شرح الجوهرة الفريدة 44

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 44، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الرد على من ينكر رؤية الله جل وعلا

الدرس يتناول الرد على الجهمية والمعتزلة الذين ينكرون رؤية الله جل وعلا يوم القيامة، ويوضح الفرق بين الرؤية والإدراك. كما ينتقد غلاة أهل التصوف الذين يزعمون رؤية الله في الدنيا.

تحليل معتقدات غلاة التصوف حول رؤية الله

يناقش المقطع معتقدات غلاة التصوف حول محبة الله ورؤيته في الدنيا، ويبين بطلان هذه المعتقدات وتناقضها مع تعاليم الإسلام وأقوال النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

ضلال الأشاعرة في إثبات رؤية الله

الأشاعرة أثبتوا رؤية الله يوم القيامة لكنهم نفوا رؤيته بالبصر إلى جهة، مما أوقعهم في تناقض وأدى إلى انتقاد المعتزلة لهم، بينما أهل السنة والجماعة أثبتوا رؤية الله بالبصر في العلو.

الإشارة إلى مسألة فقهية خلافية

المقطع يشير إلى وجود خلاف في مسألة فقهية معينة، ويذكر أن الوقت لم يسعف لذكرها، وسيتم التطرق إليها في الدرس اللاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. ومن ولاه. وما بعد، كان آخر الكلام في مبحث الرؤية، وذكر المخالفين الذين خالفوا أهل السنة والجماعة في رؤية الله جل وعلا يوم القيامة. ذكرنا منهم الجهمية والمعتزلة، وذكرنا أدلتهم. ومما ذكرنا من أدلتهم أنهم يستدلون بقول الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، وقالوا: لا تدركه الأبصار يعني لا تراه الأبصار. وهذا باطل؛ لأن الإدراك غير الرؤية، فالإدراك هو الرؤية بإحاطة، وهذا هو المنفي. فالله جل وعلا يرى من غير إحاطة، وليس المنفي الرؤية. قال جل وعلا: ﴿فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين﴾، فموسى عليه الصلاة والسلام نفى الإدراك؛ لأنه موعود من الله جل وعلا بأنه لا يخشى دركا، يعني ولا يخاف دركا، ولا يخشى دركا، فنفى الإدراك وإن كان حصلت الرؤية. ولذلك، لما سئل عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، عن ذلك، فقال للقائل وللسائل: هل ترى السماء؟ قال: نعم. قال: هل تدركها؟ قال: لا. فإذا نحن نرى السماء، لكن هل ندركها؟ الجواب: لا. ما نستطيع أن نحيط بالسماء رؤية، وهي مخلوقة، ولا نستطيع أن نحيط بالبحر رؤية، وهو مخلوق، ولا نستطيع أن ندرك الجيش رؤية إذا كان جيشا عظيما، نرى ناحية من الجيش، ولا ندرك الجيش كله. فنحن رأينا ولم ندرك، نرى السماء ولكن لا ندرك السماء، يعني لا نحيط بها رؤية، وإنما نرى هذا الذي تتسع له أبصارنا. وهكذا إذا نظرنا إلى البحر، فنحن رأينا البحر إذا قلنا: هل نرى البحر؟ الجواب: نعم. وإذا قلنا: هل أدركنا البحر؟ فالجواب: لا. وإذا قلنا: هل نرى ربنا جل وعلا يوم القيامة؟ الجواب: نعم. وإذا قلنا: هل ندرك ربنا جل وعلا يوم القيامة؟ فالجواب: لا؛ لأن المخلوق لا يدرك الرب جل وعلا. فالله جل وعلا هو العظيم الذي لا يحاط به، وهو جل وعلا العظيم الذي لا تدركه الأبصار. فإذا كان المخلوق من السماء والأرض والجبال والبحار ما استطاع المخلوق أن يدركها، فكيف يدرك الخالق جل وعلا الذي هو خلق هذه المخلوقات العظيمة؟ فالمنفي في النصوص هو الإدراك للرؤية. فقوله جل وعلا: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ أي لا تحيط به رؤية. وممن ضل في مبحث الرؤية غلاة أهل التصوف، وهو المتصوفة الغلاة منهم. فإنهم يزعمون أنهم يرون الله جل وعلا في الدنيا. قد ذكر أبو حامد الغزالي في مقدمات المجاهدة أن من هؤلاء أهل الخلوة، حين يخلو بنفسه ويحصل له تعلق بالله جل وعلا، إن كشف له جلال الحضرة الربوبية، بمعنى أنه صار يرى الله. وهذا باطل وافتراء، وهذا من زندقة أهل التصوف التي وصلوا إليها. حين يزعمون أن الله جل وعلا يكشف لهم الحجاب في الدنيا فيرونه، يزعمون ذلك؛ لأنهم يجعلون أنفسهم أعظم الناس محبة لله جل وعلا. فالناس إذا يحبون الله جل وعلا، فإنما محبتهم لله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. وأما محبة هؤلاء كما زعموا، فإنها أعظم من ذلك، فوصلوا في المحبة إلى مرتبة عظيمة كما زعموا. فهم يحبون الله جل وعلا كما يزعمون حبين، ليس حبا واحدا. الناس يحبون الله جل وعلا حبا واحدا، وهم يزعمون أنهم يحبون الله جل وعلا حبين. ليس حبا واحدا. ما هذان الحبان اللذان يحبوهما أهل التصوف، غلاة التصوف، في الله جل وعلا؟ الحب الأول هو أنه جل وعلا أهل لأن يحب، فيقولون: نحن نحب الله جل وعلا؛ لأنه أهل أن يحب. والحب الثاني عندهم حب الهوى، فإذا هم يحبون الله جل وعلا حب هوى. وهذا ممنوع في محبة الله جل وعلا، لا يجوز للمخلوق أن يحب الله جل وعلا حب هوى، حب عشق. فالله جل وعلا تعالى أن يحب هذا النوع من أنواع الحب. فمراتب المحبة كثيرة، أنواع منها المودة، ومنها الخلة، ومنها المحبة، ومنها التتيم، ومنها كذلك العشق. فدلت النصوص على أنواع من المحبة جائزة لله جل وعلا أن يحب بها، وهي الخلة. ولذلك أثبتها لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام. وأثبت كذلك أن عباده يحبونه جل وعلا، يحبهم ويحبونه. وأثبت كذلك المحبة الشرعية التي بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. أما محبة الهوى ومحبة العشق، فهذه إنما تصدر من المخلوق للمخلوق، تصدر من المخلوق للمخلوق محبة عشق، يعشق المخلوق غيره. فهذه محبة عشق. أما أن تكون هذه لله بأن يحب المخلوق الخالق محبة عشق، فهذا باطل. فهذه المحبة لا يحب الرب جل وعلا بها. فأهل التصوف، غلاة التصوف، يزعمون أنهم يحبون الله جل وعلا حب الهوى، وهو حب العشق والغرام. والحب الثاني هو الحب الذي لأنه جل وعلا أهل لذلك. ولذلك يقولون: أحبك حبيني، حب الهوى، وحبا لأنك أهل لذاك. فأما حب الهوى فشغلي بذكرك عن من سواك. وأما الحب الذي أنت أهل له، فكشفك لي الحجب حتى أراك. فيقولون يخاطبون الله جل وعلا: نحن نحبك حبي حب هوى، والحب الثاني حبا لأنك أهل لهذا الحب الذي نحبك به. ويفسرون حب الهوى بقولهم: فأما حب الهوى فشغلي بذكرك عن من سواك، يعني نحن شغلنا بذكرك عن من سواك. وهذا يسمونه الفناء، أنهم فنوا في الله جل وعلا حتى يصل بعضهم إلى حال ربما غاب عنه الحس، فيقول كلاما لا يدري ماذا يقول، ويزعم أنه قد وصل إلى حال، إلى حالة غاب عنه الوجود، فلا يرى إلا الله جل وعلا؛ لأنه فنى فيه سبحانه وتعالى. وهذا أيضا الفناء الشرك، ومنه الفناء البدع عند غلاة التصوف. والحب الثاني، الحب الذي الله جل وعلا بزعمهم أهل له، أنه يكشف لهم الحجب، يكشف لهم الحجاب