الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 38، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
ذكر الناظم أن الجنة والنار حق ومخلوقتان ولا تفنيان، وقد أعد الله الجنة لأوليائه والنار للكافرين. يتناول المقطع اعتقاد أهل السنة في خلود الجنة والنار.
يرد المقطع على شبهة الجهمية القائلين بفناء النار مستدلين بآية فيها استثناء، ويبين أن الاستثناء المراد به ما قبل دخول أهل الجنة والنار لمقامهما. يُناقش صحة الحديث المتعلق بخروج أهل النار من النار.
يُناقش المقطع صحة الحديث المتعلق بخروج أهل النار من النار ويبين أنه ضعيف، ويُشير إلى أن القول بفناء الجنة والنار ظهر مع الجهمية، ويُناقش موقف شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
تمت الإشارة إلى مسائل متبقية ستتم مناقشتها في الدرس القادم، وتم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه مع شكر المشاهدين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم، بعد قال الناظم رحمه الله تعالى: والنار حق وجنات النعيم ولا نقول تفنى ولا ذا الآن تفتقد هادي لأعدائه قد أرصدت أبدا ودي لأحبابه والكل قد خلدوا ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع هادين البيتين الذين فيهما بيان معتقد أهل السنة والجماعة في النار والجنة، وأنهما حق لا تفنيان، وموجودتان الآن، ولا تفنيان ولا تفتقدان. الجنة عدت لأهل الإيمان ولأولياء الله جل وعلا ولأحباب الله جل وعلا خالدين فيها، والنار أرصدت لأعداء الله جل وعلا الكافرين خالدين فيها أبدا. والنار والجنة مخلوقتان من خلق الله جل وعلا، فالجنة خلقها الله، وهكذا خلق النار. قد جاء في حديث أبي هريرة عند أهل السنن وغيرهم، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله جل وعلا حين خلق الجنة وخلق النار أمر جبريل أن ينظر إلى الجنة، وأمره أن ينظر إلى النار. بعد خلق الجنة والنار، أمر الله جل وعلا جبريل أن ينظر إلى الجنة وإلى النار، حتى قال جبريل: لما رأى الجنة، ما من أحد يسمع بها إلا دخلها، فحفت بالشهوات. فقال: واستبعد أن يدخل أحد لما حفت بذلك من الشهوات. والنار حفت بالمكاره. نعم، والنار حفت بالشهوات. فالجنة والنار معدتان، إذن موجودتان. وأخبر نبي الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة عن من رآهم في الجنة، والشهداء أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة. والأحاديث كثيرة في ذكر ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. وهذا يدل على أن الجنة قد أعدت وهي موجودة. قد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة: «فالصالحين من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح». فالجنة موجودة، ويعد فيها النزل لمن أتى بالأعمال الصالحة، ومنها من غدا إلى المسجد أو راح. والجنة والنار معدتان، وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا مات أحدكم رأى مقعده، رأى مقعده من الجنة أو النار». فمن كان من الجنة فمن أهل الجنة، ومن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة. فإذا يرى العبد في القبر مقعده إن كان من الجنة أو إن كان من أهل النار. وهكذا في حديث الكسوف حيث بن عباس الصحيحين حين صلى النبي عليه الصلاة والسلام، رآه الصحابة تقدم في صلاته ثم تأخر. فبعد صلاته سألوه عليه الصلاة والسلام، قالوا: أينك تقدمت ثم تكعكعت؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «رأيت الجنة فأردت أن آخذ منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا». قال: «ثم رأيت النار فلم أر منظرا كاليوم أو أفضع كاليوم أو كما قال عليه الصلاة والسلام». ومعنى أنه رأى الجنة ورأى النار عليه الصلاة والسلام. فإذا النصوص كثيرة في بيان أن الجنة