الدرس في كتاب الصلاة 12، ألقاها
شرح حديث عبد الله بن عمر في صلاة الرواتب وبيان عدد ركعاتها، حيث ورد أن عدد الركعات يتراوح بين عشر ركعات وأربع عشرة ركعة حسب الأحاديث النبوية وتفسيرات العلماء.
بيان حكم ركعتي الفجر حيث ذهب الجمهور إلى أنهما سنة مؤكدة لورود أحاديث كثيرة تدل عليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما خفيفتين.
الترجيح بين آراء العلماء في إطالة ركعتي الفجر وتخفيفهما، حيث يرى الجمهور التخفيف لاتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتقديمهما في أول طلوع الفجر.
أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كثيرًا، وبعد، قال رحمه الله تعالى: عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها، وركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء». وفي لفظ: قال: «فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته». وفي لفظ للبخاري: ورواه مسلم أيضًا بمعنى أن ابن عمر قال: «حدثتني حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها». طيب، الحديث فيه عدة مسائل، وقبل أن نتكلم عن المسائل نشرح الحديث شرحًا إجماليا. فالحديث كما ترون فيه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه يقول: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر». وقول: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» هل يفهم منه أنه صلاها معه جماعة أم أنه يريد أنه صلاها كصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: الثاني، المراد أنه صلاها كهيئة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك في الوقت الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان حاله كأنه يصلي معه. قوله: «ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها» هذا واضح أنه يصلي ركعتين بتسليمة، قال: «ثم قال: وركعتين بعدها». وهكذا: «ركعتين بعد الجمعة»، وفي بعض الروايات: «ركعتين» - يعني سيأتي معنا - «ركعتين بعد الجمعة، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء». ولي المذكر هاهنا ركعتين الفجر. وفي لفظ قال: «فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته»، أي أنه كان يصليها في بيته، وما كان يصليها في المسجد. ومفهومه أن صلاة غير هذه الصلوات التي ذكر في الحديث الأول أنه كان يصليها في المسجد. طيب، قوله: «وفي لفظ للبخاري قلنا ورواه مسلم أيضًا» بمعنى أن ابن عمر قال: «حدثتني حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي سجدتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها». وهذه اللفظة الأخيرة فيه إخبار عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه حفظ الركعتين الراتبتين من سنة الفجر من أخته حفصة، أخذه من أخته حفصة، إذ هي التي أخبرته عن هذا. حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه فيه صلاة الرواتب، وهي من صلاة التطوع. والعلماء رحمهم الله تعالى يقسمون الصلاة التطوع إلى قسمين: نافلة مطلقة، ونافلة مرتبة أي راتبة. والنافلة الراتبة على قسمين: راتبة مؤقتة بالصلوات المفروضات، وهي التي جاءت في هذا الحديث وفي غيره. ورواتب أخرى قالوا: التي جاءت مؤقتة بزمان أو بأحوال معينة، قالوا: كصلاة الكسوف والعيدين ونحوها. وسميت هذه الصلوات صلوات راتبة لأنها مرتبة على شيء معين، إما على الصلاة المفروضة، كما التي بين أيدينا، وإما على أزمان أو حالات مخصوصة. قول عبد الله بن عمر: «صليت ركعتين قبل الظهر» مع حديث حفصة يفهم منه أن عادة الركعات إذا كان في غير الجمعة أن كم ركعات؟ عشر ركعات: ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء. هذه كم ركعات؟ عشر ركعات. وجاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أربع ركعات قبل صلاة الظهر». فإذا كان كذلك، فيكون الصلوات على حديث عائشة كم؟ اثنتي عشرة ركعة. وجاء ما يؤيد حديث عائشة ما رواه مسلم من حديث أم حبيبة رضي الله عنها وأرضاها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى في يومه وليلته اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بهن بيتًا في الجنة». فحديث أم حبيبة يدل على أن الصلاة الراتبة اثنتا عشرة ركعة. فما الجمع بين حديث عائشة المذكور وأم حبيبة وبين حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؟ أجاب العلماء رحمهم الله تعالى أو ذكر العلماء رحمهم الله تعالى جموعًا من هذه الجموع. أولا، قالوا: يحمل على أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه نسي الركعتين اللتين قبل الظهر. وهذا بعيد، لذا قال الحافظ رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذا القول: قال: «وهذا قول بعيد». وذهب الحافظ رحمه الله تعالى إلى أن هذا يحمل على حالات، ما هي هذه الحالات؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم تارة كان يصلي عشر ركعات، وعبد الله بن عمر رآه فحفظها عنه صلى الله عليه وسلم عشر ركعات. وأحيانًا يصلي اثنتي عشرة ركعة، وهو الذي كانت تراه عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فأخبر كل واحد منهما بما رآه. قول عبد الله بن عمر: «صليت ركعتين قبل الظهر» مع حديث حفصة فيه إشكال، وقد جمع العلماء بينهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم تارة كان يصلي عشر ركعات، وتارة يصلي اثنتي عشرة ركعة. وذهب بعضهم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين في البيت، ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين، فيكون عبد الله بن عمر حفظ الركعتين اللتين خرج بهما إلى المسجد، وعائشة لعلمها أنه صلى في البيت ركعتين وفي المسجد ركعتين حفظت أربع ركعات. وأيهما أفضل؟ الجواب: لا شك أن من حافظ على اثنتي عشرة ركعة فهو الأفضل. ما الدليل على الأفضلية؟ حديث أم حبيبة واضح، «من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته بنى الله له بهن بيتًا في الجنة». واضح هذا الأمر أم لا؟ مسألة أخرى وهي كم عدد الرواتب؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها عشر ركعات على حديث عبد الله بن عمر، وذهب بعضهم إلى أنها اثنتا عشرة ركعة على حديث عائشة وأم حبيبة. وبعضهم ذهب إلى أنها أربع عشرة ركعة، قالوا: الدليل على هذا حديث أم حبيبة عند الترمذي وغيره وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربعًا بعدها بعد الله وجهه عن النار». وهذا الحديث مختلف في صحته، فمن أهل العلم من صحح هذا الحديث كالعلامة الألباني رحمه الله تعالى، ومنهم من ضعفه كالعلامة الوادعي. والصحيح في هذه المسألة أن صلاة الراتبة التي هي مع الصلوات عشر ركعات أقلها، وأكثرها أربع عشرة ركعة. هذا والصحيح في هذه المسألة من أقوال أهل العلم والله أعلم. قوله رحمه الله تعالى: «وركعتين بعد الجمعة». فيه أيضًا مشروعية صلاة الراتب ركعتين بعد الجمعة. وجاء في حديث أبي هريرة عند مسلم أنه قال: «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعًا». وفي لفظ: «من كان مصليًا فلكي يصلي أربعًا». فكيف الجامع بينه وبين حديث ابن عمر السابق أنه قال: «وصلى ركعتين بعد الجمعة»؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أوجهًا في ذلك، من هذه الجموع ما ذكره بعضهم فقال: «الأربع أفضل من السنتين» ليقوع الأمر بها وكثرت فعله لها صلى الله عليه وسلم. أيهما أفضل؟ الأفضل الأربع لا شك ولا ريب، لماذا؟ لأنها أكثر، وكلما كانت العبادة المشروعة أكثر كلما كانت أفضل. قوله رحمه الله تعالى: «وركعتين بعد المغرب». قوله: «ركعتين بعد المغرب» أي بعد صلاة المغرب، وليس بعد دخول وقت صلاة المغرب. وهل يشرع أن يصلي قبل صلاة المغرب ركعتين؟ الجواب: نعم يشرع له أن يصلي قبل المغرب ركعتين، ولكنها ليست من الرواتب. لما جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن مغفر رضي الله تعالى أنه قال: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال: وقال في الثالثة: لمن شاء». وجاء أيضًا في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: «كان إذا أذن المؤذن للمغرب ابتدروا السواري يصلون قبل المغرب». فالشاهد استدل به أهل العلم على جواز الصلاة ركعتين قبل المغرب. قوله: «كذلك ركعتين بعد العشاء». القول فيها كالقول في صلاة المغرب، أي بعد صلاة العشاء. قوله: «فأما المغرب والعشاء والجمعة ففي بيته». استدل بهذه اللفظة بعض أهل العلم على أن فعل النوافل الليلية في البيوت أفضل من المسجد، بخلاف رواتب النهار. وحكي ذلك عن مالك والثوري وغيرهما. قال الحافظ رحمه الله تعالى: «وفي هذا الاستدلال نظر». والظاهر أن ذلك من فعل ابن عمر. وإنما كان صلى الله عليه وسلم يتشاغل بالناس غالبًا، وبالليل يكون في بيته غالبًا. وفي الجمعة كان يبادر إليها ثم ينصرف إلى القائلة، بخلاف الظهر فإنه يقيل قبلها. والحاصل من هذا أن حديث ابن عمر المذكور ليس فيه دلالة واضحة على هذا المعنى، لكن قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلوا في بيوتكم، لا تجعلوا بيوتكم مقابر». أو كما قال صلى الله عليه وسلم: «خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». جاءت أحاديث أيضًا بهذا المعنى أن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. صلاة في المسجد واجبة وهي أفضل بلا شك ولا ريب. أما غيرها فتصلى في البيت فهو أفضل من الصلاة في المسجد، وإن صلى في المسجد فما هناك بأس. قوله: «سجدتين خفيفتين» مراد به: ركعتين خفيفتين. في حديث حفصة: «سجدتين خفيفتين» المراد بهما ركعتين خفيفتين. وقد جاء عند مسلم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يخفف فيهما» - أي في الركعتين الراتبتين في الفجر - قالت عائشة: «حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟» وهذا يدل على أنه يخفف فيها القراءة جدًا. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: «فيه دليل على المبالغة في التخفيف». والمراد فيه بالنسبة إلى عادة النبي صلى الله عليه وسلم في الإطالة في صلاة الليل وغيرها. حكم مسألة حكم ركعتي الفجر: ذهب الجمهور إلى أنها سنة مستحبة، وهي من السنن المؤكدة التي لم يكن يتركها النبي صلى الله عليه وسلم لا في السفر ولا في الحضر. وحكي عن الحسن البصري وغيره وجوبها. والراجح القول الأول لضاهة أحاديث المذكورة في الباب. مسألة أخرى كذلك: متى يصلى ركعتا الفجر؟ استحب الجمهور تقديمهما في أول طلوع الفجر وتخفيفهما، وهو قول مالك والشافعي وجماعة. وقال بعض السلف: «لا بأس بإطالتهما». والأرجح الأول لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من هديه أنه كان يخفف فيهما.