شرح السنة للمزني 1

الدرس في شرح السنة للمزني 1، الدرس الأول:من( بسم الله الرحمن الرحيم عصمنا الله وإياكم بالتقوى ... وهم بأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة رسالة المزني وإثبات علو الله على عرشه

يستعرض المقطع مقدمة الإمام المزني لرسالة «شرح السنة» ومنهج السلف في التلقي والنصح، ثم يركز على أصل عظيم وهو علو الله تعالى على خلقه بذاته فوق عرشه. يستدل على ذلك بالقرآن والسنة والإجماع والعقل والفطرة، مبيناً أنه محل النزاع الرئيس بين أهل السنة والمبتدعة.

إحاطة علم الله ومراتب القدر والإرادتان وخلق الملائكة

يشرح المقطع إحاطة علم الله بكل شيء وكتابته للمقادير في اللوح المحفوظ، مبيناً أن الخلق عاملون بسابق علمه ونافذون لمشيئته الكونية. يفصل أقسام الناس بحسب اجتماع الإرادتين أو تخلف الشرعية، ويختتم بذكر خلق الملائكة بمشيئة الله وجبلهم على الطاعة وتفاوت وظائفهم.

غنى الله عن الخلق وقصة خلق آدم ومصير ذريته

يقرر المقطع قاعدة غنى الله المطلق عن خلقه وافتقارهم إليه، ويبين وجوب الإيمان بالملائكة، ثم يفصل في خلق آدم بيد الله الحقيقية وسكناه الجنة وهبوطه للأرض بقضاء وقدر. يختم بخلق أهل الجنة وأهل النار من ذريته وفق سابق العلم والكتابة في اللوح المحفوظ.

