شرح قرة عيون الموحدين 80

الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 80، ألقاها

الكفر بالاستهزاء بذكر الله أو الرسول

من استهزأ بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول فإنه يكفر، ولا يشترط أن يكون قاصدًا للكفر. الآية ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ دليل على كفر المستهزئين.

تفسير آية التوبة وحال المنافقين

آية التوبة نزلت في قوم كانوا مؤمنين ضعفاء الإيمان، فكفروا بعد إيمانهم بكلمات قالوها، ثم تاب الله على من شاء منهم. الإنسان قد يكفر بكلمة واحدة يتكلم بها.

كفر النعمة ووجوب شكر الله

إضافة النعم إلى غير الله أو إلى الذات دون اعتراف بالمنعم يعتبر كفرًا بالنعمة. الاعتراف بنعم الله والخضوع له ضروري لتحقيق الشكر الحقيقي.

إنكار الفعل المخالف للسنة النبوية

يُنكر الشيخ فعلًا معينًا لعدم وجود دليل عليه في القرآن أو السنة أو فعل السلف الصالح، ويُنصح بتركه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعًا، في كتابه «قرة عيون الموحدين»: قال قوله رحمه الله تعالى: «باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، أي فقد كفر». قوله رحمه الله تعالى: قول إمام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى: «باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول»، أي أن من صدر منه شيء من ذلك، فإنه يكون كافرًا بذلك. فقوله رحمه الله تعالى: «باب» أي مدخل، وقوله «من» أي فيمن قال: «من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول». وقوله «من هزل بشيء» هنا نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، أي من هزل بأي شيء، سواء كان صغيرًا في نظر الناظر أو كان كبيرًا، فيه ذكر الله جل وعلا، أو ذكر من القرآن، أو هزل بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أو بشيء من سنته، صلوات الله وسلامه عليه، فقد كفر بالله العظيم. وحقيقة الهزل: الهزل في اللغة ضد الجد، وحقيقة الهزل الاستهزاء والاستخفاف، وسواء كان هذا الاستهزاء والاستخفاف قاصدًا له صاحبه، أي قاصدًا التنقص لله جل وعلا، أو لشيء من القرآن، أو لشيء من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الجناب النبوي، صلوات الله وسلامه عليه، فمن استهزأ أو هزل بشيء من ذلك، قاصدًا كان لذلك الهزل أو لم يكن قاصدًا، كأن يكون قصد اللعب، وقصد الترويح عن النفس، وقصد إذهاب السآمة عن النفس، أو ما شابه ذلك، فإنه يكفر بالله العظيم. يكفر بالله العظيم إن كان عالمًا لذلك اللفظ، عامدًا، قاصدًا، يكفر بالله العظيم إن كان عالمًا بذلك اللفظ، أي أن ذلك اللفظ لفظ هزل واستخفاف واستهزاء، وكان عامدًا، أي ليس بمكره، وكان كذلك قاصدًا للفظ، أي لذلك اللفظ، لم يكن ذلك اللفظ خرج منه عن سهو أو عن خطأ أو عن نسيان، أو ما شابه ذلك، بل هو قاصد لذلك اللفظ، وإن لم يقصد الكفر، وإن لم يقصد حقيقة الاستهزاء والاستهانة، فإنه يكفر بالله العظيم بلفظه ذلك. ومن هذا نعلم أنه لا يشترط في كفر من استهزأ بشيء من كتاب الله جل وعلا، أو بشيء من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أن يكون قاصدًا أو مريدًا للكفر، فلا يريد أحد الكفر إلا ما شاء الله. ومنه يُعلم أن الإنسان قد يكفر بلفظه، أي بقوله، وقد يكفر بعقيدته، أي بأن يعتقد في الله جل وعلا، أو في رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في شيء من أمور الإيمان أو الإسلام، ما هو كفر بالله جل وعلا، أو بعمله، أي بجوارحه، فيكفر العبد بصدور قول منه كفري، إن تعمد ذلك، وقصد ذلك اللفظ، ولم يكن ساهيًا أو ناسيًا أو مخطئًا، ولم يكن كذلك جاهلاً بأن ذلك اللفظ هذا معناه، فيكفر بذلك. إن تلفظ بلفظ كفر، أو هزل، أو استهزأ، أو تنقص بشيء من كتاب الله جل وعلا، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو استهزأ بجناب الربوبية جل وعلا، أو بجناب الرسول صلى الله وسلامه عليه، فإنه يكفر بالله العظيم. لكن كما ذكر، أن يكون عالمًا بأن ذلك اللفظ لفظ استهزاء وتنقص، وإن لم يرد حقيقة التنقص والاستهزاء لله جل وعلا، أو بالله جل وعلا، أو برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بالقرآن، أو ما شابه ذلك، لكنه تلفظ باللفظ الذي حقيقته أنه استهزاء وتنقص وهزل، قاصدًا لذلك، عالمًا بذلك، عامدًا لذلك، فإنه يكفر بالله العظيم جل وعلا. فهذا معنى تبويب الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد، ومنه يعلم المناسبة، ومنه تعلم المناسبة من ذكر الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الباب في كتاب التوحيد، وهو أن من استهزأ أو هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول، فإنه يكفر بالله العظيم، فينتقض توحيده بذلك، لأنه انتفى عنه الإيمان والتوحيد لانتفاء التعظيم الذي به يكون موحدًا مؤمنًا بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «باب من هزل بشيء فيه ذكر الله والقرآن أو الرسول، أي فقد كفر». وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فالله جل وعلا كفر هؤلاء الذين وقعت منهم السخرية والهزل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن معه من المؤمنين، وإنما وقع ما وقع منهم على سبيل الهزل، لم يريدوا حقيقة الاستهزاء كما هو ظاهر الآيات: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، لم يقصدوا ويريدوا كذلك الكفر، وإنما أرادوا أن يذهبوا عناء الطريق، فحصل منهم هذه الألفاظ التي كفروا بسببها، وصاروا مرتدين بعد إيمانهم، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ إلى آخر الآية. قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: قال أبو معشر المدني عن محمد بن كعب القرظي وغيره: قال رجل من المنافقين: «ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء». انظروا إلى هذه الألفاظ التي قالها في حق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وصالحي أصحابه، رضي الله عنهم وأرضاهم، قال هذه المقالة الشنيعة: «ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا وأكذبنا ألسنة وأجبننا عند اللقاء»، فوصفهم بأوصاف ذميمة. قال: فروفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: «يا رسول الله، أي الرجل! إنما كنا نخوض ونلعب». فقال: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» إلى قوله: «مجرمين». قال: «وإن رجليه لينسفان الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم». قال رحمه الله تعالى: قوله: «لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم» أي بهذا المقال الذي استهزأتم به. قال: «إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة» أي لا يعفى عن جميعكم، ولا بد من عذهاب بعضكم، بأنهم كانوا مجرمين بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة. قال رحمه الله تعالى: وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في المتن كذلك القصة من طريق ابن عمر وغيره، فقال: عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة: «دخل حديث هؤلاء أو حديث بعض في بعض»، أنه قال رجل في غزوة تبوك: «ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء»، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القراء. والقراء في عهد السلف كان يطلق على العباد والصالحين، يطلق على العباد والصالحين، كما نبه على ذلك غير واحد من الحفاظ، ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. أنه قال: رجل في غزوة تبوك: «ما رأينا مثل قراءنا»، قال: يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقال له عوف بن مالك: «كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم». فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه. فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: «يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق»، أي لم يقصدوا حقيقة الاستهزاء، ولكنهم ذكروا ألفاظ الاستهزاء، ولم يقصدوا الكفر بالله جل وعلا، ولكن صدر منهم ما هو كفر بالله جل وعلا، فكفروا بذلك. قال: «نقطع به عناء الطريق». قال ابن عمر: «كأني أنظر إليه متعلقًا بنسعة ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحجارة تنكب رجليه»، وهو يقول: «إنما كنا