الدرس في تعظيم قدر الصلاة 3، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
توضح الأدلة وجوب صلاة الجماعة وفضلها على صلاة الفرد بخمس وعشرين إلى سبع وعشرين درجة، ويبين أجر من توضأ في بيته ومشى إلى المسجد حيث تُرفع الدرجات وتُحط السيئات. كما تستغفر الملائكة للمنتظر في المسجد، ومن صلى مع الإمام غفر له ذنبه.
يروي حديث أنس بن مالك فضل من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك تكبيرة الإحرام، حيث تُكتب له براءة من النار وبراءة من النفاق. ويذكر حديث أبي بن كعب تفضيل صلاة الرجل مع رجل أو رجلين على صلاته وحده، مع بقاء الجماعة الأولى مع الإمام الأفضل.
يؤكد المقطع أن الأجر الأعظم للجماعة الأولى مع إمام المسجد الراتب، وأن الجماعة الثانية جائزة لكن فضيلتها دون الأولى. ويستدل بالقرآن والسنة على وجوب الحرص على صلاة الجماعة في المساجد والتحذير من التخلف عنها في البيوت.
يوضح حرص الصحابة على متابعة حضور صلاة الجماعة وسؤالهم عن الغائبين، ويستعرض تحذير النبي ﷺ الشديد من التخلف عنها بحديثه عن عزمه على حرق بيوت المتخلفين. ويؤكد أهمية الالتزام بالصلاة في المسجد وعدم التهاون بها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فما زلنا في ذكر الأدلة على تعظيم قدر الصلاة والحذر من إضاعتها، وذكرنا الأدلة في فضل الصلاة، وأنها تكفر الذنوب والسيئات، وأنها أيضاً أفضل الأعمال، وأن المصلي إذا صلى الصبح فهو في ذمة الله، وأنها سبب لدخول الجنة، ومانعة من دخول النار. ونتطرق إلى ذكر الأدلة على صلاة الجماعة والمحافظة عليها، والوعيد الشديد لمن تخلف عن صلاة الجماعة. وعلى الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة واجبة، ويأثم تاركها إلا من عذر. يقول نبينا صلى الله عليه وسلم في فضل صلاة الجماعة: «صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً»، الحديث رواه البخاري ومسلم، حديث أبي هريرة. وبين النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً في هذا الحديث أنه إذا توضأ في بيته ثم خرج من بيته فقد أحسن الوضوء، لم يخطو خطوة إلا رفعت له بها درجة، وكتبت له حسنة، وحط عنه خطيئة، سيئة، حط عنه سيئة حتى يصل إلى المسجد، يعني بعدد تلك المشايات التي يمشيها برجله يكون الأجر والثواب وتكفير السيئات. إذا توضأ في بيته وخرج من بيته قاصداً صلاة الجماعة في المسجد ففيها هذا الثواب. فإذا صلى ركعتين مثلاً تحية المسجد، وجلس في بقعته يذكر الله عز وجل، الملائكة تستغفر له، وإن الملائكة لتستغفر له كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما دام أحدكم في مجلسه تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث»، يعني ما لم يكن هناك حدث أصغر يقطع ذلك الاستغفار. فصلاة الجماعة تفضل بخمسة وعشرين ضعفاً عن صلاة الرجل منفرداً، سواء كان منفرداً في بيته صلاها، أو منفرداً في سوقه مكان عمله. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ»، والفذ هو الفرد، «بسبع وعشرين درجة»، الحديث متفق عليه، سبع وعشرين درجة. وفي حديث ابن عمر خمس وعشرين درجة، لا تنافي بينهما لأن زيادة الأجر والثواب أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فبلغت سبعاً وعشرين درجة. صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. وعن عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه»، رواه ابن خزيمة وصححه الألباني. هذا أيضاً من فضائل صلاة الجماعة، أنه إذا توضأ وضوءاً صحيحاً سابغاً بالماء، ثم مشى إلى صلاة من الصلوات المكتوبة فصلاها - انظر، فصلاها مع الإمام، ما صلاها منفرداً، صلاها مع الإمام - ما هو الجزاء؟ غفر له ذنبه. وجاء عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان»، أجر عظيم، أجر عظيم لمن صلى أربعين يوماً في جماعة متتالية ويدرك تكبيرة الإحرام، التكبيرة الأولى، المراد بها تكبيرة الإحرام، كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق، يعني ليس بمنافق. من حافظ على تكبيرة الإحرام، من حافظ على صلاة الجماعة يدرك التكبيرة الأولى مع الإمام، كم يوماً يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ أربعين، أربعين يوماً، لكن الأجر عظيم، براءة من النار. ولهذا نحن نقول: ربما يصعب علينا، لكن ما يصعب، وإنه ليسير على من يسره الله عليه. من أراد الله عز وجل له ذلك الفضل وذلك الخير سيسره عليه، سيهيئ على أن يكون مع الإمام في التكبيرة الأولى، وهذا يحصل غالباً لمن كان جالساً في المسجد قاطناً في المسجد كطلاب العلم مثلاً الذين يجلسون في بيوت الله يطلبون العلم. هذه فضيلة تحرصون على أن يدركوا تكبيرة الإحرام. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى لله أربعين يوماً في جماعة، أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتبت له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق»، والحديث صححه الترمذي، حديث في الترمذي وصححه الألباني رحمه الله. لكنه سيكون شاقاً كثيراً على النيام الذين ينامون، خاصة صلاة الفجر، وأصحاب الأعمال، فما يرتب جزاء عظيم مثل هذا إلا على عمل صالح، يعني براءة من النار، تخيل أنكم يوم القيامة من أهل الجنة، وأن النار لن تمسككم بسبب هذا العمل الذي عملتموه في الدنيا، فالله المستعان. كم نضيع اليوم من تكبيرة الإحرام، تكبيرة الإحرام مع الإمام، إن أدركناها في هذه الصلاة أضعناها في الصلاة الأخرى، وذلك لعدم حرصنا، لعدم حرصنا على فضائل الأعمال، فهذا من فضائل الأعمال الذي يحافظ عليه يجازى هذا الجزاء، فليحرص من استطاع، ومن وفقه الله عز وجل لحضور تكبيرة الإحرام مع الإمام. قال أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلما كثر فهو أحب إلى الله عز وجل»، الحديث عند أحمد وأبي داود والنسائي، وحسنه الألباني. إذن في هذا أيضاً فضل صلاة الرجل مع الرجل، والشخص إذا دخل المسجد وقد صلى، أي صليت الجماعة، فإنه ينتظر، إذا وجد شخصاً آخر يصلي معه فليصلي معه، فصلاته جماعة مع رجل أو مع رجلين أفضل من صلاته وحده. لكن صلاة الجماعة الأولى مع الإمام هي الأفضل، هي الأفضل بلا شك وبلا ريب. أن المراد بالأحاديث كلها هي الجماعة الأولى التي تكون مع إمام المسجد الراتب، حتى نحرص جميعاً ولا نتهاون بأن نقول: سنصلي، ربما اثنين يجلسان في مقهى أو في سوق أو غير ذلك أو في بيت، وتقام صلاة الجماعة، يقولون: نحن سنصلي جماعة بعد ذلك، أي بعد جماعة المسجد الأولى، ما يكون لهم هذا الجزاء، ما يكون لهم جزاء الذين صلوا مع إمام المسجد الإمام الراتب، الجماعة الأولى يكون لهم أجر لا شك ولا ريب، لكن ليسوا كأولئك الذين حرصوا مع الإمام الراتب للمسجد وأدركوا تكبيرة الإحرام معه في الأجر والثواب، وإلا لتهاون كثير من الناس لو تساووا في مثل هذا. فالشخص بقدر المستطاع يصلي جماعة حتى لا يحرم الأجر العظيم، مع اختلاف أهل العلم أيضاً في هذه المسألة، ومسألة إقامة الجماعة الثانية في المسجد، وأن بعض أهل العلم يمنع منها، وأنه إذا صليت الجماعة الأولى فالرجل يصلي في بيته، وقد وردت آثار في ذلك عن الصحابة، وهذا قول بعض أهل العلم. لكن الصحيح من أقوال العلماء أن صلاة الجماعة الثانية في المسجد الذي قد صلي فيه جائزة، ودليل ذلك ما جاء أن رجلاً دخل والنبي صلى الله عليه وسلم قد صلى، فقال عليه الصلاة والسلام: «من يتصدق على هذا؟» فقام أبو بكر، قال: أنا يا رسول الله، فقام وصلى معه، فصلى معه، فكانت لأبي بكر النافلة، ولذلك الرجل فريضة، فيدل على جواز الصلاة الثانية، صلاة الجماعة مرة أخرى في مسجد قد صلي فيه. لكن الحرص كل الحرص ينبغي أن يكون على إدراك الجماعة الأولى مع الإمام الراتب. فهذه فضائل صلاة الجماعة، والنبي صلى الله عليه وسلم حذر في أحاديث كثيرة ممن ترك صلاة الجماعة في المسجد. أولاً: مدح الله عز وجل الذين يصلون في بيوت الله، قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. هذا مدح لأولئك الرجال الذين يحافظون على الصلاة في بيوت الله عز وجل. أما الذين يصلون في بيوتهم، هؤلاء المتخلفون، قد جاء الوعيد الشديد في تركهم صلاة الجماعة مع المسلمين. الله عز وجل يقول: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، هذا أمر للمؤمنين: اركعوا مع الراكعين، إذن الراكعون منهم هم المسلمون الذين يصلون في بيوت الله، اركعوا أيها المسلمون مع إخوانكم المسلمين لله في بيوت الله عز وجل. ولما أقيمت بيوت الله والمساجد؟ هذه أقيمت لأجل أن يجتمع المسلمون فيها، ويلتقي المسلمون فيها، وشرع لهم في الأسبوع أن يلتقوا جميعاً في الجمعة، يلتقون كعيد من أعيادهم، وهكذا أيضاً الأعياد الأخرى، عيد الفطر وعيد الأضحى، يلتقي المسلمون في المصليات، وإن تعذر ففي المساجد. كل هذا أيضاً لأجل أنهم إذا التقوا عرف بعضهم بعضاً، وتفقد بعضهم بعضاً، وواسى بعضهم بعضاً، وسأل بعضهم عن حال بعض، كل هذا يحصل في صلاة الجماعة. وإذا غاب شخص منهم سألوا عنه: لماذا غاب اليوم واليومين والثلاثة؟ هل هو مسافر؟ هل هو مريض؟ هل عنده شيء؟ وهكذا. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حذر أمته، حذر من ترك صلاة الجماعة في المسجد. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر رجلاً فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم»، الحديث متفق عليه، حديث أبي