شرح الجوهرة الفريدة 35

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 35، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

علامات الساعة الكبرى والصغرى

يتناول المقطع علامات الساعة الكبرى والصغرى وأشراطها، ويشير إلى أن بعضها قد وقع والبعض الآخر لم يقع بعد. تم التأكيد على أهمية الإيمان بكل ما جاء في الكتاب والسنة بشأنها.

الدخان كعلامة من علامات الساعة

المقطع يتناول آية الدخان كعلامة من علامات الساعة، حيث يفسرها بعض السلف بأنها حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يرى عامة الصحابة أنها لم تحدث بعد. يظهر أن ظاهر القرآن وسنة النبي يرجحان الرأي الثاني.

الريح التي تقبض أرواح المؤمنين

يذكر النص علامة من علامات الساعة وهي الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، وتحدث بعد نزول عيسى بن مريم والقضاء على يأجوج ومأجوج. يعيش الناس في رغد قبل أن يبعث الله ريحًا طيبة تقبض أرواح المؤمنين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. والله ما بعد، فقد كان آخر الكلام عند قول ناظم رحمه الله تعالى: نزل عيسى لدجال فيقتله، فتح سد يأجوج ومأجوج، ثم قال رحمه الله تعالى: كدى الدخان وريح وهي مرسلة لقبض أنفس من للدين يعتقد، أي: ومن أشراط الساعة التي تتقدم اليوم الآخر الدخان، وهذه آية من الآيات العظيمة، ومن العلامات العشر التي جمعها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث واحد، كما في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم. وجاء ذكر هذه الآية في كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾. فهذه الآية فيها ذكر هذه الآية، وهذه العلامة وهي الدخان، وقد جاءت أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذكر هذه الآية، وهي من آخر العلامات حدوثًا ووقوعًا. وقد اختلف السلف رضي الله تعالى عنهم في هذه الآية وفي هذه العلامة: هل قد حدثت أم أنها لم تحدث بعد؟ فعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وتبعه جماعة على أن هذه الآية قد وقعت في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين وغيرهما عن مسروق: لما دخل هو وجماعة من السلف في مسجد من مساجد الكوفة، وجدوا رجلًا يحدث الناس ويقول: ويذكر قول الله جل وعلا: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾. قالوا: تدرون ما الدخان؟ ثم ذكر بعد ذلك ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام: أن يوم القيامة تكون هذه أو قرب قيام الساعة تكون هذه الآية، وأن الدخان يأخذ به أسماع وأبصار المنافقين، ويصيب المسلم منه شبه الزكام. فدخل مسروق بعد ذلك ومن معه من السلف على عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وذكروا له ذلك الذي سمعوه، وكان متغيرًا، ففزع وقعد، أي: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، ثم قال: أيها الناس، أو قال: إن الله جل وعلا قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. سأحدثكم عن ذلك، ثم ذكر عبد الله بن مسعود ما أصاب قريشًا، فقال: إن قريشًا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت، دعا عليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام بالسنين كسنين يوسف، فأصابهم الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، حتى إن أحدهم لينظر إلى السماء، حتى إن بعضهم ليخيل إليه أو يرى مثل الدخان. قال: فأتوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالوا: استسق لنا، استسق لمضر، فاستسقى لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، فكشف عنهم ذلك: ﴿إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾. قال: هذا يوم بدر. ومعنى أنه كشف عنهم، ثم عادوا لما كانوا عليه من الاستبطاء والعصيان لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فكانت وقعة بدر هذه البطشة الكبرى التي بطشوا بها. فعبد الله بن مسعود يفسر هذه الآية بهذا التفسير، وتبعه على ذلك جماعة من السلف كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي، وهو اختيار ابن جرير كذلك رحمه الله تعالى في تفسيره. وأما عامة الصحابة فإنهم يرون أن هذه الآية لم تحدث بعد، وإنما ستحدث قرب قيام الساعة؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن في قوله