شرح الجوهرة الفريدة 12

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 12، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تعريف الإيمان وأهميته عند أهل السنة

الإيمان هو قول واعتقاد وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويختلف تعريفه عند أهل السنة عن المرجئة. يُعتبر هذا التعريف أساس فهم الإيمان في الإسلام.

أدلة زيادة الإيمان ونقصانه

الكتاب والسنة يدلان على أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهذا ما يخالف قول المرجئة بأن الإيمان ثابت لا يتغير. هذه الأدلة مهمة لفهم طبيعة الإيمان.

تفاضل الناس في الإيمان

الناس ليسوا سواء في الإيمان؛ فالصحابة لهم إيمان قوي بينما إيمان العصاة ناقص، وهذا التفاضل يعود إلى الطاعات والمعاصي. يُظهر هذا الاختلاف درجات الإيمان.

ختام الدرس والتوصيات

الدرس يُختتم بالتأكيد على أهمية فهم الإيمان كما جاء في الكتاب والسنة، مع الإشارة إلى إمكانية التوسع في بعض النقاط في دروس لاحقة. يُنهى بالصلاة على النبي وآله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى في منظومته: الجوهرة الفريدة، والدين قول بقلب واللسان، وأعمال بقلب وبالأركان، معتمد يزداد بالذكر والطاعات، ثم له بالذنب والغفلة النقصان مضطرد، وأهله فيه مفضول وفاضله، منهم ظلوم سباق مقتصد، وهكما سأل الروح الأمين رسول الله عن شرحه، والصحب قد شهدوا، فكان ذاك الجواب الدين أجمعه، شهدوا فافهمه. عقدا صفى ما شابه عقدوا ذكر رحمه وتعالى هذه الأبيات لبيان معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان، فبين رحمه الله تعالى أن الإيمان والدين قول بالقلب واللسان، وكذلك عمل بالقلب واللسان والجوارح، خلافا لمن خالف أهل السنة والجماعة في هذا الباب كالمرجئة، وهم أربع فرق، غلاتهم الجهمية جعلوا الإيمان مجرد المعرفة بالقلب، وهذا باطل لأنه يلزم على هذا أن يكون فرعون مؤمنا لأنه عرف الله جل وعلا بقلبه، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. والكرامية القائلون بأن الإيمان هو القول، وهذا باطل يلزم منه أن المنافقين كانوا مؤمنين، والأشاعرة القائلون بأن الإيمان هو الاعتقاد، أي اعتقاد القلب، وهذا باطل، والفرقة الرابعة من فرق المرجئة مرجئة الفقهاء الحنفية القائلون بأن الإيمان قول واعتقاد، وكل هذا يخالف كتاب الله، وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما عليه إجماع السلف. فقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم الإجماع على أن الإيمان قول وعمل، ومنهم من يقول قول وعمل واعتقاد، ومنهم من يقول عمل، ومنهم من يقول قول وعمل ونية، فمن اكتفى بقوله قول وعمل أراد الاعتقاد في قوله قول، لأن مرادهم بالقول قول اللسان وقول القلب، وهو التصديق والخضوع والإذعان وأعمال القلب. وهكذا أراد بقوله وعمل، أي عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح، فذكر رحمه وتعالى في هذا الموضع هذه الأبيات التي فيها بيان معتقد أهل السنة والجماعة في الإيمان، والإيمان من أهل العلم من يعرفه بأنه التصديق، ومن أهل العلم من يعرفه بأنه الإقرار، ولا إقرار إلا بتصديق. ومن أهل العلم من يقول الإيمان هو التصديق المتبع بعمل، التصديق المتبع بعمل، يعني في اللغة الإيمان في اللغة، فمن قال التصديق أخذ ذلك من ما جاء في كتاب الله جل وعلا ﴿فآمن له لوط﴾ أي صدقه، فقال الإيمان التصديق، ومنهم من قال الإقرار، وقال هو الأفضل من أن يعرف الإيمان بالتصديق أن يعرف بالإقرار، وذلك لأن الإيمان لازم والتصديق متعدي، تقول صدقته ولا تقول آمنته. فلما كان هذا الفرق قال إذن لا يعرف الإيمان بالتصديق لأن الإيمان لا يعدى والتصديق يعدى، فكيف يعرف بما هو غير لازم بما هو لازم؟ وذلك قال الإقرار أفضل من التعريف بالتصديق، ولا إقرار إلا بتصديق، هذا أشار إليه العلامة العثيمين رحمه الله تعالى في شرحه للواسطية وغيرها من شروحه رحمه وتعالى. ومنها العلم من يقول الإيمان كما سمعتم هو التصديق المتبع بعمل، أخذ ذلك من قول الله جل وعلا على لسان إبراهيم لنبيه إسماعيل ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ ﴿فلما أسلم وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا﴾ يعني قوله صدقت بعد أن قام ليفعل العمل وليمتثل العمل، قوله صدقت. فمن بعض العلم إذن التصديق هو ليس أن يقال فقط أو أن يقر به، لكن أن يتبع ذلك بعمل، فلما قال جل وعلا ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ يعني صدقت صدق عملك قولك حين فعلت هذا الفعل، لأنه جاء بابنه وأخذ السكين ليذبحه، فهذه تعاريف لبعض أهل العلم في الإيمان لغة، وأما الشرع فهو معروف قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، هذا هو تعريف أهل السنة والجماعة للإيمان، على مدلة عليه أدلة الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة. وذكر هنا رحمه الله تعالى هذا المبحث، أما دليل أن الإيمان قول فدلت عليه أدلة كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، قال الله جل وعلا ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ وقال جل وعلا ﴿قل آمنا بما أنزل علينا﴾ وقال جل وعلا ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾ وقال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون﴾ والآيات في هذا كثيرة. وهذا في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام فقد دلت الأدلة على أن الإيمان قول، فثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين بل متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وارضاه، قال عليه الصلاة والسلام «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام من شعب الإيمان بل من أعظم شعب الإيمان وأعلاها قول لا إله إلا الله. وهذا في قوله عليه الصلاة والسلام كما في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وارضاه، قال عليه الصلاة والسلام «من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، إذن من الإيمان إنكار المنكر باللسان، وهذا قول، فجعله النبي عليه الصلاة والسلام إيمانا، أي جعل القول إيمانا، فدل على أن الإيمان قول، وهكذا الأحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «من جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، فأدلت ذلك كثيرة. وهكذا دلالة أن الإيمان عمل دلت عليه أدلة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ المراد به الصلاة، فدل على أن الإيمان عمل، ومعنى الإيمان هنا أي الصلاة، فدل على أن الإيمان عمل، وهكذا في قوله جل وعلى ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون﴾ وهذه كلها أعمال من الوجل والخوف والتوكل والتضرع والخشية والإينابة إلى الله جل وعلا. وهكذا في حديث النبي عليه الصلاة والسلام حديث سفيان عبد الله الثقفي في صحيح الإيمان مسلم رحمه الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام لذلك الصحابي «قل آمنت بالله ثم استقم»، قل آمنت بالله ثم استقم، أي استقم على هذا الإيمان، والاستقامة على الإيمان تكون بالعمل وبامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وهكذا في الحديث المتقدم حديث أبي هريرة في قوله عليه الصلاة والسلام «وإماطة الأذى عن الطريق أدناها»، إماطة الأذى عن الطريق، وهذا عمل، إماطة الأذى عن الطريق عمل. وهكذا كذلك في حديث العباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيح حين قدم وفد عبد القيس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال «يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإن لا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر فصل نأخذ به ونخبر به من وراءنا»، فقال عليه الصلاة والسلام «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله»، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قال عليه الصلاة والسلام «شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا من المغنم الخمس»، فقال لهم عليه الصلاة والسلام «أتدرون ما الإيمان بالله؟» ثم ذكر لهم هذه الأركان الشهادتين، شهادة أن لا إله الله، وذكر لهم إقام الصلاة، وهي عمل، وذكر لهم كذلك إيتاء الزكاة، وأداء المغنم، فأداء الخمس من المغنم، فدل على أن الأعمال من الإيمان، ولا حديث في هذا كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فدل على أن الأعمال من الإيمان، وأن العمل من الإيمان كما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. ولذلك قوله وتعالى: والدين قول بقلب واللسان، وأعمال بقلب وبالأركان معتمد، يزداد بالذكر والطاعات، ثم له بالذنب والغفلة النقصان مضطرد، يعني أن الإيمان في معتقد أهل السنة والجماعة يزيد وينقص، خلافا للمرجئة الذين قالوا إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وهذا خالفوا منهج أهل السنة والجماعة، قد ذكر السلف أمثال الثوري وغير الثوري رحمة الله تعالى عليهم أنهم خالفوا المرجئة في أمور، ومنها أن المرجئة لا يقولون يزداد أو ينقص، وأهل السنة والجماعة يقولون الإيمان يزيد وينقص، وذلك لدلالة أدلة الكتاب والسنة الكثيرة. في كتاب الله جل وعلا يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾ وهكذا قال جل وعلا ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾ قال جل وعلا ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾ وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم ﴿ليزدادوا إيمانا﴾ يزداد الذين آمنوا إيمانا كما في آية سورة المدثر، فهذه أدلة وغيرها كثير في كتاب الله جل وعلا تدل على أن الإيمان يزيد. وهكذا الحديث لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام دلت على أن الإيمان يزيد، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين عن جمع من الصحابة، قال «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»، أي أن النساء ناقصات عقل، فدل أن الدين فيه نقصان، وفيه زيادة، وسبب النقصان أنها إذا حاضت تركت بعض هذه الأعمال، وترك بعض هذه الأعمال يؤثر في نقصان الإيمان، لكنه أمر لا دخل للنساء فيه، ولا يلومن عليه، وإن كان له هذا الأثر، لكن حكمة الله اقتضت ذلك. فالشاهد أن الإيمان ينقص كما أنه يزيد، وأدلة الزيادة هي أدلة على النقصان، أي ما دام أنه ثبت أن الإيمان يزيد، فمفهومه أنه ينقص، فالإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي وبترك الطاعات، وهكذا في الأحاديث السابقة «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، وهذا في حديث أبي هريرة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، فإذا عندنا مؤمن قوي، وعندنا مؤمن ضعيف، ذلك مؤمن قوي، أي أن إيمانه قوي، فعنده زيادة في الإيمان، وآخر ناقص. بل في كتاب الله جل وعلا أيضا قوله جل وعلا ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾ فليس معناه أنهم لم يؤمنوا أصلا، بل الإيمان وأصر الإيمان معهم، لكن لم يؤمنوا إيمانا كاملا، بل إيمانهم ناقص ضعيف، ويدل على هذا أيضا حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى رجالا ولم يعط رجلا، فقال سعد «يا رسول الله، لما أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا؟ فإنه مؤمن»، فقال «أو مسلم؟» قال «فكررت يا رسول الله، أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا؟ فإنه مؤمن»، فقال «المؤمن أو مسلم؟» يكرر ذلك عليه الصلاة والسلام ثلاثا «أو مسلم؟» يعني مراده عليه الصلاة والسلام أنه ليس بمؤمن كامل الإيمان، ليس بمؤمن كامل الإيمان. فدل هذا أن الإسلام والإيمان إذا اجتمع افترق في المعنى، وإذا افترق اجتمع، فالإسلام يأتي مع الإيمان إذا افترق، وهكذا الإيمان يأتي مع الإسلام، وإذا اجتمع فالمراد بالإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة، فلابد أن يكون كل مسلم معه إيمان، لا يمكن أن يكون مسلما غير مؤمن، لا يمكن أن يكون مسلما غير مؤمن أبدا، لابد أن يكون معه إيمان، وقدر من الإيمان مصحح لإسلامه، وإلا لا يثبت عنده الإسلام إذا لم يوجد عنده قدر من الإيمان يصحح إسلامه، فليس