الدرس في كتاب الطهارة 28، ألقاها
تناول المقطع حكم طهارة الرجل بفضل المرأة والعكس، وناقش آراء الفقهاء حول هذه المسألة مستندين إلى أحاديث نبوية وأقوال الصحابة والتابعين.
ناقش المقطع تفاصيل غسل الجنابة وفقا لما ورد عن ميمونة بنت الحارث، ويتناول آراء العلماء في بعض التفاصيل مثل غسل اليدين قبل البدء والمضمضة والاستنشاق أثناء الغسل.
اللفظة تحتمل معاني مختلفة ولكن الأقوى حملها على الكل لظهورها في الكلية، وهو أولى من حملها على البعض، ويستند هذا الترجيح إلى قوة ظهور اللفظة في الكلية.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. وبعد، فقد تكلمنا معا على حديث عائشة في الدرس الماضي، فندخل في الحديث الذي يليه. قال الإمام أبو محمد عبدالغني بن عبدالواحد المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام» في كتاب الطهارة، باب الغسل من الجنابة، قال: وكانت تقول - أي عائشة رضي الله عنها وأرضاها -: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، نغترف منه جميعا». ومفردات الحديث قد تقدمت معنا كلها في الحديث السابق. المسألة المشهورة هنا هي حكم طهارة الرجل بفضل المرأة والعكس. ما حكم طهارة الرجل بفضل المرأة والعكس؟ في المسألة خمسة أقوال. القول الأول: كراهية ذلك مطلقا، أي لا تتطهر امرأة بفضل الرجل، والعكس. واستدل على ذلك بما ثبت في مسند أحمد وغيره من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري قال: لقيت رجلا صاحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صاحب أبو هريرة أربع سنين، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغتسل الرجل بفضل المرأة، ولا تغتسل المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعا». وهو حديث صحيح، صححه شيخنا العلامة الوادعي في «الصحيح المسند». القول الثاني: يجوز للمرأة أن تتطهر بفضل الرجل، ولا يجوز العكس، ويكره العكس. وهذا قول للحسن ومجاهد وقتادة. القول الثالث: أنهما إذا شرعا جميعا في التطهر فلا بأس به، وإذا خلت المرأة بالطهور فلا خير في أن يتطهر بفضل طهورها. بمعنى أنه إذا اجتمعا جميعا فلا بأس، وإذا سبقت المرأة ثم تبعها الرجل فلا. وهذا قول عكرمة وعطاء والشعبي والأوزاعي والإمام أحمد. القول الرابع: أنه لا بأس أن يتطهر كل واحد منهما بفضل صاحبه، ما لم يكن الرجل جنبا أو المرأة حائضا أو جنبا. أي إذا كان في الأغسال العادية فلا بأس، أما إذا كان رجل جنب فلا تتطهر المرأة بفضله، وكذلك العكس إذا كانت المرأة على جنابة أو كانت حائضا فلا يغتسل الرجل بفضلها. وهذا قول ابن عمر والحسن والشعبي والأوزاعي. القول الخامس: أنه لا بأس بفضل وضوء المرأة، حائضا كانت أو جنبا، خلت به أو شرعا جميعا. وهذا قول أكثر الفقهاء، إلا أحمد بن حنبل، فإنه قال: إذا خلت المرأة بالطهور فلا يتوضأ منه الرجل. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى بعد ذكر ما سبق: «الآثار في الكراهية في هذا الباب مضطربة لا تقوم بها حجة، والآثار الصحاح هي الواردة بالإباحة». مثل حديث ابن عمر، وفيه رواه البخاري، وفيه قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا». ومثل حديث جابر، الظاهر في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ثابت في صحيح البخاري. قال: وحديث عائشة وغيرها، حيث تقول عائشة: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا من إناء واحد، نغترف منه جميعا». وغيرهم كلهم يقول: إن الرجال كانوا يتطهرون مع النساء جميعا من إناء واحد، وأن عائشة كانت تفعل ذلك، وميمونة وغيرهما من أزواجه صلى الله عليه وسلم. قال: وعلى هذا جماعة أئمة الفتوى. وقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن فضل وضوء المرأة، فقال: «هن ألطف بنا وأطيب ريحا». قال: وهذا منه جواب جيد، فضلها على كل حال. وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور الصحابة والتابعين، إلا ابن عمر كره فضل الجنب والحائض. فالراجح هو ما سمعتم في هذا الحديث. وكذلك جاء في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة. وقد تكلم بعض في هذا الحديث، ورده الحافظ ابن حجر في «الفتح». فالراجح من هذه الأقوال - والله أعلم - إما أن يقال بالجواز مطلقا، أو أقل الأحوال يكون بالجواز مع الكراهة. والظاهر أن القول بالجواز هو القول الأقوى والأحرى لما تقدم من أدلة. إذا كان رجل على جنابة ومرأة على جنابة، هل للرجل إذا سبق أن يغتسل من إناء وبقي في ذلك الإناء ماء، فهل المرأة تغتسل بعده؟ والعكس إذا أصاب الرجل من امرأته فكان على جنابة، فذهبت المرأة فاغتسلت قبل الرجل وبقي في الإناء ماء، فهل يجوز للرجل أن يغتسل بذلك الفضل الباقي من الماء؟ قلنا: الصحيح من أقوال أهل العلم الجواز مطلقا - والله أعلم. عن ميمونة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت: «وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة». وقولها: «وضوء الجنابة» الوضوء - كما تقدم معنا - بفتح الواو اسم للماء المعد للوضوء أو للغسل، وبالضم عمل الوضوء. قالت: «فأكفأ بيمينه على يساره مرتين». تقدم معنى «فأكفأ» ومعنى أنه يصب من ذلك الإناء على كفه. قال: «فأكفأ بيمينه على يساره مرتين». وقوله: «فأكفأ» يدل على أنه حصل منه نوع اقتراف. قال: «مرتين أو ثلاثا، ثم غسل فرجه». ثم غسل فرجه. قوله: «ثم غسل فرجه» فيه أن من كان على جنابة غسل فرجه غسل فرجه من أثر تلك الجنابة. وإذا كان أثر جنابته مني خالص، فيكون الغسل ها هنا مستحبا لأن المني طاهر على الصحيح. وإن خالطه شيء من المذي أو من النجاسات، فيكون غسل الفرج في هذه الحالة واجبا. قولها: «ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل سائر جسده». ثم تنحى فغسل رجليه. قالت: «فأتيته بمنشفة فلم يردها، فجعل ينفض الماء بيديه». ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها هي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف. وكانت خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد، أختها لبابة بنت الحارث الكبرى والصغرى أم خالد وأم عبد الله. قولها رضي الله تعالى عنها: «وضعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وضوء الجنابة» كما استبقنا تقدم وذكرنا. و«وضوء الجنابة» كما تقدم معناها الماء المعد لغسل جنابة. وقولها: «فأكفأ بيمينه على يساره مرتين» الكفاء يكون بملء الصب، وها هنا قوله: «بيمينه» يدل على أنه أكفأ من الإناء بيمينه، ثم غسل به شماله. وقد يكون اغترف بيمينه من الإناء فغسل به يديه ثلاثا. وذكر العلماء رحمهم الله هنا مسألة، وهي استحباب غسل اليدين قبل الشروع في الغسل. وقولها رضي الله عنها: «ثم غسل فرجه» قال علماء رحمهم الله تعالى: فيه أن من كان على جنابة غسل فرجه غسل فرجه من أثر تلك الجنابة. قولها: «ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا» استدل جماعة من أهل العلم بهذه اللفظة باستحباب أن من مستحبات الغسل أن الإنسان إذا غسل فرجه أن يضرب بيده على الأرض، أي يمسح أثر ذلك الغسل بين التراب أو الحائط. وإن كان في هذه الأزمان يستخدم الصابون، فكذلك داخل في هذا المعنى لأن العبرة بتطهير اليد من أثر ذلك الغسل. قوله: «ثم تمضمض واستنشق» ها هنا مسألة ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي حكم المضمضة والاستنشاق في غسل جنابة. للمسألة قولان: أحدهما وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل، والآخر استحبابهما. فممن ذهب إلى وجوبهما الشعبي والنخعي وأبو حنيفة والثوري وجماعة. ومن قال بأنهما سنة: الإمام مالك والإمام الشافعي رحمهم الله تعالى. وهذا هو الصحيح، أن المضمضة والاستنشاق في الغسل ليس بواجب بل هو من مستحبات الغسل. قوله: «ثم غسل وجهه وذراعيه، ثم أفاض على رأسه الماء، ثم غسل سائر جسده» ذكّر العلماء رحمهم الله تعالى أيضا ها هنا مسألة، وهي: هل من توضأ أجزأه ذلك الوضوء عن أن يغسل تلك الأعضاء أم يشترط أن يغسل الأعضاء مرة أخرى بعد الوضوء؟ في المسألة قولان: من أهل علم قال: يغسل، ومن أهل علم قال: لا يغسل. وهناك قول ثالث، وهو أنهم بعض قالوا: يغسل إذا نوى بها الغسل، وأما إذا لم ينو بها الغسل فلا يغسل. والظاهر - والله أعلم - عدم الإجزاء، بل يشترط في ذلك تعميم الغسل بماء جديد، وأن أعضاء الوضوء لا تدخل في هذا الحكم، حكمها حكم الوضوء، فلا تدخل في أحكام الغسل. عفاة الماء على سائر الجسد. وهذا واضح، لا سيما إذا قلنا باستحباب الوضوء قبل الغسل. والسبب في هذا الخلاف هذه اللفظة: «ثم غسل سائر جسده». هل المراد بسائر جسده كل جسده أم المراد بسائر جسده ما بقي من جسده؟ لأن السائر بمعنى السؤر، أي المتبقي. فمن أجل هذا الخلاف في هذه اللفظة وقع الخلاف في المسألة. والصحيح ما سمعتم، وهو الأقوى أيضا، لأن اللفظة أقل أحوالها أن نقول أنها محتملة، وظهورها في الكلية أقوى من البعضية، فحملها على الكل أولى من حملها على البعض. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.