جل وعلا: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾، وأيضًا في قوله جل وعلا: ﴿بدخان مبين﴾ يعني: واضح بين. وعبد الله بن مسعود ذكر فيما ذكر أن أحدهم ينظر إلى السماء فيرى مثل الدخان ويخيل إليه، معناه: أنه ليس بظاهر وليس ببين. وهذه العلامة ظاهرة إذا حدثت، بينة واضحة. فدليل القرآن، ظاهر القرآن، وما ثبت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام يرجح قول من قال: إن هذه العلامة لم تحدث بعد، وهي الدخان، وإنما تكون في قرب قيام الساعة. وذكر هنا بعد ذلك: ﴿وريح﴾ وهي مرسلة لقبض أنفس من للدين يعتقد، أي: ومن العلامات خروج الريح التي تقبض أرواح المؤمنين، وهذا أيضًا يكون في آخر العلامات، ومن آخر العلامات تكون بعد نزول عيسى بن مريم، كما جاءت الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بعضها في صحيح الإمام مسلم، وبعض هذه الأحاديث خارج صحيح الإمام مسلم. فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن ريحًا تقبض أرواح المؤمنين بعد أن ذكر عليه الصلاة والسلام في ذلك الحديث -وهو حديث النواس بن سمعان وهو حديث طويل في صحيح الإمام مسلم- فيه ذكر خروج عيسى، وفيه ذكر خروج يأجوج ومأجوج. ذكر بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أن عيسى ومن معه في ذلك الزمان يتأذون بريح يأجوج ومأجوج؛ لأن دسمهم ونتنهم يفوح ويتأذى منه عيسى وأصحابه، فيرغبون إلى الله جل وعلا أن يريحهم من ذلك. فالله جل وعلا يرسل الطير كأعناق البخت -يعني الإبل- فتطرحهم حيث شاء الله جل وعلا. ثم جاء في الحديث أن الأرض تؤمر بإخراج بركتها، فتنبت حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو بذر أحدهم على الصفا لنبت -يعني من شدة بركة النبات في ذلك الزمان- وتؤمر السماء فتمطر، فتمطر السماء فتطيب هذه الأرض، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: تكون كالزلفة -يعني الصافية التي لا شيء فيها لشدة نظافتها ونضارتها- ولذلك يكونون في ذلك الوقت على رغد وعلى عيش هنيء عظيم. حتى إنه جاء في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: طوبى لعيش بعد المسيح، طوبى لعيش بعد المسيح -يعني أنه يكون عيشًا هنيئًا طيبًا- ومن جاء في الأحاديث في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها هذا الحديث الذي في صحيح مسلم: أن الرمانة الواحدة تكفي الفئام من الناس -رمانة واحدة يأكل منها فئام من الناس، جماعة كثيرة تكفيهم رمانة واحدة- هذه بركة الطعام وبركة هذه الفواكه. وقال عليه الصلاة والسلام: ويبارك في الرسل -يعني في اللبن- حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام، وإن اللقحة من البقرة لتكفي القبيلة، وإن اللقحة من الغنم لتكفي الفئام. وهذا فيه بركة يجعلها الله سبحانه وتعالى في ذلك الزمان، فيكون على عيش هنيء ورغد عظيم من العيش. وهكذا ما يتعلق بالأمن، فإنه يسود الأمن العظيم في ذلك الوقت بعد القضاء على يأجوج ومأجوج في عهد عيسى عليه الصلاة والسلام، فيحكم بالعدل، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، لأن الناس لا حاجة لهم بذلك، بل يؤتى للناس بالمال فلا يقبلونه لما هم فيه من عيش عظيم ومن كفاية عظيمة. وكذلك من الأمن الذي يسود في ذلك الزمان الذي أخبر عنه عليه الصلاة والسلام: أن الوليدة -يعني البنت الصغيرة- ربما تؤذي الأسد، تؤذي الأسد ولا يضرها. وكذلك ما أخبر عليه الصلاة والسلام: أن السموم ترفع من الحيات والعقارب، فالحيات ذوات السموم والعقارب ترفع منها تلك السموم. وهكذا الغنم يكون معها الذئب كالكلب لها، فأمن عظيم يسود في ذلك الزمان. قال النواس بن سمعان في آخر هذا الحديث: بينما هم على ذلك فيبعث الله جل وعلا ريحًا طيبة، فيبعث الله جل وعلا ريحًا طيبة فتقبض أرواح المؤمنين، ويبقى أقوام يتهارجون تهارج الحمر -يعني بعد قضاء هذه الثلة من أهل الإيمان يكون هذا الفساد العظيم- فهو بداية ظهور فساد بعد هذا الأمن وبعد هذا العدل وبعد هذا الرغد من العيش. فإن الناس والعياذ بالله يتسافدون -يعني في الطرق- يفعلون الفواحش والمنكرات من غير حياء لا من الناس ولا من الله جل وعلا، فعليهم تقوم الساعة. فالشاهد أن النواس بن سمعان أخبر أن الله جل وعلا يبعث هذه الريح طيبة، قال: فتأخذهم من تحت آباطهم، أي: هذه الريح، كما في حديث النواس بن سمعان