بمسلم. لكن قد يأتي بذلك القدر المصحح لإسلامه فيكون مؤمنا، لكن يكون مؤمنا ناقص الإيمان، وليس بمؤمن كامل الإيمان، وفي حديث عمر المشهور الذي هو في الصحيحين لما قال «يا رسول الله، إني والله أحبك إلا من نفسي»، فقال «لا يا عمر، حتى من نفسك»، فقال عمر رضي الله عنه «يا رسول الله، إني الآن أحبك أكثر من نفسي»، فقال «المسلم الآن يا عمر»، والمراد هذا كمال الإيمان، لأن أكون أحب إليك حتى من نفسك، فهذه الأدلة تدلنا على أن الإيمان كما أنه يزيد فكذلك هو ينقص بالعصيان، وينقص بترك الطاعات، وهذه أدلتها كثيرة في كتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وذكر أيضا رحمه وتعالى أن أهل الإيمان يتفاضلون في إيمانهم، فليس الناس سواء في الإيمان، إيمان الصحابة ليس كإيمان غيرهم، فالصحابة شهدوا التنزيل، وعاصروا كذلك ذلك، ورأوا من النبي عليه الصلاة والسلام ما لم ير غيرهم، فكان أمثالهم كالجبال، كان أمثالهم كالجبال، وإن ضحكوا، وإن ضحكوا، لكن الإيمان في قلوبهم كالجبال، ولذلك سئل عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما «هل كان الصحابة يضحكون؟» قال عبد الله بن عمر «نعم يضحكون، والإيمان في قلوبهم كالجبال»، نعم يضحكون، والإيمان في قلوبهم كالجبال. ومعنى ذلك أنهم بلغوا مبلغا عظيما في الإيمان، فليس إيمان الطائع كإيمان ذلك السكير الخمر الذي يفعل الفواحش، تعالى الله جل وعلا عن ذلك علوا كبيرا، أن يكون في حكمه وشرعه فعل ذلك، وإيمان ذلك كفعل هذا، وإيمان ذلك، ويدكرنا في هذا طرفة، وهي صحيحة في محلها، أن مرجئيا رأى رجلا سكرانا، رأى رجلا خميرا، فنهاه عن ذلك، فنهاه عن ذلك، فسب ذلك شارب الخمر هذا المرجئ، فماذا قال المرجئ لذلك السكران؟ قال «هذا جزائي أن جعلتك مؤمنا كامل الإيمان»، هذا جزائي أن جعلتك جعلتك كمؤمن كامل الإيمان، يعني هذا الجزاء نعم تستحق الجزاء هذا في محله. لماذا لا يجد تجعل هذا إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر، كإيمان الطائعين؟ فقد دلت الأدلة، وأشار إلى بعضها في الآية «منهم ظلوم وسباق ومقتصد»، إشارة إلى قوله جل وعلا ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقون بالخيرات بإذن الله﴾ فإذا من أهل الإيمان من هو الظالم لنفسه، وهو مؤمن، لكن ظالم لنفسه بفعل المعاصي، بفعل البدع، بفعل شيء من الفواحش، منكرات، وآخر مقتصد، يعني أتى بما أوجب الله جل وعلا عليه، وترك ما نهى الله جل وعلا ما نهاه عنه، وآخر سباق، لن يقتصر على الإتيان بالواجبات، ترك المحرمات، وإنما كذلك اجتهد وسارع، فأتى بالنوافل والمستحبات، فكان في أعلى المنازل، وأعلى الدرجات، وهم السابقون والمسارعون في مرضات الله جل وعلا. ثم أشار إلى حديث جبريل الذي رواه الإمام مسلم، وجاء كذلك في البخاري من حديث أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في ذكر أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وركن الإحسان، وذكر شيء من أشراط الساعة، وفيه دليل على أن الإيمان له أركان، تلك الأركان الستة المذكورة، وليس معناها أركان بمعنى إذا لم يأتي بها الإنسان كاملا ذهب عنه الإيمان، لا، وإنما المراد أصل الإيمان بأصلها، لأنه قد يؤمن الإنسان بالملائكة إيمانا إجماليا، ولا يؤمن بالأمور التفصيلية لشبه أو لتأويلات عنده تعذره من ذلك، أو يكون يجهل بها أصلا حين ابتدائه في إيمانه. فالإيمان يكون أولا مجملا، ثم يكون تفصيليا، مجملا تؤمن بكل ما أخبر الله به في كتابه، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم إذا بلغه شيء من العلم ما يتعلق بالإيمان بما جاء في الكتاب والسنة، وجب عليه بعد ذلك حتما لازما أن يؤمن به، وإن كنت قد عذرت في أول أمرك بالجهل به، فهذا شيء من الكلام حول هذا، ولا شك أن الكلام في هذا يحتاج إلى شيء من التفصيل والتفويض، وأقوال المخالفين في مسألة الاستثناء، لكن هي إن شاء الله تعليقات سائرة، والتوسع في هذا في الدروس الخاصة. صلى الله وسلم وبارك على أبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.