والنار قد أعدتا، وقد خلقتا، خلقهما الله جل وعلا، وأعدهما الله سبحانه وتعالى. والجنة والنار لا تفنيان، وهذا هو مذهب السلف، دل على ذلك كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهكذا الإجماع. فالجنة والنار لا تفنيان، والآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا في قوله جل وعلا: «خالدين فيها أبدا»، خالدين فيها أبدا في الجنة والنار. ومعنى ذلك أنهما لا تفنيان. وقال جل وعلا في الجنة: «أكلها دائم وظلها»، فأكلها دائم يعني مستمر غير منقطع، يعني أبدي سرمدي لا يفنى. وهكذا في النار: «ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك»، قال: «إنكم ماكثون»، يعني ماكثون فيها نعم على دوام وعلى استمرار من غير انقطاع ومن غير انتهاء. والأحاديث كثيرة كذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان هذا، حيث أخبر عليه الصلاة والسلام كما في حديث الشفاعة، وجاء عن جماعة من الصحابة، أن الذين يخرجون من النار هم أقوام دخلوها بسبب ذنوبهم، وأما أهلها فلا يخرجون منها، يعني أنهم باقون فيها. وكما قال الله جل وعلا: «لا يموت فيها ولا يحيا»، إنما هو في نار جهنم، في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا. ولذلك معتقد أهل السنة والجماعة الجنة والنار أنهما لا تفنيان. ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم، وهذا هو معتقد الصحابة وتابعيهم لهم بإحسان. وخالف في هذا الجهمية، خالف في هذا الجهمية، الجهم بن صفوان على رأسهم، ثم اتبعوه من اتبعه. ولذلك كفرهم السلف، فعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة كفر الجهمية القائلين بفناء الجنة والنار. وهذا الإمام البخاري رحمه الله في كتابه خلق أفعال العباد كفر الجهمية القائلين بفناء الجنة والنار. لماذا؟ لأن هذا القول معارض لما جاء في الكتاب والسنة من التصريح والدليل الواضح في كون الجنة والنار لا تفنيان. ونسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم القول بفناء النار. وقبل هذا نقول: ما هي أدلة الجهمية التي استدلوا بها على فناء الجنة وعلى فناء النار؟ استدلوا ببعض الأدلة من كتاب الله جل وعلا، استدلوا بقوله سبحانه وتعالى: «فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد». وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ. فقالوا: هنا قوله جل وعلا: «إلا ما شاء ربك»، ومعنى أن أهل الجنة سيبقون في الجنة ما شاء الله ثم تفنى، وأهل النار يكونون في النار ما شاء الله ثم تفنى. والرد على هذا أن تفسير هذه الآية والمراد بالاستثناء في هذه الآيات في قوله جل وعلا: «إلا ما شاء ربك»، أي إلا ما شاء قبل الدخول، قبل دخول أهل الجنة الجنة وقبل دخول أهل النار النار. وأما إذا دخل أهل الجنة الجنة فهم خالدون فيها، وإذا دخل أهل النار النار يعني الكفار فهم خالدون فيها. وهذا هو قول جمهور المفسرين، كما ذكر العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره، قال: وهذا هو تفسير جمهور المفسرين، المراد بالاستثناء في هذه الآيات إلا ما شاء ربك، أي قبل دخول أهل الجنة الجنة وقبل دخول أهل النار النار، لا بعد الدخول، ليس الاستثناء بعد الدخول، وإنما بعد الدخول فإنما هو خلود إما خلود في الجنة وإما خلود في النار في حق الكافرين. وأما أهل التوحيد فإذا دخلوا النار عذبوا ما شاء الله جل وعلا أن يعذبهم، ثم يخرجون بعد ذلك ويدخلون جنة الله سبحانه وتعالى. وربما استدلوا بعض الأحاديث التي لم تثبت عن المسلمين، بل هي ضعيفة، منها ما جاء عن عمر من حديث عمر رضي الله تعالى عنه، وهو من رواية الحسن عن عمر، والحسن لم يلق عمر رضي الله تعالى عنه، فهذا الحديث منقطع. فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن أهل النار لا بد لهم من يوم يخرجون فيه من النار، لا بد أن يخرجوا فيه من النار. فاستدلوا بهذا على أن أهل النار سيخرجون من النار، إذن النار تفنى ولا تبقى. والرد على هذا أولا كما سمعتم الحديث في سنده انقطاع، فهو منقطع من رواية الحسن عن عمر. وثانيا يقال: الحديث ليس فيه ذكر فناء النار، الحديث لمن تأمله ليس فيه ذكر فناء النار، وإنما فيه ذكر خروج أهل النار من النار، خروج من كان في النار من النار، ليس فيه ذكر أن النار تفنى. لكنهم يقولون النار تفنى، من أين لكم فناء النار؟ إذا قالوا هذا الحديث، نقول: الحديث ليس فيه ذكر فناء النار، وإنما خروج ماذا؟ من كان في النار من النار. وهذا إذا كان يثبت ذلك، وإلا فالحديث ضعيف ومنقطع، بل هو معارض لما جاء من أدلة كثيرة في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام التي فيها بيان أن الجنة والنار لا تفنيان. وكذلك إجماع السلف على ذلك. وإنما ظهر القول بفناء الجنة والنار ماذا؟ من قبل الجهمية، كما صرح غير واحد من السلف. قال: كان الصحابة على القول بأبدية الجنة والنار حتى ظهرت الجهمية، حتى ظهرت الجهمية، وذلك كفرهم السلف كما تقدم. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم من أهل من الناس، نقول: من الناس من جعل شيخ الإسلام هو حامل لواء هذه البدعة الشنيعة، وقالوا: شيخ الإسلام هو حامل لواء هذا المعتقد الفاسد. وهذا من قبل أعداء شيخ الإسلام، أعداء شيخ الإسلام قالوا: شيخ الإسلام هو حامل لواء هذه البدعة وهي القول بفناء النار. ومن أهل العلم من أهل السنة دافعوا عن شيخ الإسلام، وقالوا: هو بريء من ذلك كبراءة الذئب من دم يوسف كما يقال، وكبراءة الشمس من اللمس إذا نصب إلى الشمس أنها قد لمست هذا، كذب الشمس بريء من أن تلمس. وبعضهم من العلماء كالعلامة الألباني رحمه الله، شيخنا العلامة الوادعي رحمة الله تعالى عليهما، قالوا: شيخ الإسلام وابن القيم حصل منهم ذلك، قالوا: هذا القول، لكن اعتذروا لشيخ الإسلام وابن القيم أن هذا كان في بداية طلبهم للعلم، قبل رسوخهم في العلم، وإنما كان في بداية الطلب، قالوا: بهذا القول، وبعد ذلك رجعوا إلى أن الجنة والنار لا تفنيان. شيخ الإسلام في الفتاوى ذكر أن هناك من الأمور ما لا يفنى، وذكر من ذلك الجنة والنار، وأنهما لا تفنيان. وشيخ الإسلام كذلك السبب في قوله هذا في أول أمره أنه اغتر بحديث عمر، يغتر بحديث عمر الذي فيه أن من كان في النار، من كان في النار أنه سيأتي عليه يوم سيخرج. نعم، ولكن بعد ذلك لم يقل بهذا. وابن القيم رحمه الله تعالى كذلك في «الشفائية الكافية» واضح كلامه أنه يقول بعدم فناء الجنة والنار، قال رحمه الله تعالى: ثمانية من الأشياء أو من الخلائق لا تفنى، أو قال: ثمانية حكم البقاء يعمها من الخلائق، والباقون في حيز العدم. قال: العرش والكرسي والجنة والنار والأرواح وعجب الذنب والحوض والقلم، فذكر هذه الثمانية الأشياء في «الشفائية الكافية» وأنها لا تفنى. فهذا صريح من ابن القيم أنه قد تراجع عن ذلك القول. والمنصف إنما ينصف فيما قرأ وفيما صدر عن الآخرين، لكن العداء كما تعلمون الأعداء ما يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم. فإذن ذكرها العلم أن هذا وإن حدث من شيخ الإسلام ومن ابن القيم إنما كان في بداية الأمر، وأما بعد ذلك فقد صرحوا في كتبهم. بل شيخ الإسلام نقل الإجماع، قال: اتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار لا تفنيان، إذن هذا الاتفاق ينقل إجماع أهل العلم على ذلك، فكيف بعد ذلك يخالفه؟ فعلم أن ذلك إنما كان في بداية أمره. وقد أطلنا في هذا وأخذنا شيئا من الوقت، وبقيت مسائل في هذا إن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله عليه وسلم مبارك علينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.