صفات أهل النار ومصيرهم

أهل النار هم الكفار الذين سبق في علم الله أنهم لن يؤمنوا، فهم يعملون أعمال أهل النار ويعرضون عن أمر الله. أمرهم الله بالتوحيد ونهاهم عن الكفر والشرك فأبوا واستمروا في المعصية مستحقين الخلود في النار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد، فيقول الإمام أبو إبراهيم المزني رحمه الله تعالى في رسالته الموسومة بشرح السنة: قال: غفر الله له، ولشيخنا، ولوالدينا، ولمن حضر واستمع. بسم الله الرحمن الرحيم. حَصَّنَنا الله وإياكم بالتقوى، ووفقنا وإياكم لموافقة الهدى. أما بعد، فإنك أصلحك الله سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا تصبر نفسك على التمسك به، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين. فقد شرحت لك منهاجًا موضحًا، لم آل نفسي وإياك فيه نصحًا. بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد السديد. الحمد لله، أحق ما ذكر، وأولى من شكر، وعليه أثني، الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، جل عن المثل، فلا شبيه له ولا عديل، السميع البصير، العليم الخبير، المنيع الرفيع، عالٍ على عرشه في مجده بذاته، وهو دانٍ بعلمه من خلقه، أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال: عالٍ على عرشه في مجده بذاته، وهو دانٍ بعلمه من خلقه، أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. الحمد لله، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذه الجمل التي استمعنا إليها من كلام المزني رحمه الله تتضمن أمورًا عدة: أحدها: أن كتابة المزني هذه الرسالة هي جواب لمن سأله عن أمور في العقيدة، والأهم يسمون العقيدة «السنة»؛ لأنه لا مجال فيها للرأي ولا للاجتهاد، فمبناها على الكتاب وصحيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ثانيًا: كان أهل الفضل والصلاح والتقى إذا نزلت بهم نازلة أو حلت بهم مشكلة، عمدوا إلى الأكابر من أهل العلم بالسؤال، وطلبوا منهم الجواب الشافي الكافي. وهذه سنة متبعة بدءًا من الصحابة، فأئمة التابعين، فمن بعدهم من أهل العلم والفضل والدين والإيمان. وما أحسن ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: «لا يزال الناس صالحين متماسكين ما أتاهم العلم عن أصحاب محمد وأكابرهم، فإذا أتاهم العلم عن أصاغرهم هلك الأمر». الثالث: كان الأئمة لا يترددون في البيان، سواء الحامل لهم عليه الحال، يعني ما يرونه فيمن حولهم، أو السؤال. فهم يبينون الحق بدليل من الكتاب وصحيح المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومقصودهم شيئان أو ثلاثة: أحدها النصيحة، فإن من حق المسلم على المسلم النصيحة، لا سيما إذا استنصح. قال صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا استنصحك فانصحه» الحديث. وأخرج البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ عليه فيما بايعه عليه والنصح لكل مسلم. الأمر الثاني: تقوية عزيمة هذا السائل، فإن المؤمن لإخوانه، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. فمن عرض له شبه في أمر من أموره، فإنه تقوى عزيمته، ويشتد أزره حين يعمد لإخوانه من أهل العلم والفضل فيستنصحهم ويستشيرهم. الأمر الثالث: الحث على تصفية الناس دينهم لله، ونعبدوه بدينه الخالص الذي ارتضاه لهم، فأودع طريق معرفته، طريق المعرفة بهذا الدين، الكتاب وصحيح المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم. وثمة أمر، ثمة أمر مهم، وهو الحيلولة بين أهل السنة وبين مخالفيهم الذين يريدون أن يفسدوا عليهم دينهم. وهذا حينما يضعف الطلب، طلب العلم وتحصيل الفقه في دين الله، فإن الله سبحانه وتعالى من سعة رحمته وفضله يقيم رجالًا يشتد بهم الأزر، وتقوى بهم العزائم، يجعلهم حصنًا حصينًا للأمة في وجه المفسدين من أهل الأهواء. ثم بدأ المصنف رحمه الله بحمد الله والثناء عليه، وهذا اقتداء بالكتاب الكريم وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بعد ذلك ذكر أمورًا من أمور العقيدة الصحيحة، ومنها: علو الله على خلقه بذاته فوق عرشه، وهذا هو محل النزاع بين أهل السنة والمبتدعة. فإن أهل السنة يثبتون هذا النوع من علو الله عز وجل، علو الذات، لدلالة الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. قال الله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: 16]، وقال: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55]، وقال: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء». وأجمع أهل السنة على هذا النوع من العلو. وقد نقل الإجماع، أو ممن نقل الإجماع الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمرو رحمه الله، قال: «كنا نقول والتابعون متوافرون: إن الله فوق عرشه، وبائن من خلقه». ونقل الإجماع غيره. والعقلاء مطبقون على هذا، وأما دلالة الفطرة، فإن الخلق مفطورون حال ما تنوبهم النوائب على الاتجاه إلى الله في السماء. فانظر إلى الداعي من المسلمين، صغيرًا كان أو كبيرًا، حين يدعو ربه، فإنه يرفع يديه