نخوض ونلعب». فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون». قال: «ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه». وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أي شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد أمره الله أن يقول: «قد كفرتم بعد إيمانكم». وقول من يقول: «إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم، مع كفرهم أولًا بقلوبهم»، لا يصح؛ لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب، قد قارنه الكفر، فلا يقال: «قد كفرتم بعد إيمانكم»، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد: «إنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان»، فهم لم يظهروا للناس إلا لخواصهم، وهم مع خواصهم ما زالوا كذلك، ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين. انتهى. ومقصود الشيخ رحمه الله تعالى العلامة عبد الرحمن بن حسن، من إيراد كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ها هنا، هو أن يبين أن الصواب في تفسير الآية، أن الذين قالوا ما قالوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بعض أهل الإيمان الذي ضعف إيمانهم، بعض أصحاب الإيمان الذي ضعف إيمانهم، فقالوا ما قالوا، فارتدوا بذلك، كفروا بعد إيمانهم، لا أنهم كانوا منافقين أصلا، لا أنهم كانوا منافقين، أي كفارًا في الباطن دون الظاهر، بل الصواب أنهم كانوا من أهل الإيمان، إلا أنهم كانوا ممن ضعف إيمانهم. ثم قالوا ما قالوا، فوقع الكفر منهم بعد الإيمان، ثم تاب الله جل وعلا على من شاء منهم. هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في المسألة، من أن الذين أنزلت فيهم هذه الآيات كانوا مؤمنين ضعيفي الإيمان، فوقع منهم ما وقع، فقال الله جل وعلا: «قد كفرتم بعد إيمانكم». والإيمان لا يطلق إلا على من كان مؤمنًا باطنًا وظاهرًا، لا يقال في منافق أنه مؤمن أبدًا، ولا يقال أصلا في كافر أنه مؤمن أصلا؛ لأن المنافق حقيقته هو كافر بالله جل وعلا، فلا يقال بأنه مؤمن. فإذا الآيات نزلت فيمن ذكروا ممن كان من أهل إيمان، الذي يضعف إيمان، فوقع منهم ما وقع، فقال الله جل وعلا فيهم: «قد كفرتم بعد إيمانكم»، ثم تاب الله جل وعلا على من شاء، كما في الآية: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾. قال رحمه الله تعالى: وفيه بيان أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها، في إشارة إلى أنه يكون مؤمنًا، ثم يقول الكلمة الواحدة، فيكفر بها، والعياذ بالله، أو عمل يعمله. وأشدها خطرًا إرادات القلوب، فهي كالبحر الذي لا ساحل له. ومن هذا الباب: الاستهزاء بالعلم وأهله، وعدم احترامهم لأجله، أي عدم احترام العلماء، والاستهزاء بالعلماء لأجل أنهم علماء، لأجل علمهم، فإن هذه العقيدة كفر بالله جل وعلا؛ لأنه استهزأ بما يحملونه من الحق من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيكون في حقيقة الأمر مستهزئًا، هازلاً، متنقصًا لما حملوه من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيكون بذلك كافرًا بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «باب قولوا». قوله رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِن أَذَقْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ الآية»، «قولوا» رحمه الله تعالى: «باب ما جاء في قول الله تعالى» أي في حكم ما جاء في قول الله تعالى، أي في حكم الرجل إذا قال، أو في حكم الإنسان إذا قال لشيء من النعم التي أنعم الله جل وعلا بها عليه: يقول «هذا لي» أو «هذا من عندي»، أي بذكائي، أو لأني أستحق ذلك لمعرفتي بأسباب الرزق، لذكائي، لحنكي، لصلاحي، إلى غير ذلك من الأسباب. فإن هذا من كفر النعمة، وهو كذلك يدخل ضمن الأبواب التي مرت معنا قبلًا، من أن الإنسان لا يجوز له أن يضيف النعمة إلى غير الله جل وعلا، مع تناسي المنعم جل وعلا. فكذلك هاهنا، لا يجوز له أن يضيف النعمة له، وأنه يستحق تلك النعمة، وأن النعمة إنما جاءت بذكائه وحيلته وقوته، لا بحول الله جل وعلا وقوته. قال رحمه الله تعالى: ذكر المصنف رحمه الله تعالى عن ابن عمر وغيره