الدرس في كتاب الصلاة 44، ألقاها
شرح حديث أنس بن مالك في قراءة سورة الإخلاص دائما في الصلاة واختلاف رواياته وتوضيح دلالته على جواز قراءة سورتين مع الفاتحة. يبين المقطع أهمية الحديث وتصحيح الدارقطني لإحدى الروايات.
بحث حكم الجمع بين سور القرآن في الصلاة المفروضة واختلاف العلماء في ذلك، وتناول حكم قراءة أجزاء من السور في الصلاة مع الإشارة إلى آراء الفقهاء والأدلة من السنة.
بيان حكم قراءة القرآن بغير ترتيب السور وتكرار السورة في الركعتين، مع الإشارة إلى آراء أهل العلم وفعل الصحابة، ورواية الإمام أحمد في ذلك.
بسم الله ذكر بعض أهل العلم عند حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاه المذكور في الباب في قصة ذاك الرجل الذي كان يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾، جاء هذا الحديث بنحوه أو روى هذا الحديث بنحوه البخاري، ورواه تعليقا من حديث أنس، فقال البخاري: «قال عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس». ووصله الترمذي من طريق البخاري، قال: «حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس بن مالك». قال: «كان رجل من الأنصار...» -إلى أن قال- وكان يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يصلي بهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟» قال: «إني أحبها»، قال: «حبك إياها أدخلك الجنة». وهذا الحديث كما سمعتم رواه البخاري تعليقا، ووصله الإمام الترمذي. قال الحافظ ابن رجب في الفتح: وإنما لم يخرجه البخاري هاهنا مسندا؛ لأن حماد بن سلمة رواه عن ثابت عن حبيب بن سبيعة عن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الدارقطني: هو أشبه بالصواب. بمعنى أن هذا الحديث قد اختلف فيه، فرواه حماد بن سلمة عن ثابت عن حبيب بن سبيعة عن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه عبد العزيز عن عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس، فوقع الاختلاف فيمن روى عن ثابت، فرواه عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس، ورواه حماد بن سلمة -وهو أثبت الناس في ثابت- عن حبيب بن سبيعة عن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الدارقطني: هو أشبه بالصواب. هو أشبه بماذا؟ بالصواب. وحماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه أثبت الناس في حديث ثابت وأعرفهم به. والحارث هذا اختلف أهل العلم: هل هو صحابي أو لا؟ فقال أبو حاتم الرازي: له صحبة. وقال الدارقطني: حديثه مرسل. قال ابن رجب: طيب، واضح هذا. جماعة أم لا؟ أولا، البخاري لم يرو هذا الحديث مسندا، مع أن السند عنده متصل كما رواه الترمذي عن البخاري بسنده. على ذلك الحافظ ابن رجب بأن الحديث قد روي من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن حبيب عن الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم. والدارقطني يقول: هذا أشبه. ومعنى هذا أشبه أنه هو الصواب؛ أنه من حديث الحارث وليس من حديث أنس. ولعل ذلك لأمرين: الأمر الأول أن حمادا أثبت الناس في ثابت، والأمر الثاني أن حمادا خرج عن الجادة، وعبيد الله بن عمر رواه على الجادة، فرواه عن ثابت عن أنس. أما حماد بن سلمة فرواه على غير الجادة، والخروج على الجادة يدل على حفظ للإسناد. وقرينة تدل على أن حماد بن سلمة حفظ هذا الحديث وحفظ هذا الإسناد. لذا قال الدارقطني: إن حديثه أشبه. بقي أمر آخر، وهو: هل الحارث صحابي أم لا؟ الدارقطني يقول: ليس بصحابي. وأبو حاتم الرازي يقول: بأنه صحابي. فإذا ثبت أنه صحابي، صح الحديث. وإن لم يثبت أنه صحابي، وإنما هو تابعي كبير، فيكون هذا الحديث شاهدا لحديث عائشة رضي الله عنها، فيرتقي به إلى الحسن. وضح هذا جماعة أم لا؟ طيب. قال ابن رجب: وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة، على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض؛ لأنه كان يقرأ بالفاتحة، ثم يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾، ثم يقرأ بسورة أخرى، فدل على جواز قراءة سورتين مع الفاتحة. قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه. ويدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لأن أصحابه استنكروا فعله، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عاهدوه من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاتهم. ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟» فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسنا. واضح جماعة. لذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: «ما منعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟» فدل على أن تصويب أصحابه له كان صوابا. ولكن عذره الذي اعتذر به جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول له ما قال. وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة. طيب. فهذا الحديث كما سمعتم في دلالته على ما تقدم. وبقيت مسائل متعلقة بهذا الحديث. من هذه المسائل: هل يكره الجامع بين السور في الصلاة المفروضة؟ مسألة: هل يكره الجامع بين السور في الصلاة المفروضة؟ فيه خلاف. المسألة واضحة أم لا؟ هل يجوز أن تقرأ بالفاتحة ثم تقرأ سورة ثم تقرأ سورة أخرى معها أم لا؟ يكره؟ فيه خلاف. ذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يكره الجامع بين السور في الصلاة المفروضة. وروي فعله -أي فعل هذا العمل- عن عمر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعلي وعلقمة، وهو قول قتادة والنخعي ومالك وأحمد في رواية. ذهبوا إلى ما يدل على الجواز وعدم الكراهة. وفي رواية أخرى للإمام أحمد: ذهب إلى الكراهة، إلى كراهة ذلك. وهو مذهب أبي حنيفة. وهو مذهب أبي حنيفة كذلك. والظاهر -والله أعلم- الجواز من غير كراهة. والظاهر -والله أعلم- الجواز من غير كراهة لحديث الباب. الله أعلم. مسألة أخرى: حكم القراءة من أوائل السور وأوسطها وخواتمها في الصلاة. واضح هذه المسألة جماعة. هذه المسألة: هل يجوز للإمام أو لأي مصل إذا صلى أن يقرأ بالفاتحة ويقرأ من أول سورة ثم يقف عند آية من آياتها فيركع؟ وله كذلك أن يقرأ من أوسط السورة، أو هل له أن يقرأ من أواخر السور أم لا؟ مسألة كذلك فيها خلاف. فذهب أكثر العلماء إلى جواز ذلك من غير كراهة. ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك من غير كراهة. وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ في المفروضة بخواتم السور. وعن أحمد أنه يكره القراءة من أوساط السور دون خواتمها. وعنه أنه يكره قراءة أواخر السور. فهاتان روايتان عن أحمد: الأولى بكراهة القراءة في الأوساط دون الأواخر، والثانية في كراهة القراءة في أواخر السور. قال الحافظ ابن رجب: كذا حكاها طائفة من أصحابنا عن أحمد. ومنهم من حملها على كراهة المداومة على ذلك دون فعله أحيانا؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم قراءة السورة التامة. فيكره مخالفتهم في أفعالهم. وثبت -طيب- عن ابن مسعود أنه أما الناس فقرأ في العشاء بالأنفال، فلما بلغ رأس الأربعين ﴿نعم النصير﴾ عند قول الله عز وجل ﴿نعم النصير﴾ ركع. ثم قام فقرأ في الثانية من المفصل. رواه وكيع بإسناد صحيح إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. وهذا يدل على جواز أن الإنسان يقرأ من أول السورة ويقطعها ثم يركع، أن يقف عند آية من الآيات ثم يركع. ثم له أن يقرأ في سورة أخرى في الركعة الثانية. وكذلك ثبت في صحيح مسلم: ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه قال: «قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿المؤمنون﴾ في الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون -أو ذكر عيسى- أخذته سعلة فركع». وقال البخاري: «قال عمر في الركعة الأولى بمئة وعشرين آية من البقرة، وفي الثانية بسورة من المثاني». قال الحافظ ابن رجب: وهذا يدل على قراءة سورة وبعض أخرى في ركعتين. وقد سبق ذكر حكم ذلك وأنه غير مكروه. وهذا هو