الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 52، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح الفرق بين الجبرية والقدرية، حيث الجبرية تنفي الاختيار عن العبد والقدرية تجعل العبد مستقلا في أفعاله. أهل السنة والجماعة يجمعون بين النصوص التي تثبت خلق الله لأفعال العباد ومشيئتهم واختيارهم.
يتناول الرد على المعتزلة في مسألة الإيمان والقدر، حيث يبين أن أهل السنة يجمعون بين النصوص الواردة في كون من فعل الكبائر ليس بمؤمن كامل الإيمان. يشرح أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء بحسب عدله وفضله.
يدور حول ضرورة أخذ الأسباب للوصول إلى الهداية، حيث يشبه ذلك بالأسباب التي يتخذها الناس لتحصيل أمور الدنيا. يشير إلى أن الله جعل لكل شيء سببًا، ويجب على المرء أن يأخذ بالأسباب لتحصيل الهداية والنجاة.
تم اختتام الرسالة بالدعاء أن ينفع الله بها وبالصلاة على النبي محمد. جاء في الختام طلب العلم والعمل بما سمع، وختمت بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم، ما بعد. فقد كان آخر الكلام في الدرس الماضي في ذكر من خالف منهج أهل السنة والجماعة في القدر، وهم الجبرية، وهم على نوعين: جبرية الغلاة، وهم الجهمية، الذين قالوا: إن العبد مجبور على فعله، لا مشيئة له ولا اختيار. والجبرية المتوسطة، غير الغلاة، هم الأشاعرة، الذين قالوا: العبد في الظاهر مختار، وفي الباطن مجبور. ومع هذا أثبتوا له الفعل والكسب، وهذا ينافي قولهم: إنه مجبور، فكيف يكون مجبورًا وينسب له الفعل وإليه الفعل؟ ولذلك هذا قولهم المتناقض، وهو من المحالات. ولذلك عد في ما ذكر من المحالات، كأحوال بهاشم، وطفرة الفترة عند النظام. أما القدرية المعتزلة، فإنهم أثبتوا المشيئة والاختيار للعبد، لكن جعلوه مستقلًا غير تابع لمشيئة الله جل وعلا. وهكذا قالوا: العبد يخلق فعل نفسه، فجعلوا أفعال العباد من خلق العباد، أي مخلوقة للعباد. وهذا باطل، أن الله جل وعلا هو الذي خلق العباد وخلق أفعالهم. ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. وما تعملون، إذا كانت مصدرية، أي خلقكم وأعمالكم، وإذا كانت اسم مفعول، أي خلقكم وخلق الذي تعملون، أي مما تنحتون. وهؤلاء قالوا بأن العبد يخلق فعل نفسه فرارًا من القول بالجبر، لأنهم ظنوا أنهم إذا قالوا: إن العبد أو إن فعل العبد مخلوق لله عز وجل، معناه أنه مجبور لا إرادة له ولا اختيار ولا مشيئة. فلذلك قالوا: نقول العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، ففروا من شر ووقعوا في شر آخر، فشابهوا المجوس. كما أن الجبرية شابهوا المشركين، لأن الذين يقولون بالجبر هم مشركون، كما قال جل وعلا عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾. فالمشركون قالوا بالجبر، وأنهم أجبروا على هذا الشرك. والجبرية شابهوهم حين قالوا: نحن مجبورون على أفعالنا. والقدرية المعتزلة شابهوا المجوس، لأن المجوس طائفة تقول بأن خالقين لهذا العالم: خالق النور وخالق الظلام، وخالق الخير وخالق الشر. والقدرية المعتزلة حين قالوا: العبد يخلق فعل نفسه، فجعلوا العباد خالقين مع الله جل