الدرس في كتاب الصلاة 92، ألقاها
يشرح المقطع أهمية حديث جابر بن عبد الله في فهم أحكام صلاة الجمعة، ويتناول آراء الفقهاء حول صلاة ركعتين عند دخول المسجد والإمام يخطب. يبين المقطع آراء الفقهاء المختلفة حول هذا الموضوع.
يتناول المقطع حكم ركعتي تحية المسجد أثناء خطبة الجمعة، واستدل بحديث جابر وسليك الغطفاني. كما يبين أن تحية المسجد تسقط عن الإمام أثناء الخطبة باتفاق أهل العلم، ورأى أن ركعتين خفيفتين تجزان كل من دخل المسجد.
تناول المقطع آراء العلماء حول حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة، حيث اختلف العلماء بين التحريم والكراهة والجواز التفصيلي. كما يبين رأي الإمام الوادعي رحمه الله حول وجوب الإنصات عند الخطبة.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الأحكام: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: صليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين. وفي رواية: فصلي ركعتين. هذا الحديث كما ترون، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة، وهذه كانت عادته صلى الله عليه وسلم، ولم ينقطع عن خطبة الجمعة قط، بل كانت مستمرة على خطبة الجمعة، ولم يتركها قط. لذا، كما سمعتم، استدل من استدل من أهل العلم على وجوب خطبة الجمعة لأجل هذا المعنى، ولأجل المعنى الآخر المذكور في حديث مالك بن الحويرث: «صلوا كما رأيتموني أصلي». وكما مر معنا في الدرس الماضي، أن هذا ظاهره غاية ظاهره أن يكون واجبا. إن قال قائل بالوجوب، فإن المصير إليه هو الأولى في هذه المسألة، أي: إن وجد أحد من الأئمة من السلف رحمه الله تعالى يقول بأن خطبة الجمعة واجبة، وأن من تركها لم تسقط عليه الجمعة، ولم يكن مخلا بشرط من شروط الجمعة، فإن القول بالمصير إلى هذا القول هو الأولى. وإن لم يكن قائل، فكما مر معنا في الدرس الماضي أن القائلين بالشرطية ليس عندهم دليل يدل على هذه الشرطية. والله أعلى وأعلم. قوله: «جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب» والواو هنا واو الحال، يقول العلماء: واوها هنا حالية. فقوله: «والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة» معناه: أن ذلك الرجل جاء حال كون النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة. فقال: «صليت يا فلان؟» وهذا صيغة استفهام، حذفت همزة الاستفهام، والتقدير: أصليت يا فلان؟ قال: لا. قال: «قم فاركع ركعتين». قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أصليت يا فلان؟» استدل به بعض أهل العلم على جواز أن يخاطب الخطيب الحاضرين. واستدل بقول الرجل: «لا» على جواز مخاطبة أو تكلم الحاضرين أو المأموم مع الإمام، وإن كان في يوم الجمعة، وإن كان الخطيب يخطب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أصليت يا فلان؟» وهو على المنبر يخطب، فقال ذلك الرجل: «لا». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قم فصلي ركعتين». وسأتي الكلام على هذا بإذن الله جل وعلا. فقوله أيضا: «قم فصلي ركعتين» استدل به من استدل من أهل العلم على مشروعية الصلاة ركعتين لمن دخل يوم الجمعة والخطيب يخطب. وعلى أنه لا يزيد على ركعتين إذا كان متنفلا تنفلا مطلقا، فلا يزيد على ذلك. وجاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بأن يصلي ركعتين، وأن يخفف فيهما. وجاء في بعضها أنه قال: «وتجوز فيهما» وهو بمعنى الأول. وفي الحديث مسائل: قول: «إذا دخل أحد المسجد والإمام يخطب، فليصلي ركعتين خفيفتين». وفيه خلاف، أي: في هذا الحكم خلاف. فذهب الشافعي وأحمد، فقهاء أهل الحديث، إلى استحباب ذلك. وأن من جلس قبل الصلاة كرها ذلك له. وحكي هذا القول عن الحسن البصري وغيره من المتقدمين. وذهب مالك والليث والثوري وأبو حنيفة وجمهور السلف من الصحابة والتابعين إلى أنه لا يصليهما، وهو مروي عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. فهذان