الدرس في حلية طالب العلم 11، ألقاها
الدرس يبدأ بالحديث عن الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة وهي محبة الله تعالى ومحبة رسوله، وتحقيقها بتمحض المتابعة للرسول. هذه المحبة هي أساس الإقبال على محاب الله.
المحبة لله ولرسوله تتطلب اتباع الرسول لأنها عبادة، ومحبة الرسول لأجل الله. طاعة الرسول مطلقة وهي من طاعة الله، والآيات القرآنية تدعم أهمية اتباع الرسول لتحقيق محبة الله.
الاتباع لرسول الله يتطلب التسليم لأمره ونهيه وعدم تقديم أي قول أو فعل على سنته، والابتداع في الدين خطير لأنه ضلالة ويؤدي إلى النار كما ورد في قول النبي صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ رحمه الله تعالى: الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة محبة الله تعالى ومحبة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وتحقيقها بتمحض المتابعة، وقفو الأثر للمعصوم. قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. الشيخ رحمه الله تعالى، بعد أن ذكر وبيّن أن العلم عبادة، انتقل إلى الكلام على شرطي العبادة، شرطي قبول العبادة، فتكلم على الإخلاص، ثم انتقل إلى الأمر الآخر، وهو المتابعة، المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ووصف الشيخ رحمه الله تعالى ها هنا بقوله: الخصلة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة محبة الله تعالى ومحبة رسوله. لماذا جعل هذه الخصلة خصلة جامعة؟ لما هو معلوم من أن الإنسان إذا تحقق حب الله جل وعلا في قلبه كما أراد الله جل وعلا، وتحقق كذلك حب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما أراد الله تعالى ذلك أيضًا، كانت تلك المحبة دافعة للعبد إلى الإقبال على محاب الله جل وعلا وعلى مراضيه. لأن المحبة كما قيل: أسير محبوبه، فإذا تحقق في قلب العبد محبة الله جل وعلا كان هذا داعيًا إلى تقديم محبة الله جل وعلا ومحبوب الله جل وعلا على محبوبه، وكذلك أن يبتعد عما يبغضه الله جل وعلا ويكرهه ويسخط منه، لأن محبوبه كذلك، فهو يحب ما أحب محبوبه، ويبغض ما أبغض محبوبه. والله جل وعلا يحب الطاعات والخير، وجعله محبوبًا في أنفس عباده، وفي المقابل يكره المعاصي، لذا كرهها في نفوس عباده. قال ربنا جل وعلا: ﴿وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾. إذن من تحققت فيه هذه الخصلة، محبة الله جل وعلا، كانت هذه الخصلة أو هذه الخصلة سببًا لتحقيق أمر آخر، وهو تحقيق ما أحبه الله جل وعلا وما أراده الله جل وعلا وما رضيه الله جل وعلا. الله جل وعلا أحب الإيمان والعمل الصالح والبر والتقوى، وكل ما أمر الله جل وعلا به فقد أحبه شرعًا، كل ما أمر الله جل وعلا به شرعًا فقد أحبه، فهذه المحبة تكون سببًا دافعًا إلى فعل ما يحبه الله جل وعلا. وكذلك قل: محبة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلا يقدم بين يديه محبته محبة، لذا جعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هذا الأمر من عظيم ثمار الإيمان، فذكر أن يحب المرء أن يحب الله ورسوله أحب من كل شيء، ولو من نفسه، كما جاءت الأدلة في ذلك في صحيحين وغيرها في حديث أنس. فهذا من هذا المنطلق من محبة الله جل وعلا ومحبة رسوله، ومحبة الله جل وعلا محبة عبادة، محبة الله جل وعلا محبة عبادة، قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، هذه محبة عبادة. قال الله جل وعلا: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، محبة عبادة، محبة عبادة. قال الله جل وعلا عن المشركين: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله﴾، ثم قال: ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾، أشد حبًا لله، هذه محبة عبادة. ومحبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم محبة، يحب لأجل الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب لأنه رسول الله، لأنه خليل الله، ولأنه سيد الأولين والآخرين، ولأنه أحب الناس إلى الله جل وعلا، فهو يحب لأجل هذا المعنى، فلا يجوز لأحد من الخلق أن يحب أحدًا من الخلق محبة عبادة، لماذا؟ لأن صرف العبادة لغير الله جل وعلا شرك. لذا نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: «ولا يحب أحد لذاته إلا الله»، لا يحب أحد لذاته أي محبة عبادة إلا الله وحده لا شريك له. رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب لأجل الله، وكل طائع كذلك يحب لأجل الله جل وعلا. فهذه المحبة كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى تتحقق وتتمحض بماذا؟ قال: وتحقيقها بتمحض المتابعة، أي بإخلاص المتابعة، بإخلاص المتابعة لمن؟ لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فلا يتابع ولا يطاع من البشر أحد مطلقًا إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. لذا قال الله جل وعلا: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، أولي الأمر من الحكام والأمراء إنما يطاعون في طاعة الله ورسوله بالمعروف، يطاعون بالمعروف. وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يطاع طاعة مطلقة، لأن طاعته من طاعة الله جل وعلا، طاعته من طاعة الله جل وعلا لأنه رسول من الله، رسول من الله. قال الشيخ رحمه الله: وتحقيقها بتمحض المتابعة وقف الأثر للمعصوم صلى الله عليه وسلم. قال الله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، هذا هو الفرقان بين المتبعين حقًا وبين المدعين، وبين من يقول بلسانه: أنا أحب الله جل وعلا، وبين من يقول بقلبه ولسانه وجوارحه: أنا أحب الله جل وعلا. لذا قال الله جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله﴾، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم قل، فقال صلى الله عليه وسلم قل كما قال الله جل وعلا: إن كنتم تحبون الله أي حقًا وصدقًا، حقًا وصدقًا فماذا؟ فاتبعوني، أي اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إن كنتم تحبون الله حقًا فاتبعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ظاهرا وباطنا، أن تكون المتابعة له ظاهرا وباطنا. فلا يقدم شيء بين يديه صلى الله عليه وسلم، لا رأي، لا فكرة، لا قول، لا اجتهاد، لا شيء يقدم على قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، هذا هو حقيقة الاتباع، هذا هو حقيقة الاتباع، أن يكون الإنسان متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنًا، ظاهرا بأن يظهر عليه المتابعة، وأن يسلم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك لنهيه، وباطنا بأن لا يجد في نفسه حرج مما قضى به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال حياته تكون له صلى الله عليه وسلم، وبعد مماته تكون لسنته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيكون الإنسان متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكل ما جاء به الرسول من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، الرسول أمر اعتمر، الرسول نهى اجتنب وترث، الرسول حث سعى، الرسول رغب كذلك سعى، الرسول كره ابتعد، وهكذا يحقق المتابعة تحقيقًا تامًا إن كان حقًا وصدقًا محبًا لله جل وعلا. وقد روي في هذا المقام أثر عن الحسن البصري رضي الله عنه وأرضاه أنه سم هذه الآية آية الامتحان، سم هذه الآية آية الامتحان، بمعنى أن الله جل وعلا امتحن به المدعين لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من مدع أنه يدعي بأنه يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ويحب الله جل وعلا، فقال الله جل وعلا: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، جل وعلا بمحبتكم له وبطاعتكم واتباعكم للرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذا كذلك تظهر هذه المحبة بأن لا يقدم الإنسان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا، وأن يكتفي بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يعلم أن أي قول أو فعل يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على خطر، لقول الله جل وعلا: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصره جهنم وساءت مصيرًا﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي صحيح مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». فمن فتح بابًا لم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم فهو مفتتح باب ضلالة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». فينبغي الإنسان أن يكون صادقًا في اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا. والله أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.