الصواب: أنه له أن يقرأ من أوائل السور، وله أن يقرأ من أوسطها، وله أن يقرأ من آخرها من دون أي كراهة؛ لأنه كله من القرآن. قرأ الفاتحة وسورة أخرى، وقال الله عز وجل: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾، فقرأ ما تيسر من القرآن. مسألة ثالثة: لا يكره قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف. فيقرأ في الركعة الأولى سورة، وفي الثانية سورة قبلها في ترتيب المصحف. وهذا حاصل جماعة. مثلا يقرأ في الركعة الأولى ﴿قل هو الله أحد﴾، وفي الركعة الثانية بالفلق، أو يقرأ في الركعة الأولى بالفلق ويقرأ في الركعة الثانية ﴿قل هو الله أحد﴾. سواء بدأ بهذا أو بدأ بهذا، فالأمر فيه واسع. وضح هذا جماعة. قرأ مثلا في الركعة الأولى ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، وفي الثانية بالناس، أو العكس. قرأ في الركعة الأولى بالناس، وفي الركعة الثانية بالفلق. لا كراهة في ذلك. وقد فعل هذا جماعة من الصحابة، منهم عمر وأنس بن مالك. وهذا قول أكثرين من أهل العلم. أن هذا جائز من غير أي كراهة. وضح هذا جماعة. وعن أحمد رواية أنه يكره فعل ذلك؛ لمخالفته ترتيب المصحف. والصحيح الأول: جواز ذلك. يدل عليه حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة فافتتح بسورة البقرة». وذكر الحديث. وفيه: «أنه قرأ البقرة، فلما ختمها قال: افتتح سورة النساء، فقرأها حتى إذا ختمها افتتح سورة آل عمران، فقرأها حتى فرغ منها ثم ركع». ثم ماذا؟ «ثم ركع في ركعة واحدة». وهذا يدل على جواز تقديم السورة على التي قبلها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى بالبقرة، ثم صلى بالنساء، ثم صلى بآل عمران في ركعة واحدة. فهذا يدل على جواز ذلك. وضحها جماعة طيب. مسألة رابعة: يجوز قراءة سورة واحدة في ركعتين، أو يردد سورة واحدة في ركعتين. وضح هذا جماعة. هذا الأول: يجوز قراءة سورة واحدة في ركعتين؛ أن يقسم السورة على الركعتين، يقرأ في أول ركعة نصف السورة مثلا، وفي الركعة الثانية يقرأ النصف الآخر. هذا كذلك جائز، لا كراهة فيه. ويجوز له أيضا أن يقرأ بالسورة في الركعة الأولى، ويقرأ بالسورة نفسها في الركعة الثانية. واضح هذا جميعا. عملا بقول قتادة: كل كتاب الله -أنه قرأ من كتاب الله عز وجل-. واضح هذا جماعة. قال الحافظ ابن رجب: أما قراءة سورة يقسمها في ركعتين فغير مكروه. وقد فعله أبو بكر وعمر وغيرهما. وكذا ترديد السورة في الركعتين كلتيهما. قد سبق حديث الرجل الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح ﴿إذا زلزلت الأرض﴾ في الركعتين كلتيهما. قال: «فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا». خرجه أبو داود. قال ابن رجب: ونص أحمد على أنه جائز في الفرض من غير كراهة. جائز في الفرض من غير كراهة أن يردد الإنسان السورة الواحدة في ركعتين. وحديث الجهن هذا ذكره شيخنا الوادعي في الصحيح المسند في باب المبهمات. وضح هذا جماعة. فهذا جائز من غير كراهة طيب. فائدة ذكرها أيضا الحافظ ابن رجب. وهذه المباحث مذكورة مأخوذة من كتاب الفتح: فتح الباري. وكما ذكرنا وأشرنا فيما مضى: يعد هذا الكتاب من أحسن الكتب في بابها. قال الحافظ ابن رجب: والقرآن ينقسم إلى السبع الطوال، وهي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس. قال: كذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما. قال: وإلى المئين، وهي: ما كان من السور وعدد آياته مئة آية أو يزيد أو ينقص شيئا. قال: وإلى المفصل، وأوله الحجرات على الأشهر. والمثاني: وهو ما عدا ذلك. فهذه أربعة أقسام للقرآن: السبع الطوال والمئين والمفصل والمثاني. طيب. فائدة أخرى أيضا ذكر الحافظ ابن رجب. قال: وترتيب سور المصحف على هذا الترتيب -أي الموجود في المصحف- ليس توقيفا على الصحيح. بل هو أمر اجتهد فيه عثمان والصحابة. قال: وحديث ابن عباس لعثمان المشار إليه فيما سبق يدل عليه. والله أعلى وأعلم. إلهنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا.