهذا يقول: «غارة غارة يا باعلوي، كل كربة تنجلي». وهكذا، كل ذلك من اللياد ومن الدعوات ومن الاستغاثات التي من الشرك بالله جل وعلا. نسأل الله أن يطهر مجتمعاتنا الإسلامية منها، وأن يهدي ضال المسلمين إلى الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله عليه وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.