من المفسرين في هذه الآية ما يكفي ويشفي في المعنى. قال مجاهد: «هذا بعملي وأنا محقوق به»، أي ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته، لا يقول: «أن هذا لي»، يقول مجاهد: «هذا بعملي»، أي إنه استحقه استحقاقًا يجب على الله جل وعلا أن يعطيه. وهذه العقيدة أشبه ما تكون بعقيدة المعتزلة، الذين يوجبون على الله جل وعلا أن يجازي المحسن على إحسانه إحسانًا، والمسيء على إساءته إساءة. قال مجاهد: «هذا بعملي وأنا محقوق به». وقال ابن عباس: «يريد من عندي». وقال قتادة: «على علم مني بوجوه المكاسب». وقال آخرون: «على علم من الله أني له أهل». قال: وهذا معنى قول مجاهد: «أوتيته على شرف»، وليس ما ذكروه اختلافًا، وإنما هو أفراد المعنى. قال رحمه الله تعالى: قوله: وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا» الحديث، أي إلى آخر الحديث. وقصة هؤلاء الثلاثة معروفة، نزل عليهم الملك، فالأبرص سأله أن يرد عليه جِلْدًا حسنًا، ومن الأنعام سأله الإبل. والآخر أراد سأله أن يرد عليه شَعْرَة، وسأله البقر. والآخر سأله أن يرد بصره، وسأله الغنم. فجاءهم بعد ذلك في أحسن حال، فقال لهم: «ابن سبيل منقطع»، سألهم شيئًا يبلغ سفره. فقالوا: «ورثناه عن آباء كابر عن كابر»، أي هذا المال. فقال: «إن كان كما قلتم، إلا سلبكم الله جل وعلا ما أنتم عليه». وقال الثاني كذلك. والثالث قالوا: «خذ مما لله ما شاء، قد كنت أعمى فرد الله عليَّ بصري، وكنت فقيرًا فأغناني الله جل وعلا، والله لا تأخذ شيئًا في سبيل الله، فأنازعك إياه أو كما قال». فقال: «امسك عليك مالك، فقد ابتلاكم الله جل وعلا، فابتلى صاحبكم»، يعني ابتلى صاحبيه. قال: «امسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك». قال: وهذا حديث عظيم، ويبين حال من كفر النعم، وحال من شكرها، أي حال من كفر النعم، فقال: «إنما أوتيته على علم»، «إنما أوتيته كابر عن كابر»، أي إنما هذا المال استحققته لأني كبير، ابن أكابر، آبائي أكابر أغنياء أثرياء، فلا استحقيت المال لكوني من آباء. هذا حالهم: «ورثوا كابر عن كابر» على سبيل العجب، وعلى سبيل التكبر والتجبر، وعدم الاعتراف بنعمة المنعم الحقيقي، وهو الله جل وعلا. بخلاف من اعترف بنعمة الله جل وعلا، وشكر نعمة الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا يكرمه في الدنيا والأخرى. قال رحمه الله تعالى: قال ابن القيم: «أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة». لا بد أن يكون كذلك. قال رحمه الله تعالى: فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلاً بها، لم يشكرها؛ لأنه جاهل بالحال، كيف يشكر شيئًا ولا يعلمه؟ قال: ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضًا؛ لما تقدم. ومن عرف النعمة والمنعم بها، لكن جحدها، كحال هؤلاء: «إنما أوتيته على علم»، «إنما أوتيته كابر عن كابر»، قال: كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، أي كفرها، وكان كفره من قبيل كفر النعمة، وهو من الكفر الأصغر. قال: ومن عرف النعمة والمنعم بها، وأقر بها، ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له، ويحبه، ويرضى به وعنه، لم يشكرها أيضًا. ومن عرفها، وعرف المنعم بها، وأقر بها، وخضع للمنعم بها، وأحبه، ورضي عنه، واستعمل في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر لها. فلابد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم، ومحبته، والخضوع له. قال رحمه الله تعالى: هذا سؤال خارج، وحاصله: هل مسح الوجه بعد الدعاء، أي بعد رفع اليدين في الدعاء، هل هذا من السنة؟ الجواب: أنه ليس من السنة، بل هو خلاف السنة، لم يأت على ذلك دليل، لا من كتاب الله جل وعلا، ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا من فعل أحد من السلف، رضي الله عنهم وأرضاهم. ولكن الناس كما يقال: «يقلد بعضهم بعضًا» على شيء يعلمونه، ولا يعلمونه، أي على أي شيء، سواء كان يعلمونه أو كانوا لا يعلمونه. فالحاصل أن هذا القول، أو هذا الفعل، ليس من السنة، بل هو خلاف السنة، وينبغي تركه. والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على