حتى يروه. فإذا غلاة المتصوفة ظلوا في هذا الباب، في باب رؤية الله جل وعلا، فزعموا أنهم يرون الله جل وعلا في الدنيا، كما أنهم يرونه في الآخرة؛ لأنهم يزعمون أنهم وصلوا إلى حالة وإلى مرتبة عظم فيها حبهم لله جل وعلا، حتى أنهم صاروا أعظم الناس بحبهم، وكذلك أعظم الناس ذكرا لله جل وعلا. فلذلك نتج عن ذلك أن يتجلى الله جل وعلا لهم، ويكشف الحجاب لهم فيرونه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. إذا كان ذلك مما يمكن أن يكون، لكان لموسى الكليم عليه الصلاة والسلام. فقد سأل ربه جل وعلا أن يراه، فهؤلاء زعموا أنهم بهذا أفضل من موسى الكليم عليه الصلاة والسلام. موسى يطلب من الله جل وعلا رؤيته سبحانه وتعالى: ﴿ربي أرني أنظر إليك﴾، ومع هذا يقول له جل وعلا: ﴿لن تراني﴾. وهؤلاء يدعون أنهم رأوا ربهم جل وعلا. إذن إذا قارنا من الأفضل؟ إذن غلاة المتصوفة، موسى الكليم عليه الصلاة والسلام، على قولهم أنهم أفضل من موسى؛ فقد بلغوا مرتبة لم يبلغها موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم ربنا جل وعلا كشف لهم الحجاب ورأوه، وموسى قال له جل وعلا: ﴿لن تراني﴾. وهكذا لو كانوا على هذا، كانوا أفضل من نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؛ فقد سئل: هل رأيت ربك؟ قال عليه الصلاة والسلام: «نور أن أراه»، «نور أن أراه» في رواية: «رأيت نورا». فكذلك يزعم غلاة المتصوفة أنهم يرون الله جل وعلا، وهذا موسى الكليم منعا من ذلك. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام، حين عرج به إلى السماوات العلى، ورأى ما رأى من آيات ربه الكبرى، ومع هذا لم يتحقق له هذا، وهو أنه رأى ربه جل وعلا، وأن الله جل وعلا كشف له الحجاب حتى يراه. بل قال عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». فغلاة المتصوفة هؤلاء ظلوا في باب الرؤية، حين زعموا أنهم يرون الله جل وعلا في الدنيا. وقد ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام، في مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «اعلموا -في لفظ: تعلموا- أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». ومعنى هذا أن الرؤية لا تكون لله جل وعلا إلا يوم القيامة، ولا تكون في الدنيا. ومن ضل في باب الرؤية وبحث الرؤية الأشاعرة، الأشاعر المنتسبون لأبي الحسن الأشعري، يقولون: إن الله جل وعلا يرى يوم القيامة. فهم أثبتوا رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة، لكن لم يثبتوا رؤية حقيقية لله جل وعلا بالبصر. فهم وإن أثبتوا الرؤية، لكن خالفوا أهل السنة والجماعة في هذه الرؤية. فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله جل وعلا يراه المؤمنون يوم القيامة رؤية بالبصر، رؤية بالعينين. وأما الأشاعرة فيقولون: يرى الله جل وعلا يوم القيامة لا إلى جهة. فلماذا يقولون: لا إلى جهة؟ السبب في ذلك ضلالهم في المعتقد فيما يتعلق بإثبات علو الله جل وعلا. فالأشاعرة لم يثبتوا علو الله جل وعلا كما أثبته أهل السنة والجماعة. ولذلك لما ثبتوا الرؤية حاروا، حاروا في تفسيرها. كيف يقولون إذا أثبتوا الرؤية؟ النصوص واضحة الصريحة في إثبات رؤية رب العالمين يوم القيامة. إذن قالوا: الله جل وعلا يرى، لكن كيف يثبتون هذه الرؤية؟ فقالوا: يرى إلى لا إلى جهة، يرى لا إلى جهة. فهذه ليس فيها إثبات رؤية حقيقية؛ لأن الرؤية لا بد أن تكون إلى شيء. والمعتزلة أنكروا على الأشاعرة في هذا. المعتزلة لما سمعوا قول الأشاعرة ردوا عليهم بقولهم: هذا لا يمكن. فأنتم إما أن تثبتوا الرؤية إلى جهة، وإما أن تنفوا الرؤية كما نفيناها. والمعتزلة أحذق من الأشاعرة في هذا. فألزموا الأشاعرة بأحد الأمرين: إما أن يثبت رؤية إلى جهة، وإما أن ينفي الرؤية. ولا يمكن أن تكون رؤية إلى غير جهة. فلذلك بعض الأشاعرة رجع إلى قول المعتزلة. بعض الأشاعرة رجع لأجل هذا الإلزام، فرأى أن هذا الإلزام يلزمه إما أن يثبت رؤية إلى جهة، وإما أن ينفي الرؤية. فلذلك رجع من الأشاعرة إلى قول المعتزلة ونفوا الرؤية كما نفاها المعتزلة. لو أنهم أثبتوا العلو لله جل وعلا كما أثبتها أهل السنة والجماعة، لقالوا: الله جل وعلا يرى وهو في العلو، يرى وهو في العلو. كما قال مقيم رحمة الله تعالى عليه في نونيته: ويرونه سبحانه من فوقهم ... رؤية العيان كما يرى القمران هذا تواتر عن رسول الله، لم ينكره إلا فاسد الإيمان. يعني رؤية المؤمنين ربهم جل وعلا، يرونه وهو من فوقهم جل وعلا، وهو في علوه سبحانه وتعالى. فأهل الإيمان يرونه وهو جل وعلا في علوه. لو أن الأشاعرة أثبتوا العلو لخرجوا من ذلك. لكن انظروا فساد المعتقد له آثار سلبية، ويجعل العبد يتناقض، فينكر شيئا فشيئا مما ثبت دليله الواضح البين الصريح بكتاب الله أو بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أما أهل السنة والجماعة فقالوا: الله جل وعلا يرى يوم القيامة. فإذا قال لهم المعتزلة: إلى أي جهة يرى؟ فيقولون: هو في العلو. وأما مسألة الجهة وعدم الجهة، فهذه مسألة أحدثها أهل الكلام. وأهل السنة والجماعة يفصلون فيها. ما المراد بقولكم: الله في جهة، أو ليس في جهة؟ إذا أردتم بقولكم: في جهة، أي أنه في جهة تحوزه الجهات الأخرى، أو هذه الجهة قد حاطت به أو حصرته، فهذا باطل. وإن أردتم بالجهة جهة عدمية، المراد بها علوه سبحانه وتعالى الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، فذلك ثابت كما في هذه الأدلة الكثيرة. بل الأدلة مئات الأدلة، بل أكثر من ذلك، دالة على علو الله جل وعلا بذاته، وأنه في العلو، وله العلو المطلق على سائر المخلوقات، وله العلو الخاص، وهو علوه على العرش: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾. فلا مدخل للمعتزلة، ولا حجة للمعتزلة على أهل السنة والجماعة. أما على الأشاعرة، فقد ألزمهم المعتزلة بهذه الإلزامات، وهي إلزام صحيح. إلزام صحيح من المعتزلة للأشاعرة: لا يمكن أن تكون الرؤية إلى غير جهة. لكن الجهة هنا يستفصل عنها، والمراد بها العلو. فإذا كان المراد بها العلو، فذلك ثابت حق صحيح، دلطة عليه الأدلة في الكتاب والسنة. بقيت مباحث تتعلق بذات الرؤية، وهي الخلاف بين أهل السنة والجماعة في رؤية النبي عليه الصلاة والسلام ربه يوم القيامة. وهكذا الخلاف فيما يتعلق: هل يمكن أن يرى المؤمن ربه في المنام؟ أم ذلك لا يمكن؟ هذه مسألة أيضا حصل فيها شيء من خلاف. ضاق الوقت لذكرها. نذكر ذلك إن شاء الله في درسنا اللاحق. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.