الدرس في كتاب الصلاة 76، ألقاها
شرح حديث عبد الله بن عمر عن صلاة الليل، حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها مثنى مثنى. واستدل العلماء بهذا على أن صلاة الليل تكون ركعتين ركعتين.
يناقش أحاديث نبوية متعلقة بصفة صلاة الليل والوتر، ويشرح آراء أهل العلم في دلالاتها الفقهية، مثل عدد ركعات صلاة الليل ووقت أداء الوتر.
الأفضلية في صلاة الليل تُحَدَّد بمنظارين: الشخص والوقت، فالأفضل لمن لا يقوى على قيام الليل أن يصلي قبل النوم، بينما قيام الليل في آخر الليل أفضل لما فيه من مشاهدة الله تعالى.
يتم الإشارة إلى أن الكلام حول أحكام الأبواب سيأتي لاحقاً، ويُختتم بذكر داعي للاستغفار والتوبة.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الصلاة منه: باب الوتر. والوتر، كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى، بالكسر، ومعناه الفرد، وهو ضد الشافع. ومعنى قوله رحمه الله تعالى: "باب الوتر"، أي مدخل للكلام على أحكام صلاة الوتر؛ لأن الباب، كما تكرر معنا مرارا، يطلق ويراد به المدخل. فقوله رحمه الله تعالى: "باب الوتر"، أي مدخل لأحكام صلاة الوتر وأحاديث صلاة الوتر. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، ما ترى في صلاة الليل؟ قال: "مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى". وأنه كان يقول: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا". قوله رحمه الله تعالى: "وسأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر". المنبر يطلق في اللغة، ويراد به ما نبر، أي ارتفع. وسمي المنبر منبرا؛ لأنه مرتفع، ويرفع الصوت عليه. وذكر آخرون أن المنبر سمي منبرا لارتفاعه وعلوه. وقوله: "مثنى مثنى"، أي اثنين اثنين. ومثنى وثنى غير مصروفين؛ والمانع من صرفهما الوصفية والعدل. هذا بالنسبة لمفردات حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأما معنى الحديث، فكما هو ظاهر، أن سائلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر. وقوله: "وهو على المنبر"، إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، وكان يخطب الناس، ويعلمهم. وقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى على ذلك بابا معناه: باب التعليم أو العلم على المنبر. وقوله: "وهو على المنبر"، إشارة إلى أن هذا السؤال كان على مرأى ومسمع من الناس؛ فإن مثل هذا الحال له دواع لأجل أن يسمعه الناس، ولأجل أن يتأمل وينظر الناس ما يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم به على ذلك الرجل. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال ذلك الرجل: "ما ترى في صلاة الليل؟" أي: كيف هي صلاة الليل؟ كيف أصلي صلاة الليل؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثنى مثنى". ومعنى "مثنى مثنى": أنه يصلي ركعتين ركعتين، يسلم بعد كل ركعتين؛ كما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن معنى هذا، فقال: "يسلم في كل ركعتين". فقوله: "مثنى مثنى"، استدل به من استدل من أهل العلم على أن صلاة الليل مثنى مثنى. ومعنى هذا: أنه لا يزيد على ذلك، لا يصلي أكثر من ركعتين ركعتين متواصلة. بمعنى أنه لا يصلي مثلا أربعا أو ستا أو ما شابه ذلك متواصلة، بل يصلي ركعتين ركعتين. وهذا كما ذكر العلماء في النفل المطلق في الليل. أما في الوتر، فالكلام عليه آخر، سيأتي بإذن الله عز وجل. وقوله أيضا في صلاة الليل "مثنى مثنى"، استفاد أو استدل به بعض أهل العلم على أن صلاة النهار ليس كذلك؛ أي: التطوع في النهار ليس كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "صلاة الليل مثنى مثنى". قالوا: فمفهومه أن صلاة النهار ليس كذلك؛ إذ لو كان كذلك لأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "التطوع مثنى