قولان في المسألة: القول الأول: باستحباب ركعتين تحية المسجد لمن دخل المسجد يوم الجمعة والخطيب يخطب. والقول الثاني: بمنع ذلك، أنه لا يصليهما بل يجلس. استدل القائلون بهذا القول، أي: بالقول الثاني، بأدلة كثيرة. وقد ناقشها وذكرها وبيّنها الإمام الحافظ ابن حجر في كتاب فتح الباري عند الكلام على هذا الحديث. ومن أقوى ما استدل به هؤلاء المانعون قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من قال لأخيه يوم الجمعة أنصت، فقد لغى». فقالوا: وهذا المصلي متكلم، قالوا: فإذا كان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في يوم الجمعة إذا تكلم، فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له. فمن باب أولى أن يكون المصلي كذلك. قالوا: وكذلك من حيث المعنى أيضا، قال الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وقد نقل الإمام أحمد الإجماع على أن الإنصات المأمور به في الصلاة والخطبة. وكذلك استدلوا على هذه المسألة بأدلة أخرى وأقيسة أخرى. والجواب عن هذه الاستدلالات إجمالا: أن هذه الاستدلالات إنما هي أقيسة في مقابل النص. فقياس الساكت أو الصامت أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إذا تكلم، أن صلاته قد لغيت، بهذا الذي قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصلي، هذا قياس في مقابل النص. وهنا قاعدة عند العلماء أن القياس إذا خالف النص، فإنه قياس فاسد. سواء قلنا بالآية أو قلنا بالحديث، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أوجها أخرى. فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر ذلك الرجل، ثم عمم بعد ذلك، فقال: «من جاء الجمعة فليصلي ركعتين». وهذا فيه رد كذلك على من قال: إن هذه حادثة عين، أي: قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: «قم فصلي ركعتين»، إنما كان من حال الرجل لما ظهر عليه من الحاجة والفقر، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبه الناس على أن الرجل فقير فيتصدقوا عليه. ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاء منكم الجمعة» يدل على العموم، يدل على أن كل من جاء الجمعة ولو كان الخطيب يخطب، فعليه أن يصلي ركعتين خفيفتين. وفي رواية: «وليتجوز فيهما». فالحاصل والراجع القول الأول في هذه المسألة، للأدلة الكثيرة الدالة على مشروعيتها، للداخل والخطيب يخطب. وأنها لا تسقط لمن جلس ولم يصلها إذا علم ذلك. كما جاء في بعض الروايات أن سليك الغطفاني -وهو الرجل المبهم في حديث جابر- أنه جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس قبل أن يصلي، فقال له: «يا سليك أصليت ركعتين؟» قال: لا، قال: «قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما». فقول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه: «قم فصلي» بعد أن جلس، استدل به أهل العلم على أن ركعتي الجمعة لا تسقط على من جلس، بل من جلس قبل أن يصلي، فينبغي له أن يقوم فيصلي ركعتين. وقد قال بعض أهل العلم بالتفريق بين العامد العالم وبين الجاهل الناسي، فقالوا: في حق الجاهل والناسي تستدرك، وأما في حق العامد العالم فإنها لا تستدرك. وقد قال النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الأحاديث في الباب عن هذه المسألة: قال: «هذا نص صريح لا يتطرق إليه التأويل». وقال: «وما أظن عالما يبلغ هذا اللفظ ويعتقد صحته ثم يخالفه». أي: يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر ما جاء في الباب من حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه، وما جاء من حديث غيره: «وما أظن عالما يبلغ هذا اللفظ ويعتقد صحته ثم يخالف، لأن هذا ليس من هدي العلماء، ولا هو من حي العلماء، بل علماء حالهم إذا علموا بالحديث، فإنه يعملون به ويعتقدونه». وظاهر أحاديث الباب يفيد الوجوب. لو