الدرس في حلية طالب العلم 58، ألقاها
يؤكد الشيخ على أهمية الصدق لطلبة العلم والمجتمع كفرض عين وسبب للسعادة والتوبة. يستدل بآيات القرآن وأحاديث النبي التي تحث على الصدق وتربطه بالهداية إلى البر والجنة.
يبرز المقطع أهمية الصدق في دعوة رسول الله ويظهر كيف كان الصدق من صفاته الأساسية. يوضح كيف استدل هرقل على نبوته من خلال صدقه ويشرح كيف يؤدي الصدق إلى قبول الدعوة واحترام الشخص.
يؤكد على أهمية تعلم الصدق قبل طلب العلم لما له من أهمية في قبول العلم ونظر الناس إليه. كما يشدد على أهمية الصدق في الصنعة لتحقيق النجاح والانتفاع بها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى، وهو في صدد ما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم من الخصال: «قال الصدق». صدق اللهجة عنوان الوقار، وشرف النفس، ونقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، ورسول المودة مع الخلق، وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة. ولهذا كان فرض عين، فيا خيبة من فرط فيه. ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى. كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أن مما يجب على كل مسلم، فضلاً عن أن يكون طالب علم يرجى أن يكون غداً قائداً للأمة إلى الله جل وعلا، ودالاً للأمة إلى الله جل وعلا، ومشداً للأمة إلى الله جل وعلا، أن يتحلى بصدق. والله جل وعلا ذكر هذه الآية بعد أن أنزل توبته على الثلاثة الذين خلفوا، ولكنهم صدقوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلم يعتذروا كما اعتذر المنافقون، بل صدقوا مع الله وصدقوا مع رسوله وصدقوا مع المؤمنين، فكانت العاقبة أن تاب الله جل وعلا عليهم. ثم أشار الله جل وعلا إلى سبب التوبة، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. أضف إلى هذا ما جاء في كتاب الله جل وعلا من آيات كثيرة تحث على الصدق وتأمر به. وكذا جاء في السنة الأحاديث الكثيرة الدالة والآمرة والحاثة على الصدق، كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا». والعكس بالعكس، «والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، والرجل لا يزال يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» كما في صحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وأحاديث الصدق، وكذلك أدلة الصدق من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله كثيرة مشهورة معلومة منتشرة بحمد الله جل وعلا. أضف إلى هذا أن هذا الأمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم بأن الصدق واجب في الحديث، إلا ما رخص فيه. فيجب على المسلمين كافة، وعلى طلبة العلم خاصة، أن يتحروا الصدق. قال الشيخ رحمه الله تعالى، وهو يذكر بعض فضائل ومناقب الصدق: «صدق اللهجة عنوان الوقار». وقار لك أيها الطالب مع نفسك، ومع جلسائك، ومع مجتمعك، وبين الصديق والعدو يكون لك وقار واحترام وإجلال بالصدق. والناظر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يجد أن من مقومات دعوته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يدعو إلى الصدق، وكان هو أيضا من صفاته وسماته الصدق. وتعرفون حديث أبي سفيان مع هرقل الروم حينما قال له: «بما يأمركم؟ قال: بالصدق والعفاف». بعد أن قال: «ماذا يقول؟ قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ودعوا ما كان يعبد آباؤكم». ويأمرنا «بالصدق والصلة والعفاف». الحديث. فمن أوائل دعوته الدعوة إلى الصدق. ولذا كان صدقه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من أدلة نبوته، ومما استدل به هرقل على أنه نبي. بعد أن سأل عنه أبا سفيان، فقال بعد ذلك هرقل: «كيف هو -أي في حديثه- هل يكذب؟ قال: لا، لا يكذب، لا يكذب». فقال: «رجل لا يكذب على الناس، أيكذب على الله؟». فاستدل بصدقه -لهجة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- على صحة نبوته. وهذا كذلك لك أيها الطالب برهان ودليل من أنك إذا عرفت بالصدق بين الناس، في لهجتك، في قولك، في تصرفاتك، كان هذا مدعاة لقبول دعوتك. لأن الناس يقولون كما قال هرقل لأبي سفيان في حق رسول الله: «إذا كان فلان الطالب للعلم لا يكذب على الناس، فهل سيكذب على الله؟ فيقول: إن الله أحل كذا أو حرم كذا؟ لا». فيكون هذا سببا لقبول دعوتك، ويكون كذلك سببا لإحترامك ووقارك وإجلالك عند القاصي والداني، وعند المحب والمبغض، إن كان من أهل العدل والإنصاف. إلى غير ذلك مما ذكره رحمه الله من أنه يدل كذلك على شرف النفس. فإن النفوس العالية الأبية الشريفة تأبى الدناءة، ومنها الكذب. وكذلك قال: «نقاء السريرة»، لأن الصدق يدل على صفاء، وعلى صدق كما هو اسم الصدق. وسمو الهمة، الهمة العالية لا ترضى بالدون، بل ترقى في سمو المعالي المشروعة والمحبوبة إلى الله جل وعلا. قال: «ورجحان العقل». تدل كذلك على رجحان العقل، باعتبار أن الكذب ما هي عواقبه، والصدق ما هي عواقبه، ما هي ثمار الصدق، وما هي ثمار الكذب؟ فيتكلم بالصدق بعد أن ينظر في حقيقة الصدق والكذب، وحقيقة الكذب، وفي ثمار الصدق، وفي ثمار الكذب. فيتكلم بالصدق دون الكذب، وهذا يدل على رجحان عقله، إذ أنه اختار الصالح، واختار العاقبة الحميدة النافعة المثمرة في الحال والمآل، وترك المفسدة التي تكون كذلك إما في الحال وإما في المآل. وهذا دليل على رجحان في العقل، إذ أنه لا يتكلم بكلام إلا بعد أن يزن ذلك الكلام، وينظر إلى أبعاد ذلك الكلام، وإلى ثمار ذلك الكلام. قال: «ورسول المودة مع الخلق»، لأن الصدق يدل على الصفاء، والصفاء هو كالسمه يدل على صفاء المودة بين العبد وأخيه المسلم. قال: «وسعادة الجماعة، وصيانة الديانة». ولهذا كان فرض عين -أي الصدق- فرض عين لما تقدم. قال: «فيا خيبة من فرط فيه». يا خيبته في الدنيا، وكذا في الآخرة يوم أن يلقى ربه جل وعلا وهو كذاب، وقد كتب من الكذابين. قال: «ومن فعل فقد مس نفسه وعلمه بأذى». وهو أشد الأذى على النفس، وأشد الأذى على العلم، أن يعرف الإنسان بأنه كذاب. إذا عرف إنسان من العامة من عامة الناس بأن فلانا كذاب، وهو من عامة الناس، كيف ينظر إليه الناس؟ يقول: «فلان كذاب، لا عبرة بقوله، ولا يرفع إلى رأيه لأنه كذاب». فما بالك إذا كانت هذه الخصلة وجدت في طالب علم؟ كيف يكون حاله؟ وكيف يكون نظر الله جل وعلا إليه؟ وكيف كذلك يكون نظر الناس إليه؟ هل سيقبل منه قول أو يؤخذ منه علم؟ الجواب: لا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: «قال الأوزاعي رحمه الله: تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم». وصية ما أحسنها لك أو لنا جميعا يا طلاب العلم. يقول: «تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم». وهذه وصية يحتاج إليها الصغير والكبير، والقاصي والداني، أن يتعلم الصدق، الصدق في الأقوال، والصدق في الأعمال، ويكون صادقا كما أراد الله جل وعلا منه أن يكون صادقا. لأن الصدق يقوده إلى أبواب الخير والبر، كما جاء في الحديث: «ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا». جاء في أول حديث: «إن الصدق يهدي إلى البر». يهدي: أن يدل ويرشد ويوصل إلى البر، فيفتح لك بابا واسعا من أبواب البر والخير والصلاح. فكما ذكر رحمه الله: «تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم». وذلك بأنك لو تعلمت العلم قبل أن تتعلم الصدق، فحصل منك الهفوة والغفلة والكذبة، كانت هذه مزلة وعارا عليك أيها الطالب، وقد يكون سببا لانقطاعك عن العلم، وعن وصولك إلى ما أردت الوصول إليه. لذا هذه وصية عظيمة من هذا الإمام رحمه الله تعالى: «تعلم الصدق قبل أن تتعلم العلم». فينبغي أن يتعلم ويتربى عليه صغار وكذا الكبار ممن أراد العلم، بل ممن أراد الله جل وعلا به خيرا، وكذلك هو أراد بنفسه خيرا وصلاحا وفلاحا في الدنيا والآخرة. قال: «وقال وكيع رحمه الله تعالى: هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق». هذه الصنعة المراد بها علم الحديث. والشيخ رحمه الله تعالى ها هنا ذكرها من باب ذكره الخاص، والمراد به العام، المراد به العلم من حيث هو، سواء كان علم الحديث أو الفقه أو غير ذلك. فيقول إمام وكيع، وهو من أئمة الإسلام ودواوين الحديث، يقول: «هذه الصنعة لا يرتفع فيها إلا صادق». لا يرتفع، وكذلك لا ينتفع فيها إلا صادق، يصدق مع الله جل وعلا. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.