في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى. فهذه الريح هي من آخر العلامات؛ لأن بعدها تقوم الساعة، كما جاء في مسلم أيضًا وغيره عن عائشة وعبد الله بن عمر وغيرهما، قال عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق -لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق- أي: حتى لا يبقى على الأرض من يقول: الله الله، كما في لفظ آخر في مسلم: لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد: الله الله -يعني هذه الريح تقبض من كان من أهل الإيمان، فلا يبقى إلا هؤلاء الكفار الذين هم شرار الخلق، فتقوم عليهم الساعة- وهذه الآية كما سمعتم ذكرت فيها أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي من آخر العلامات حدوثًا ووقوعًا في ذلك الزمان الذي تعود فيه عبادة الأوثان، وتعبد اللات والعزى، كما في الصحيحين عن عائشة: لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات النساء حول ذي الخلصة. وهكذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أن الشيطان يأمر الناس بعبادة الأوثان في ذلك الزمان، فعبادة الأوثان ترجع وتعود، ويعود الناس إلى عبادتها كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. حتى قالت عائشة: إن كنت لأظن في قوله جل وعلا: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ أنه لا يكون شيء بعد ذلك -يعني أن الناس لا يرجعون ويتركون هذا الدين- ففهمت أن عبادة الأوثان والردة والشرك سيقع في هذه الأمة بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا حصل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام حين ارتدت طوائف من أهل الإسلام في عهد أبي بكر، وهكذا إلى يومنا هذا، هذا يخرج من دين الإسلام بترك دينه، وآخر ربما بسبب الردة، أو بالاستهزاء أو بغير ذلك من أسباب الردة. وأعظم هذه الردة ما تحصل في آخر الزمان، وهي الردة تعم الأرض حيث لا يكون على الأرض مسلم ولا موحد، وإنما يكون على الأرض أهل ردة لا يوجد فيهم مسلم ولا مؤمن. ثم قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: وغيرها من أمور في الكتاب جلية ذكرى، وصحت بها السنة، السند -يعني وأن من معتقد أهل السنة والجماعة الإيمان بكل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة التي صحت بها السنة إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام- فأهل السنة يؤمنون بكل تلك الآيات وتلك الأشراط. والآيات والأشراط كثيرة، منها ما قد وقع وانتهى كموته عليه الصلاة والسلام، كبعثته عليه الصلاة والسلام، وانشقاق القمر، وهكذا، وكذلك كخروج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل بالشام، وكذلك علامات أخرى حدثت، وعلامات تقع وتقع ويتكرر وقوعها، ومن ذلك الفتن والحروب، فيقع ويتكرر وقوعها، وظهور كثرة الهرج وهو القتل، وفي هذه الأيام كثرة القتل وكثرة الهرج. وهكذا كذلك من العلامات: تطاول الرعاة الحفاة رعاة الشاء في البنيان، وهكذا كذلك ستكون بين يدي الساعة كما في حديث عوف بن مالك: صفات بيت المال، ومرض يأخذ الناس كقعاص الغنم، وموتان كما قال عليه الصلاة والسلام: يأخذ فيكم كقعاص الغنم. وهكذا أحاديث كثيرة، ومنها علامات لم تقع بعد، ومنها عودة جزيرة العرب جنات وأنهار، وهكذا كذلك خروج المهدي، وهكذا كذلك خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، والعلامات العشر كذلك التي لم تقع بعد، وهكذا علامات كثيرة ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها العشر علامات التي تكون في آخر الزمان قرب قيام الساعة. فالواجب الإيمان بكل ما ذكر في الكتاب والسنة مما يتعلق بأشراط الساعة، بخلاف أهل البدع الذين يردون أحاديث ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة بحجة أنها لم توافق عقولهم أو يستبعدون فيها أمورًا أو غير ذلك. أما أهل السنة فإنهم يستسلمون لخبر الله جل وعلا ولخبر رسوله عليه الصلاة والسلام. ففي هذه الأبيات بعد ذكره للإيمان باليوم الآخر ذكر شيئًا مما يتعلق بالإيمان بذلك اليوم، وهو الإيمان بما يتقدمه من علامات وأشراط، وأشار إلى بعض أشراط الساعة الكبرى، وإلا فالأشراط كثيرة، وألفت فيها مؤلفات لصديق حسن خان وغيره، ألفوا كتبًا في ذكر أشراط الساعة وبالأحاديث وبالآيات من كتاب الله عز وجل. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.