أن قائلا قال بها من السلف، ولا إمام يقول بظاهرها. طيب، مسألة ثانية: حكم تحية المسجد، أو تحية المسجد تسقط عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر باتفاق واضح. الإمام إذا دخل المسجد للخطبة، فإن تحية المسجد أو الركعتين تسقط عليه باتفاق، لا خلاف بين أهل العلم في ذلك. وهذا ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين وتابعيهم، بل الأمة متفقة على هذا الصنيع إلى يومنا هذا. أن الخطيب إذا دخل أول ما يبدأ يبدأ بالسلام، ثم يقعد على المنبر دون أن يصلي ركعتين. وكما سمعتم أن هذا باتفاق. فمسألة أخرى: لا بأس على الإمام أن يتكلم أو يخاطب المأموم أثناء الخطبة للحاجة، وكذلك المأموم أن يتكلم مع الخطيب والحالة هذه، لحديث جابر. وفي الصحيحين أيضا من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة، فقال: «يا رسول الله هلكت الأنعام والحرث» وذكر ما حصل من الجدب، فقال: «فادعوا الله لنا». فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالغيث، فأنزل الله جل وعلا الغيث. والشاهد منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على المنبر، فدخل ذلك الرجل وتكلم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه. وكذلك في الصحيحين من حديث عمر أنه كان يخطب على المنبر إذ دخل عليه عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فقال: «الآن الآن حضرت الجمعة». فقال، «يا أمير المؤمنين، ما إن سمعت النداء حتى توضأت ثم جئت إلى الجمعة». أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. فقال له عمر رضي الله عنه وأرضاه: «والوضوء أيضا». فيه دلالة على أن السلف كذلك من الأئمة، بل أئمة الصحابة كعمر وعثمان، تخاطب أحدهما خطيب وإمام والآخر مأموم، هذا يخاطب هذا وذاك يخاطب ذاك، على مسمع ومرأى من الصحابة، ولا منكر لذلك. فهذا حكم الإجماع. إذ أنهم كانوا يتخاطبون ويتكلمون بهذه الصورة دون أي نكير. وممن حضر من عمر رضي الله عنه وهو خليفة الراشد، وكذلك من عثمان وهو كذلك الخليفة الراشد رضي الله عنهم وأرضاه. عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب، فقد لغوت». قوله: «أنصت» أي: الإنصات، السكون والاستماع. تقول: أنصته وأنصت له. وقوله: «لغوت» يقال: لغى الإنسان يلغو، ولغى يلغي، ولغي إذا تكلم بالباطل من القول، وما لا يعني. وألغى إذا أسقط. وفيه: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه أنصت، فقد لغى». قال ابن رجب رحمه الله: «اللغو هو الكلام الباطل المهدر الذي لا فائدة فيه». وفي الحديث مسائل: الأولى: يجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة، فلا يجوز الكلام لأحد من الحاضرين. وبهذا قال أكثر العلماء. ورؤي هذا عن عثمان وابن عمر وابن مسعود. وقد كرهه عامة العلماء، منهم مالك وأبو حنيفة والأوزاعي. وعن أحمد روايتان، وكذا عن الشافعي. القول الثاني في المسألة: الرواية الثانية عن أحمد والشافعي: أن الكلام لا يحرم، بل يكره. أن الكلام لا يحرم يوم الجمعة والخطيب يخطب، ولكن يكره. وهناك قول ثالث للسلف: وهو التفصيل بين الخطبة إذا كان فيها ذكر الله، فإنه ينصت لها ولا يجوز الكلام. وبين إذا ما كانت الخطبة فيها من كلام الدنيا الذي لا فائدة فيه، أو إذا كان فيها نوع من التعدي والشتم والسباب، فإنه لا بأس بالكلام، ولا يسد الجمعة. وهذا التفصيل رؤي عن جماعة من السلف، كالحسن والطاووس وسعيد بن جبير وغيرهم. وكان يقول بهذا القول شيخنا رحمه الله تعالى الإمام الوادعي رحمه الله تعالى. يقول: «إذا كانت الخطبة قراءة جريدة ونحوها، فإنه في مثل هذه الحالة لا يلزمه الإنصات، لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾، وهذا ليس من ذكر الله». والأظهر القول الأول، والأظهر في المسألة القول الأول، لحديث الباب. فحديث الباب يدل على العموم، فالبقاء على العموم أولى، لا سيما مع عدم وجود المخصص. ويدل على تحريمه أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وقد قال الإمام أحمد: «أجمعوا أنها نزلت في الصلاة والخطبة». مسألة ثانية في هذا الباب: من قال بتحريمه، أي: بتحريم الكلام حال الخطبة يوم الجمعة، هل تبطل الصلاة به، أي: صلاة الجمعة؟ فذهب طائفة من السلف أنه تبطل به الجمعة. قال عطاء الخراساني وعثمان بن الأسود: «من لغى فلا جمعة له». والمراد: أنه يفوته ثواب الجمعة. وبذلك فسره عطاء وابن وهب. وبه قال إسحاق. وكذا قال عطاء والحسن والزهري والثوري: فيمن تكلم والإمام يخطب، يصلي ركعتين. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «ولا يصح عن أحد خلاف ذلك». والله أعلم. فهذا حال جماعة من السلف. الآن هذه المسألة على القول الصحيح: بأن القول أن الكلام يوم الجمعة لا يجوز، بل يحرم الكلام يوم الجمعة والخطيب يخطب. لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال لأخيه يوم الجمعة أنصت والخطيب يخطب، فقد لغى». فإذا حصل منه الكلام وتكلم الإنسان يوم الجمعة، فهل معنى هذا أن الجمعة تسقط عليه فيصلي بعد ذلك ظهرا؟ الجواب: لا، ولا قائل بذلك، أنه يصلي بدلا من الجمعة ظهرا. وقد روي عن الأوزاعي ما قد يفهم منه ذلك، أنه قال كلاما معناه: أن من تكلم يوم الجمعة، فإنما صلاها ظهرا. ففهم بعض أهل العلم أن الأوزاعي يقول: أن عليه أن يصليها ظهرا. ورد هذا الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، وقال: «ليس هذا مراده، وإنما مراده: إنما صلاها ظهرا، أي: من حيث الثواب، وسقط عليه فضل الجمعة». فكلامه على هذا هو موافق لكلام من سبق من العلماء، من أن المراد بسقوط الجمعة عنه، أي: سقوط ثواب الجمعة، لا سقوط الصلاة، وأنه يصلي صلاة الظهر. مسألة ثالثة كذلك متعلقة بهذا الباب: متى يجب الإنصات يوم الجمعة؟ قال الجمهور: بشروع الإمام في الخطبة. بمعنى أنه إذا كان الإمام إذا دخل الإمام وجلس الإمام على المنبر ولم يشرع بالخطبة، فإن لهم أن يتكلموا. ومن تكلم في ذلك، فإنه لا يكون قد لغى. وأن الجمعة لا تسقط عليه أو عنه ثوابها. وهذا القول مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. وأنهم كانوا يفعلون ذلك في زمانه، وأنهم كانوا يصلون، ويكلم الرجل صاحبه يوم الجمعة حتى يخرج عمر، ويؤذن المؤذن. فإذا قام عمر فخطب، أنصتوا وسكتوا. فدل هذا الأثر على أن الصحابة والتابعين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه -وهو عمر المعروف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أنه كان يرى ويسمع ذلك منهم، ومع هذا كان لا ينكر. وكذلك من حضر من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه، كان هذا على مسمع ومرأى منهم، ولم ينكر ذلك أحد. فدل هذا على أن هذا الفعل سائغ، جائز. والله أعلى وأعلم. وقال طائفة: ينقطع بخروج الإمام. وقال طائفة أخرى: ينقطع بخروج الإمام وإن لم يتكلم، كما تنقطع الصلاة بخروجه، وهو قول طائفة من الكوفيين، منهم الحكم. وحكي عن أبي حنيفة. وروي عن ابن عمر وابن عباس القول الثاني. عموما: يقولون يجب السكوت إذا خرج الخطيب ورآه الناس قبل أن يصعد إلى المنبر، إذا رأوه وجب عليهم الإنصات. قال ابن رجب رحمه الله تعالى: «وقد خرج البخاري وحديث سلمان في الإنصات بلفظين، في أحدهما ذكر خروج الإمام، وفي الآخر ذكر كلامه». قال: «فمن الناس من قال: رواية الخروج مطلقة تحتمل حالة الكلام وغيرها، ورواية الكلام مقيدة، فتقضي على المطلقة». قال: «ومنهم من قال: إن الرواية المطلقة إنما دلت على إثبات فضل ترك الكلام بالخروج، لا على منعه وتحريمه». والحاصل والخلاصة، والله أعلى وأعلم: أن الصواب في هذه المسألة هو القول الأول، الذي هو قول الجمهور. وأن الكلام والإنصات يجب أن يكون متى عند بدء الخطيب الخطبة. والله أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.