مثنى" أو بعبارة مشابهة لمثل هذا. فالحاصل أن العلماء استدلوا بهذه اللفظة على أن التطوع في النهار لا يكون مثنى مثنى، بل يكون بأكثر من ذلك. ومعنى التطوع: أي النفل المطلق، إذا أراد رجل أن يصلي تطوعا مطلقا، فإنه كما قال بعض أهل العلم يصليها أكثر من ركعتين؛ أي يصلي أربعا مثلا بتسليمة واحدة، أو ستا بتسليمة واحدة، أو ثمانا بتسليمة واحدة، وهكذا قالوا. وأما ما جاء في مسند أحمد وغيره من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، قالوا: فهذا معل بهذا الحديث. وأيضا بما ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما راويه: أنه كان يصلي من النهار أكثر من ركعتين، لا يسلم بركعتين. ورد بعض أهل العلم هذا الاستدلال، وسيأتي الكلام عليه بإذن الله عز وجل. قالوا: إن هذا الحديث لا مفهوم له؛ إذ أن جواب النبي صلى الله عليه وسلم كان عن سؤال سأل به سائل، فأجابه بمقتضى سؤاله. فالرجل سأل عن صلاة الليل، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل. قالوا: وإذا كان الأمر كذلك، فلا يكون للحديث مفهوم. وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة"، استدل به بعض أهل العلم على أن صلاة الليل مطلقة، ليست مقيدة بإحدى عشرة، ولا بأكثر أو أقل من ذلك، بل يصلي مثنى مثنى. ومن أهل العلم من حمل هذا الحديث بأنه مطلق، قيد بغيره من الأحاديث، كحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد في رمضان ولا غير رمضان على إحدى عشرة ركعة. قالوا: فهذا مقيد لحديث ابن عمر. فمن أهل العلم من حمل المطلق على المقيد، فقيده بإحدى عشرة ركعة. فيكون مراد "مثنى مثنى": أي حتى يصل إلى إحدى عشرة ركعة، ثم بعد ذلك فليوتر. ومن أهل العلم من حمل هذا الحديث على إطلاقه، فقال: يصلي مثنى مثنى ما تيسر له. وبعضهم قيده بإحدى وعشرين ركعة. قوله: "فأوترت له ما صلى"، فيه دلالة على أن الوتر يحصل بركعة، وأن إطلاق الوتر عن الركعة، وأن إطلاق الوتر هو باعتبار هذه الركعة المفردة التي أوترت له صلاته. قوله: "وأنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا"، استمسك به بعض أهل العلم على أن صلاة الوتر واجبة، وعلى أن الإنسان يجب عليه أن يجعل آخر صلاته من الليل وترا. وذهب آخرون، وهم أكثر أهل العلم، إلى استحباب ذلك، وليس بواجب. وأن ذلك ليس بواجب، بل هو مستحب من المستحبات. وأن هذا يحمل على أنه من السنن المؤكدة. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: في من ترك صلاة الوتر، أنه لا تقبل شهادته؛ من هذا الباب، من أنه مفرط في السنن المؤكدة. قوله: "عن عائشة رضي الله عنها قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر". قولها رضي الله عنها: "من كل الليل"، فيه إشارة إلى أن صلاة الوتر يبدأ وقتها من الليل. وقد قدره العلماء بأنه يكون بعد صلاة العشاء. بمعنى أن الإنسان إذا صلى العشاء، بعد ذلك إن شاء يصلي من الليل ما شاء. إن شاء أن يصلي في أول الليل فله ذلك، وإن شاء أن يصلي في أوسطه فله ذلك، وإن شاء أن يصلي في آخره فله ذلك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك كله، كما هو ظاهر في هذا الحديث. وقولها رضي الله عنها وأرضاها: "فانتهى وتره إلى السحر"، بمعنى أنه آخر ما كان يوتر في السحر. صلى الله عليه وسلم. ومسألة أي صلاة أفضل في أول الليل أو في أوسطه أو في آخره؟ الجواب هو ما قاله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث جابر، وجاء كذلك بنحوه عن غيره رضي الله عنه وأرضاه. جاء في حديث جابر عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا خشي أحدكم أن ينام فليوتر أول الليل، ومن طمع أو قال: من قدر على أن يصلي في آخره فليصل؛ فإن صلاة آخر الليل مشهودة". فهذا يدلنا على أن الأفضلية تكون بحسب قدرة الشخص. فالأفضلية ينظر إليها بمنظارين: المنظار الأول بمنظار الشخص، والمنظار الآخر بمنظار الوقت. أما باعتبار الشخص، فإنه يكون بحسب قدرة الشخص. فإن كان الشخص لا يقوى على قيام الليل، فالأفضل في حقه أن يصلي قبل أن ينام. وكما قال نبي صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، وجاء كذلك في صحيح مسلم عن أبي ذر، والمعنى متقارب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة، وكذلك جاء في حديث أبي ذر، أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بأن يوتر قبل أن ينام. فاستدل به على أن هذا بالنسبة لحالهما، من أنهما لا يقويان على قيام الليل. وأما بالنسبة للأفضلية من حيث الوقت، فإن صلاة آخر الليل هي أفضل؛ كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن صلاة آخر الليل مشهودة". وكما جاء أيضا في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن الله عز وجل ينزل في الثلث الآخر من الليل، فيقول: "هل من سائل فأجيبه؟ هل من داع فأستجيب له؟" إلى آخر الحديث، قال: "حتى يصبح". وقال نبي صلى الله عليه وسلم: "إن في الليل ساعة لا يقوم عبد مسلم يدعو الله عز وجل فيها إلا استجيب له، أو كما قال صلى الله عليه وسلم". فدل هذا على أن قيام الليل في آخر الليل أفضل من صلاة في أوله؛ هذا باعتبار الزمان. أما باعتبار الأشخاص، فكما سمعتم. قوله رحمه الله: "عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاثة عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها". قولها رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاثة عشرة ركعة"، استدل به بعض أهل العلم على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزيد على إحدى عشرة ركعة. وحمل بعضهم حديث عائشة رضي الله عنها في قولها: "ثلاثة عشرة ركعة"، بأن عائشة أدخلت فيه ركعتين الاستفتاح ضمن الوتر. وإلا فإن وتره صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة، كما أخبرت به هي نفسها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيأتي الكلام على هذا بإذن الله عز وجل. قولها: "يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها". هذا اللفظ والحديث أصلا انفرد به مسلم، وليس في الصحيحين. وقولها: "يوتر من ذلك بخمس"، هذا الحديث كما قال بعض أهل العلم، معارض أو ظاهر التعارض مع ما سبق من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: "أن صلاة الليل مثنى مثنى". لذا اختلفت أنظار العلماء في الجواب على حديث عائشة هذا. فحكم بعض أهل العلم بأن هذا الحديث خطأ من هشام بن عروة، راويه عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها. قالوا: هذا خطأ من هشام. وكما قال مالك رحمه الله تعالى: ذكر ابن عبد البر أن الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: "إن هشاما لما ذهب إلى العراق أتى بأشياء لا يعرفونها عنه". وفي هذا إشارة إلى إعلالهم لحديث هشام هذا. وكذلك قال الأثرم رحمه الله تعالى، وذكر أن الأئمة قد رووه عن الزهري عن عائشة رضي الله عنها بلفظ موافق لحديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي مثنى مثنى. فاستدل به على أن حديث عائشة رضي الله عنها هذا معل، وأنه ليس بصحيح. لذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن صلاة التطوع في الليل على حديث ابن عمر "مثنى مثنى". وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين. ولا إمام الأعلام يقولون: إن صلاة الليل، أي التطوع المطلق في الليل، مثنى مثنى. أي أن التطوع المطلق في الليل مثل حمل أو عمل بعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما. وسيأتي الكلام على أحكام هذه الأبواب أو على مسائل هذه الأحكام بإذن الله عز وجل. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.