إلى السماء. ومنها: إحاطة علم الله عز وجل بكل شيء، فلا يعزب عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وهذا العلم هو من معاني العلم المحيط بكل شيء، هذا من معاني المعية العامة. ولهذا قال: «هو قريب بعلمه، أو دانٍ بعلمه». ومنها: أن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلق، فقدره نافذ فيهم من خير أو شر، فلا مفر لهم عما قدر الله عليهم. وقد ذكرنا في درس العصر تفصيل القدر في شرحنا غدًا لأصول السنة إن شاء الله تعالى. نعم، قال رحمه الله: «فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر». لحسبك: «الخلق عاملون بسابق علمه». وهذا تنبيه إلى مرتبتين من مراتب القدر: إحداهما علم الله، الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء، ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. والمرتبة الثانية: كتابة الله مقادير الخلق، ومن ذلك أعمالهم من خير أو شر، وفق علمه في اللوح المحفوظ. فالله علم أحوال العباد وأعمالهم، وكتبها في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. ولهذا قال: «بِعِلْمِهِ»، يعني ما يعمله العبد من خير أو شر فهو ليس خارجًا عن علم الله. علم الله على سبيل المثال أن عبده فلانًا يعمل كذا وكذا وكذا من الطاعات، ويعمل كذا وكذا وكذا من المعاصي، وكتبها. نعم، قال: قال رحمه الله: «فالخلق آمنون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر». يعني: نفذت فيهم مشيئته العامة، نفذت فيهم مشيئته العامة. وهذه مرادفة للكونية القدرية، الكونية القدرية. فضابط الكونية القدرية حسب استقراء النصوص وكلام أهل العلم هي كما يأتي: إرادة الله العامة لما يجري في الكون من حوادث، وفقها علمه بها وكتابته لها في اللوح المحفوظ. هذه الإرادة القدرية وهي مرادفة للمشيئة. فقول المزني رحمه الله: «وهم نافذون في مشيئته، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر». نعم، يعني المشيئة العامة. هذه الجملة تعني المشيئة العامة. فالعباد سبق في علم الله، أقول: من العباد من سبق في علم الله وكتب، وكتابته في اللوح المحفوظ أنه على خير حتى يموت، ومنهم من سبق في علم الله وكتابته أنه على شر حتى يموت، ومنهم من هو تار وتار. والمقصود أن يعلم كل مسلم ومسلمة أنه لا يقع في ملك الله شيء لا يريده ولا يشاء؛ لأنه قد فرغ سبحانه وتعالى من علم الأشياء وكتابتها في اللوح المحفوظ. نعم، قال: «لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا». هنا أمور: العبد مأمور بفعل الطاعات، ولكنه لا يملك: هل الله يقبلها أو لا يقبلها؟ هل لها آثار في الدنيا والآخرة؟ هذا لا يملك. لا يملكهم هذا في علم الله. فالله ما كلفك أيها العبد إلا بالعمل، بفعل الأوامر واجتناب النواهي. فالعبد لا يملك نفع الطاعة، كما أنه لا يملك دفع المعصية فيما قدر عليه منها، فيما قدر عليه منها. لكنه يملك، بفضل من الله، التوبة والاستغفار، كما أنه يملك الاختيار: يفعل أو لا يفعل. فالذي فعل المعصية لم يجبر عليها، فعلها باختياره. هو مختار، يعرف أن هذا معصية، ويملك كذلك بعدها التوبة والاستغفار، مأمور به في مقدوره. فدفع ما قدر عليه من المعصية هذا لا مفر له منه إلا بالتوبة والاستغفار، ورحمة الله فوق ذلك. ومن هنا يحسن أن يعلم المسلمون أن الناس في الإرادة أقسام ثلاثة: قسم جمع الله له بين الإرادتين: الكونية القدرية والشرعية الدينية. وهذا كل مؤمن صادق، بر، مطيع. ومن أنفل هؤلاء أبو بكر وإخوانه، وإخوانه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا به وصدقوه وجاهدوا معه، وفدوا دين الله وشرع الله في أموالهم وأنفسهم. الثاني: من نفذت فيه الإرادة الكونية القدرية، وتخلفت عنه الإرادة الشرعية الدينية. وهذا هو الكافر، كأبي جهل وأبي لهب وأضرابهما. فالإيمان مراد منهم شرعًا، لكنهم لم يستجيبوا مع قدرتهم على ذلك، وقد سبق في علم الله أنهم لن يؤمنوا. الثالث: من اجتمعت له الإرادتان من وجه، ونفذت فيه الإرادة الشرعية، ونفذت فيه الإرادة الكونية القدرية من وجه آخر. أقول: الثالث من اجتمعت له الإرادتان من وجه، ونفذت فيه الإرادة الكونية القدرية من وجه آخر. وهذا هو، وهذا هو الفاسق من الموحدين، الفاسق من الموحدين. فما ناله من عمل صالح وطاعة وبر وتقوى، اجتمعت له فيه الإرادتان. وما وقع فيه من فجور وفسق، هذا نفذت فيه الإرادة الكونية القدرية، وتخلفت عنه الإرادة الشرعية الدينية. واضح. قال رحمه الله: «خلق الخلق بمشيئته من غير حاجة كانت به، فخلق الملائكة جميعًا لطاعته، وجبلهم على عبادته، فمنهم ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرشه يسبحون، وآخرون بحمده يقدسون، واصطفى منهم رسلًا إلى رسله، وبعض مدبرون لأمره، وبعض مدبرون لأمره». أقول: أعيد الجملة الأولى: «خلق الخلق بمشيئته من غير حاجة كانت به». أقول: هذه قاعدة شرعية قطعية، بصريح القرآن ومتواتر السنة وإجماع الأئمة، بل حتى أهل التدين الحق من المسلمين مجمعون عليها، وهي: أن الله غني عن خلقه، ملائكتهم وإنسهم وجنهم، والعرش والسماوات والأرض، لا حاجة له في مخلوق ما. المخلوقات سبحانه وتعالى هو الغني، والخلق كلهم فقراء إليه. هذه معلومة من الدين بالضرورة. الأمر الثاني في هذه الجملة: ذكر الإيمان بالملائكة، وأن الملائكة خلقهم الله لطاعته، ما فيهم معصية. وقد وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول، وبأمره يعملون. ولهم وظائف، فالواجب الإيمان بالملائكة، من سمى الله منهم ومن لم يسميه. من سمى مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل، كذلك جاءت تسمية مالك خازن النار، ورضوان خازن الجنة. وأن لهم وظائف، منهم الروح الأمين جبريل صلى الله عليه وسلم. وكما ذكر الشيخ رحمه الله، لهم وظائف كلفهم الله بها فأجابوا، أطاعوا، عليهم الصلاة والسلام. ومن هؤلاء الملائكة: حملة العرش، حملة العرش، أقدرهم الله على حمله. قال صلى الله عليه وسلم: «أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام». أخرجه مسلم. نعم، قال رحمه الله: «ثم خلق آدم بيده، وأسكنه جنته، وقبل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها». هذا في الوالد أبي البشر صلى الله عليه وسلم. أولاً: أن الله خلقه بيده، وهذا دليل على وجوب الإيمان بصفة اليد لله عز وجل، ويرد على من أول اليد بالقدرة من جهتين: إحداهما أن إبليس عليه لعنة الله لم يحتج على الله حين وبخه على عدم السجود لآدم كما أمره مع الملائكة، فلم يقل: «وأنت خلقتني بيدك». فلو كانت اليد هي القدرة لقال إبليس هذا، ولكن يعلم عدو الله أن اليد غير القدرة. فالمبتدعة، فإبليس أعقل من هؤلاء المبتدعة في هذا الباب. ما نقول إنه أكمل منهم إيمانًا، معاذ الله، لكن في هذا الباب هو أعقل منهم. وثانيًا: يلزم عليهم، يلزم على قولهم أن الله له قدرتان في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]، وهذا لم يقله أحد. ومن أول اليد بالنعمة، يقال له: يلزم على قولك أن الله له نعمتان، لأنه قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، مبسوطتان. وهذا مخالف قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]، فإن نعمه كبيرة. ثانيًا: أن الله أسكنه جنته، هي الجنة المعروفة، لا جنة أخرى. نقول: أسكن الله آدم جنته التي أعدها لأوليائه. لكن هل أسكنه عدن أو الفردوس أو المأوى؟ الله أعلم. نقف حيث أوقفنا ربنا جل وعلا، ولا نتجاوز. الثالث: أن الله خلقه للأرض، يعني أن إهباط آدم صلى الله عليه وسلم من الجنة إلى الأرض مع زوجه حواء عليهما السلام لم يكن حادثًا في علم الله، بل سبق في علم الله وكتابة في اللوح المحفوظ أن آدم يهبط لما يحدث منه، كما سيأتي. رابعًا: أن الله نهاه عن الشجر فأكل منه، وهذا ابتلاء، وهذا كذلك قدر مقدور على الوالد صلى الله عليه وسلم، فنؤمن بذلك. بقي شيء في آدم. نعم، قال رحمه الله: «ثم سلط عليه عدوه فأغواه عليها». هذا هو إبليس، سلطه على آدم، وهذه لحكمة، هذه لحكمة. فإن الحكمة من خلق إبليس، وكذلك الابتلاء بالمعاصي، هي هي: ليجاهد العباد أنفسهم ويقهروها على محاب الله ومرضاته، ويبعدوها عن مغاضبه ومساخطه. نعم، فإغواء الله، فإغواء، فإغواء إبليس لعنه الله للوالد صلى الله عليه وسلم لم يكن أمرًا غير مراد لله، يعني قدرًا، فهو مقدر، سبق في علم الله أن آدم يدخل الجنة، وأنه يأكل من الشجرة لوسوسة من إبليس، وأنه يهبط للأرض. فكل ذلك ضمن الإرادة الكونية القدرية، ضمن الإرادة الكونية القدرية. نعم، قال: «وجعل أكله لها إلى الهبوط، وجعل أكله لها إلى الهبوط إلى الأرض سببًا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلًا، ولا عنها لها مذهبًا». هذا لأنه مقدر، فالمقدر يدفع. نعم، انتهى هذا المحل. نعم، نكمل فقرًا، هذا فقر، فقر ومتعلق بآدم. ماذا بعد؟ قال رحمه الله: «ثم خلق للجنة من ذريته أهلًا، فهم بأعمالها بمشيئته عاملون، وبقدرته وبإرادته ينفذون، وخلق من ذريته للنار أهلًا، فخلق لهم أعينًا لا يبصرون بها، فخلق لهم أعينًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقلوبًا لا يعقلون بها، فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وهم بأعمال أهل النار بسابق قدره يعملون». أقول: أهل الجنة قسمان: قسم أهل الطاعات الخالصون، ولم يعملوا من الكبائر شيئًا، وقد يقعون في صغائر. الثاني: أهل التوحيد الفساق، فساق المؤمنين. فهم إلى الجنة، سواء في ذلك من عذبه الله لقاء كبيرته التي لم يتب منها، أو أدخله الله الجنة بمحض رحمته وعفوه، أو بشفاعة الشافعين. والمقصود أن المؤمن الموحد إلى الجنة. وهؤلاء وهؤلاء كلهم في علم الله وكتابته في اللوح المحفوظ. وأهل النار الذين هم أهلها هم الكفار، هم الكفار، سبق في علم الله أنهم لم يؤمنوا، فهم بعمل أهل النار يعملون، وهم عنه معرضون ومنصرفون. الله أمرهم ونهاهم فرفضوا أمره وركبوا معصيته. أمرهم بالتوحيد والإيمان، ونهاهم عن الكفر والشرك والعصيان، فأبوا إلا الكفر والشرك. نعم، قال رحمه الله: «والإيمان قول وعمل». هذا في الغد إن شاء الله تعالى. ونستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.