وعلا، حيث خلقوا أفعالهم. ولذلك جاء في حديث، حسنه بعض العلماء، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «القدرية مجوس هذه الأمة». والسبب في ذلك أنهم قالوا بأن العباد يخلقون أفعالهم، فشابهوا المجوس الذين قالوا بخالقين، وأثبتوا الخلق لغير الله جل وعلا، وجعلوا الله جل وعلا شريكًا في الخلق. وكما سمعتم، أنهم بسبب عدم جمعهم وعدم فهمهم الفهم الصحيح بين النصوص الواردة في أن الله جل وعلا هو الذي خلق العباد وخلق أفعالهم، وبين النصوص الواردة في إثبات المشيئة والاختيار للعباد، وأن خلق الرب جل وعلا لأفعال العباد لا يعارض أن لهم مشيئة. فالله جل وعلا هو الخالق للعباد والخالق لأفعالهم، وهذا لا ينافي أن يكون لهم الاختيار والمشيئة. ولذلك هل أهل السنة والجماعة جمعوا بين النصوص الواردة في الكتاب والسنة، التي فيها بيان أن الله هو الذي خلق العباد وخلق أعمالهم، وأن الله جل وعلا جعل لهم المشيئة والاختيار؟ ففعل العبد خلق لله جل وعلا، وفعله باختياره وبمشيئته، يفعل ذلك باختياره وبمشيئته، غير مجبور. فلا بد أن تفهم الجمع بين هذه النصوص الواردة في كون أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل، وكون العباد يفعلون باختيارهم ومشيئتهم. إنما ضل من ضل من الجبرية والقدرية حين لم يفهموا ويجمعوا بين هذه النصوص، فكل منهم ضرب بكثير من النصوص عرض الحائط. فالجبرية غلوا في نصوص الإرادة الكونية، والقدرية غلوا - أي المعتزلة - في نصوص الإرادة الشرعية، ولم يأخذوا بالنصوص الواردة في الإرادتين: الكونية والشرعية. وأهل السنة والجماعة جمعوا بين هذه النصوص، وهكذا جمعوا بين النصوص الواردة في خلق أفعال العباد، وبين أنهم لهم مشيئة واختيار. فقال أهل السنة: فعل العبد، حين يصلي وحين يصوم وحين يفعل الطاعات وحين يفعل المعاصي، هذه الأفعال من خلق الله، الله جل وعلا هو الذي خلقها، لأن الله هو الذي خلق العباد وخلق أفعالهم. وكون الرب جل وعلا خلق أفعالهم، ليس معناه أنهم لا إرادة لهم ولا اختيار ولا مشيئة، لا، بل لهم إرادة ومشيئة واختيار، فهذا لا يعارض ذلك. وهذا تتسع له الصدور، ويفهم بالفهم الصحيح، بخلاف أصحاب الصدور الضيقة وأصحاب الأفهام السقيمة، الذين ظنوا أن بين النصوص تعارضًا، وليس بين نصوص الله جل وعلا تعارض، لأنها كلها من عند الله جل وعلا، أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، وهو لا ينطق عن الهوى. ومن الناس من يظن التعارض، ولا تعارض، ومن الناس من يظن التناقض، ولا تناقض، لكن بسبب عدم الفهم السليم للنصوص على وفق فهم السلف، يقع التعارض عند كثير من الناس. يقع التعارض عند أهل التأويل، وعند أهل التعطيل، وعند الخوارج، وعند المرجئة، وعند الجبرية، وعند القدرية. تجد عامة الطوائف ضلت بسبب ما توهمت من تناقض وتعارض، ولم تجمع. فالخوارج والمعتزلة يكفرون مرتكب الكبيرة. الخوارج تقول: هو كافر في الدنيا ومخلد في النار يوم القيامة. والمعتزلة: هو في منزل بين المنزلتين. في حين أن عندهم نصوصًا في الكتاب والسنة تدل على أن الزاني لا يزال مؤمنًا ولو زنى، والسارق ... لماذا لم يجمعوا بين النصوص؟ ظنوا أن هذا يعارض هذا، فأخذوا جانبًا من النصوص وتركوا النصوص الأخرى. أما أهل السنة، فجمعوا بين النصوص الواردة في كون من فعل الكبائر ليس بمؤمن كامل الإيمان، وبين من هو قد ترك ذلك، فهناك من هو كامل الإيمان، وهناك من هو ناقص الإيمان، وهناك من هو مسلوب الإيمان، أي لا إيمان معه، وهو الكافر. لكن لعدم الفهم الصحيح لنصوص الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، وقع هؤلاء في الضلال. فما من طائفة وقعت في الضلال، وفي الانحراف، وفي الزيغ، إلا بسبب إعراضها عن فهم السلف الصالح: فهم الصحابة، فهم التابعين، فهم أتباع التابعين، فهم الأئمة الأربعة، ومن سار على نهجهم. فالنصوص تفهم بفهمهم، لا تفهم بالعقول، ولا تفهم كذلك بالأخذ بمن خالف فهم السلف، إلى آخر ذلك. ولذلك مما ذكر فيما يتعلق بمذهب القدرية المعتزلة، وأنهم مخذولون ومحجوجون، حين قال بعض المعتزلة لأحد أهل السنة: قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء. فهنا كأنه ينكر على السني، لأن السني يقول: فعل العبد مخلوق لله عز وجل، سواء فعل الطاعة أو فعل المعصية. والقدر المعتزلة لا يثبت ذلك، لأنه يقول: العبد يخلق فعل نفسه. فيقول: سبحان من تنزه عن الفحشاء، كأنه يقول: حين يفعل العبد المعصية، ليس ذلك من خلق الله. فأجاب السني بقوله: سبحان من لا يكون في ملكه إلا ما يشاء. فرد عليه، يعني هذا الذي يقع من العباد المعاصي وقعت في ملكوت الله جل وعلا بما شاء الله، وهي الإرادة الكونية. فقال المعتزلي هذا: أو يحب ربنا أن يعصى؟ أو يحب ربنا أن يعصى؟ فقال له السني: أو يعصى قهرًا؟ يعني هل عصى بقهر مقهور، أم أنه قدر ذلك لحكمة ولمصالح؟ قدر الشر وقدر المعاصي لحكم عظيم. وقد تقدم معنا في درس سابق تفصيل ذلك. فقال هذا القدر المعتزلي للسني: قال: أرأيت إن منعني الهدى وحكم علي بالردى، أحسن إلي أم أساء؟ فقال له السني: إذا منعك ما هو له، فقد أحسن، وإذا منعك ما هو لك، فقد أساء. فسكت وبهت. يعني الله جل وعلا إذا هداك، فذلك فضله سبحانه وتعالى، يؤتيه من يشاء، لأن الأمر له جل وعلا. هل منعك شيئًا أنت هو ملكك؟ هل منعك شيئًا هو لك أنت أم له؟ فلا شك أن الأمر له جل وعلا، يهدي من يشاء ويضل من يشاء. فلما قاله: أحسن إلي، ما أساء. قال: إذا منعك ما هو له، فقد أحسن، لأن الله جل وعلا إذا منع أحدًا من الناس الهدى، هذا عدله جل وعلا، لأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وليس ذلك بظلم، لأن الله جل وعلا هو الموصف بالعدل تبارك وتعالى. وإن منعك ما هو لك، فقد أساء. ومعناه أن الله جل وعلا حين منع من منع من الهداية والتوفيق، إنما العلم سبحانه وتعالى بهؤلاء أنهم لا يصلحون للهداية، قلوبهم زائغة والعياذ بالله، لا تريد الهدى. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ونقلبوا في أيديهم وأبصارهم، كما لم يؤمنوا به أول مرة. ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. فالله جل وعلا إذا أضل أحدًا، إنما أضله بعدله سبحانه وتعالى، ما أظلمه. لماذا؟ لأن الله جل وعلا هو العليم سبحانه وتعالى بعباده، من الذي يريد الهداية، ومن الذي يريد أن يكون مهتديًا، ومن الذي سعى في أسبابها وفي تحصيلها، يوفقه الله جل وعلا ويعينه على ذلك. ومن هو - والعياذ بالله - صاحب قلب مريض، لا يريد الهداية، وليس عنده صدق في طلب الهداية والخير والتوفيق، كيف هذا يوفق له الهدى والهداية والخير، وهو زائغ القلب، وهو معرض عن أسباب الأخذ بالهداية؟ فالله سبحانه وتعالى من هداه، فذلك فضله جل وعلا، ومن أضله، فذلك عدله، لأنه ما أضله إلا بسبب نفسه، أي لأنه أراد واستحب العمى على الهدى، كحال ثمود الذين استحبوا العمى على الهدى والعياذ بالله، فأضلهم الله سبحانه وتعالى. كثير من الناس يقول: أنا أريد الهداية، ما هداني الله سبحانه وتعالى. يا فلان، اتق الله، لماذا لا تتقي الله؟ لماذا لا تصلي؟ لماذا لا تفعل الطاعة؟ قال: الله ما هداني. سبحان الله، ومن الذي أعلمك أن الله ما هداك؟ هل أنت طلبت الهداية؟ الهداية تطلب من الله، أنت تريد الهداية، أطلب الهداية، لماذا لا تطلب الهداية؟ تريد الهداية من غير طلب، أطلب الهداية، وخذ بأسباب الهداية، وانظر كيف يوفقك الله سبحانه وتعالى، وإلا لا. أما أن تريد الهداية ولا تطلبها من الله جل وعلا، تريد أن يهديك الله جل وعلا من غير أن تقول: يا رب اهدني، ومن غير هداية، كيف تتحصل على الهداية؟ ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إلا السفينة لا تجري على اليبس. خذ بالأسباب، أسباب الهداية، ادع الله جل وعلا أن يهديك، ادع الله جل وعلا أن يوفقك، وانظر كيف يوفقك الله سبحانه وتعالى، أما تصر على الذنوب والمعاصي، وتعرض عن فعل الأوامر، وتتجرى على فعل المنكرات والفواحش؟ وإذا قلت: يا فلان، ما له؟ قال: الله ما هدى. هل طلبت الهداية أنت من الله؟ قال: لا، ما طلبت الهداية. هل أخذت بالأسباب؟ هل فعلت الطاعات؟ هل ابتعدت عن المعاصي؟ لا، كيف تريد الهداية وأنت لم تأخذ بالأسباب؟ الله جل وعلا هو الحكيم، جعل لكل شيء سببًا، كل شيء له سبب، حتى الأكل الآن، إذا تريد الأكل، كيف تجلس هكذا؟ ما لك يا فلان؟ لا تأكل، ما في أكل، تحركت أنت، الأكل هناك، تمشي إلى الأكل، ما سيأتيك الأكل إلا عندك، يأتي الطعام إلا عندك، قل: كلني، لا، أنت تذهب لتأكل، تذهب لتشرب، تذهب لتفعل، تأخذ الأسباب. أسباب الرزق، أسباب السعادة، أسباب كذا. طيب الهداية كذلك، من أعظم المطالب. بعض الناس في الدنيا، ما شاء الله، إذا كان يطلب لأجل الدنيا، تجده يأخذ بالأسباب، يتكلف، بل يغلو في الأسباب حتى يحصل هذا. نعم، يريد أن يكون طبيبًا، يريد أن يكون مهندسًا، مثلا يريد أن يكون كذا وكذا، تجده يأخذ بالأسباب، يعرف أنه لا يمكن أن يكون طبيبًا إلا بالتعليم، وربما يصبر على التعليم سنين، من مدرسة إلى مدرسة، ومن بلاد إلى بلاد، سنين ربما يتخرج ويكون طبيبًا إلا بعد ثلاثين سنة، وإلا بعد عشرين، وإلا بعد ما يبالي، لأنه يعرف أن هذا ما يتأتى إلا بالصبر والمصابرة، والطلب والمجاهدة، وفراق الأهل، وفراق الأهل، وفراق، ويبقى ربما سنين عديدة في الغربة، إذن يكون طبيبًا، إذن يكون مهندسًا. يريد أن يكون وزيرًا، يريد أن يكون مديرًا، إلى آخر ذلك، يعلم أن هذا لا يتأتى إلا بالأخذ بالأسباب. طيب تريد الهداية أنت؟ أنت تريد الهداية، تريد أن تكون من أهل الجنة، عليك أن تأخذ بالأسباب، تأخذ الأسباب، تصبر، تجاهد نفسك الأمارة بالسوء، تفعل الطاعات، تبتعد عن المعاصي، ترافق أهل الخير، أهل الصلاح، تبتعد عن الشر. الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، بل قتل المئة، ما قال له: ابق في هذه البلاد، ارحل من هذه البلاد. يبقى في البلاد يقتل المئة والواحد، والمئة والاثنين، يصل إلى آلاف. لماذا؟ لأن سبب النجاح، من عدم الوقوع في هذا المنكر، أن يغادر هذا المكان، وأن لا يصاحب أهل هذه القرية، التي لا أحد فيها يأمر بالمعروف، لا أحد فيها ينهى عن المنكر. هذا يتجرى على المعاصي، تجرى على المنكرات، ويفعل ويفعل ويفعل. فالأمور بالأسباب، بالأسباب. مريم - رضي الله تعالى عنها - امرأة نفاس، في نفاسها، وهي تريد الثمر من الشجرة. طيب الله جل وعلا قادر على أن يجعل الثمر يتساقط، تأخذ مريم هذا الثمر، لكن ليبين الرب جل وعلا أن الأمور إنما تأخذ، إنما بتحصل عليها بالأخذ بالأسباب. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾. هزي إليك بجذع النخلة، جذع النخلة، جذع النخلة، نخلة التمر، وهو يعني الجذع الأخرى، جذع قوي، ومع هذا هزي إليك، هزي الجذع، تساقط هذا الرطب. ولذلك قال: لم ترَ أن الله قال لمريم: وهزي إليك الجذع يساقط الرطب. ولو شاء، ولو شاء أن تجنيه من غير هزة، جنته. ولكن كل شيء له سبب. فإذن الهداية نعم، والجنة، وهذه المطالب العالية، ما يتحصل عليها إلا الصادق في طلبها، الآخذ بأسباب تحصيلها. أما المعرض، وأما المقصر، وأما الذي لا يأخذ بالأسباب، فأنى له تحصيل هذه الأشياء؟ فلذلك أهل السنة والجماعة يقولون: هداية من عند الله جل وعلا، ولها أسباب بيّنها الله جل وعلا في كتابه، والنبي عليه الصلاة والسلام في سنته. والمؤلف - رحمه الله تعالى - في هذه الأبيات في القدر، ذكر جملة المسائل الواردة في القدر، نمر عليها سريعًا لننهي هذا الباب. ففي قوله: وبالقدر المقدور نؤمن من خير وشر وذا في دين نعتقد. إشارة إلى وجوب الإيمان بالقدر. وفي البيت الثاني: ولا منافات بين الشرع والقدر المحتوم، لكن أولًا هو قد مرد. أي الجبرية والقدرية، لعدم جمعهم بين الإرادتين، كما جمع بينهما أهل السنة والجماعة. والبيت الثالث: فإن الإيمان بالأقدار مطبق بالشرع إذا دون هذا ليس يعقد. أي لا يصح الإيمان بالشرع إلا بالإيمان بالقدر، ولا يصح الإيمان بالقدر إلا بالإيمان بالشرع، فالأمران مرتبطان. والبيت الرابع: نستعين على كل أمور به، إذ كلها قدر عنده ترد. يعني أن الأمور بمشيئة الله جل وعلا، ومشيئة العباد تابعة لمشيئة الله جل وعلا. ولذلك على ما يطلبوا العون من الله جل وعلا. والبيت: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وبيان أن الأمر إنما هو لله جل وعلا، من قبل وبعد. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره الإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا، كأنما يصعد في السماء. وبهذا نكون أنهينا هذا الباب من هذه الرسالة العظيمة، نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما جهلنا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.