الدرس في كتاب الطهارة 30، ألقاها
يتناول هذا الفصل قصة سؤال أم سليم للنبي صلى الله عليه وسلم عن وجوب الغسل على المرأة إذا احتلمت، حيث أجابها النبي بأن الغسل واجب إذا رأت الماء. كما يوضح إجماع العلماء على وجوب الغسل إذا رأت الماء، وعدم وجوبه إذا لم تر الماء.
يناقش هذا الفصل حكم الغسل عند وجود بلل في الثوب، حيث يوضح اختلاف العلماء في هذا الحكم. فمنهم من قال بوجوب الغسل إذا تيقن أن البلل مني، ومنهم من قال بعدم وجوب الغسل إذا لم يتيقن ذلك، مع ترجيح الاحتياط بالغسل عند الشك.
يتناول هذا الفصل حكم النوم بعد العصر، حيث يبين أن النوم بعد العصر يحتسب آخر نومة نامها الشخص، مع الإشارة إلى عدم وجود تفصيل أكبر في الحكم.
قال الإمام أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب «عملة الأحكام» في كتاب الطهارة، باب الغسل، عن أم سلمة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: جاءت أم سليم، امرأة أبي طلحة، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا هي رأت الماء. أم سلمة هي هند بنت أبي أمية، زوج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكانت قبله تحت أبي سلمة، فلما مات تزوجها بعده رسول الله صلى الله عليه وسلم. قولها: قالت جاءت أم سليم، أم سليم هي أم أنس بن مالك رضي الله عنهم جميعًا، وكانت من فضليات الصحابة رضي الله عنها وأرضاها. فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق. قال علماء: هذا منها كالمقدمة والتوطئة للكلام والسؤال الذي ستسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن تقول: إن هذا السؤال يستحي منه، لا سيما من النساء عند الرجال، ولكنه حق، والله لا يستحي من الحق. فهذا من حسن تعبيرها وحسن مقدمتها لما أرادت. وهكذا ينبغي لمن سأل عن سؤال يستحي منه أن يقدم بين يدي سؤاله مثل هذا الأسلوب الذي فيه التوطئة والتهيئة والعذر لهذا السؤال. ثم قالت: فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ المراد بالاحتلام في قولها إذا هي احتلمت، أي رأت في منامها أنها تجامع أو تجامع، أن تجامع. قوله صلى الله عليه وسلم: فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إذا هي رأت الماء. والمراد بالماء: المني. وفي الحديث مسائل: المسألة الأولى أن المرأة إذا احتلمت ورأت الماء في اليقظة، فعليها الغسل. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، ولا يعرف فيه خلاف إلا عن النخعين، واعتذر له بعضهم. وأما النووي فشكك في ثبوته عنه. وقال: قد نقل ابن جريج والطبراني الإجماع على وجوب الغسل بإنزال المني من الرجل والمرأة. المسألة الثانية أن الرجل حكمه كذلك، بل حكمه أظهر لكثرة وجود ذلك في الرجال، وهذا مما لا اختلاف فيه بين العلماء. وقد نقل الإجماع على هذا الطبراني. ويدل عليه أيضًا الحديث: «الماء من الماء»، أي الوضوء بماء النازل، وهو حديث رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري. المسألة الثالثة: من احتلم ولم ير ماء، فليس عليه شيء بإجماع نقل الإجماع ابن المنذر وغيره. وهذا مسألة: رجل رأى أنه احتلم أنه يجامع أو ما شابه ذلك في الاحتلام في النوم، فلما استيقظ نظر في ثيابه فلم يجد شيئًا، فلم يجد ماء ولم يجد شيئًا، فما حكمه؟ قلنا: حكمه ليس عليه شيء بإجماع. ويدل عليه حديث حديث الباب: «يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء». فمفهوم الحديث أنه إذا لم تر الماء فليس عليها غسل. المسألة الرابعة عكس هذه المسألة: من رأى بلة ولم يذكر احتلامًا، فعليه غسل، وفيه خلاف. فذهب طائفة وقالوا: يغتسل. رؤية هذا عن ابن عباس وعطاء والشعبي وابن جبير والنخعي وأبي حنيفة. وقال أحمد: أعجب إلي أن يغتسل إلا رجل به مرض يخرج منه الماء أو ما شابه ذلك. وقال إسحاق: يغتسل إذا كانت بلل نطفه. وأما إذا كان البلل من غيره، يعني كان مذيًا أو نحوه، فلا. وعن الحسن البصري، وهو القول الثاني، قال: إن كان انتشر إلى أهله من أول ليل، فوجد بلله فهو من ذلك، فلا يغتسل. وإن لم يكن انتشر إلى أهله فوجد بلله فليغتسل، أي كأنه يقول: الأول لعله يكون مذيًا لسبب ملاعبة أهله ومضاجعة أهله من غير جماع. وإذا لم يكن كذلك فوجد ما أنفه هل يدل على أنه مني عليه الغسل؟ وقال طائفة: لا يغتسل حتى يتيقن نزول الماء وخروج الماء. وهذا قول مجاهد وقتادة والحكم، وهو قول مالك والشافعي وأبي يوسف من الحنفية. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: فمن رأى بللًا، فإن أيقن أنه بلل نطفه اغتسل، وإن علم أنه مذي أو غيره لم يجب عليه الغسل. والأحوط إذا شك فلم يدري: بلل نطفة أو مذي أن يغتسل. وهذا هو الراجح. مسألة أخرى: من وجد في ثوبه أثر جنابة ولا يدري متى حصل؟ ذهب العلماء رحمه الله تعالى إلى أن عليه أن يغتسل ويحتسبها من آخر نومة. وهذا الأمر: رجل نام ما درى ما رأى في ثوبه أثر الجنابة مثلا إلا في الليل، وفي يومه كامل ما نام إلا في الليل، فمن متى يحتسب؟ أنه ربما احتلم آخر نومة. واضح. وإذا كان نام بعد الظهر أو العصر، يكون مثلا النوم نوم بعد الظهر إلى العصر، فالشيء من هذا أنه يحتسب آخر نومة نامها. والله أعلم.